جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أمريكا والسقوط في المستنقع العراقي ـــ توفيق المديني

من المنظور الاستراتيجي الأمريكي الحرب على العراق التي أدت إلى إسقاط نظام حكم "دولة مارقة" حسب توصيف إدارة بوش، تدخل في سياق الحرب الدولية على "الإرهاب". غير أن الحرب على العراق هذه وما أعقبها من بروز مقاومة مسلحة أصبحت تركز عملياتها القتالية ضد الأمريكيين على أرض العراق، كانت لها استحقاقات هامة لم تكن في حسبان إدارة الرئيس بوش.‏

فسياسة الحرب الاستباقية تجاه "أنظمة الحكم المارقة" لم تعد تحظى بنفس القوة، في ضوء تصاعد تأثير المقاومة العراقية وتداعياته على السياسة الأمريكية الداخلية، الأمر الذي جعله يلقي بظلاله على الاقتصاد والسياسة ومستقبل الحزب الجمهوري والانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا ما جعل تقرير خاص تداولته مراكز القرار في واشنطن يحذر من تأثير جدي لما يحدث في العراق لا على انتخابات الرئاسة فحسب، بل وعلى مركز الإمبراطورية الأمريكية وموقعها، وسلطتها، في العالم، وقد يجرؤ عليها أصدقاؤها وخصومها لتغدو مستهدفة سواء بالإرهاب أم بعمليات المقاومة التي ستولد من خلال الموضوع العراقي بتداعياته الجانبية لتتهدد المواقع الاستراتيجية الأمريكية، خاصة النفطية منها.‏

ويقول التقرير أن المشكلة لم تعد في العراق بل في ما يمكن أن تؤدي إليه عمليات المقاومة العراقية التي اتسعت وانتظمت وأصبحت تشكل نزفاً يومياً للوجود العسكري الأمريكي من نتائج تنعكس سلباً على سمعة الولايات المتحدة، وقد تضطرها إلى المزيد من استخدام القوة الذي سيولد بدوره المزيد من ردود الفعل. ويعتقد المحللون الاستراتيجيون في العالم الغربي أن ما يجب التذكير به هو أن الاحتلال الأمريكي للعراق الذي حظي بما يشبه الإجماع الوطني في الولايات المتحدة يتراجع تأييده الآن في ظل نجاح المقاومين العراقيين في وقت وجيز بكل المقاييس في أن ينظموا صفوفهم، ويغرقون الجيش الأمريكي في "فيتنام" ثانية ولكن في العراق.‏

وتحاول قوات الاحتلال الأمريكي- البريطاني في العراق، وكذلك أركان الإدارة الأمريكية في واشنطن أن تنسب أعمال المقاومة المتصاعدة هذه إلى "فلول النظام السابق"، وهو أمر لا يهدف إلى إعطاء هذه العمليات طابعاً سياسياً معيناً فقط، بل يقصد في الوقت عينه التغطية على أسباب ولادة المقاومة العراقية التي هي في تصاعد مستمر، في ظل التخبط الأمريكي المتزايد. وتتمثل أسباب ومحفزات تلك المقاومة العراقية في الأمور التالية:‏

بالنسبة للأمة العربية التي خبرت الاحتلال الأجنبي جيداً، يتساوى الاحتلال الأمريكي للعراق من حيث كونه احتلالاً عسكرياً مباشراً، بصرف النظر عن التضليل السياسي، والكذب المفضوح الذي بدأ يتكشف تباعاً، والذي مارسته الإدارة الأمريكية لشرعنة هذا الاحتلال، ويقصد منه "أسلحة الدمار الشامل المزعومة" و "تحرير الشعب العراقي من الديكتاتورية". ويرتبط الاحتلال الأمريكي بأكبر قوة إمبريالية عرفها التاريخ تملك قوة عسكرية وأسلحة متطورة، وتوظف أرقى ما توصلت إليه الثورة العلمية والتكنولوجية في خدمة آلتها الحربية، وذات المصالح الكبيرة في وطننا العربي، وذات المصلحة بالتحالف مع الكيان الصهيوني. وهذه الأسباب كلها تجعل الشعب العراقي كله بطوائفه المختلفة، وقواه السياسية على اختلاف مشاربها الفكرية، ينخرط في سلك المقاومة، بوصفها خياراً إجبارياً لتحرير وطنه من كل آثار الاحتلال المباشر.‏

وما أن صدر القرار 1483 الذي شرعن صفة الاحتلال الأمريكي- البريطاني على العراق، حتى أعلن أكثر من مسؤول أمريكي بدءاً من الرئيس بوش، مروراً ببقية أركان إدارته، أن الولايات المتحدة عازمة على البقاء لفترة طويلة في العراق "طالما استدعت الضرورة ذلك"، في تناقض صارخ مع كل الوعود التي قدموها للعراقيين. وبشكل مواز قام الحاكم الفعلي في العراق بول بريمر بتصفية مؤسسات الدولة المركزية العراقية، ومنها مؤسسة الجيش العراقي وأجهزة المخابرات، التي تضم أكبر من 500 ألف عراقي، وقطع أرزاقهم، وهو ما يجعل بعضهم يلتحق بالمقاومة. كما حل بريمر وزارة الإعلام، وحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم سابقاً، وعمل على استئصاله، على شاكلة ما فعل الأمريكان بالحزب النازي، عقب الحرب العالمية الثانية، وحرمان 30 ألفاً من أعضاء البعث السابقين حتى من الوظيفة العمومية. وتعتبر هذه المؤسسات المحلولة ذات حضور وأهمية مميزين في التكوين العراقي، وأكبر من أن تتم تصفيتها تحت حجة علاقتها بالنظام السابق، مما يجعل المنتمين إلى هذه المؤسسات يندفعون للدفاع عن مصالحهم ضد الاحتلال وسياساته التي أصابتهم وعائلاتهم بالضرر.‏

وفضلاً عن ذلك فإن ممارسات قوات الاحتلال اليومية التي تقوم على هتك أعراض العراقيين، واستفزاز مشاعرهم الدينية وتقاليدهم وقيمهم، والقيام بالمداهمات العسكرية للبيوت مستخدمة الكلاب البوليسية، وتفجير المنازل، وعدم احترام العراق وقتل مواطنيه، وإذلالهم، وقطع أرزاقهم، هذه الممارسات كلها أججت نار الحقد والكراهية على الأمريكيين، الذين أخفقوا في إعادة الخدمات الأساسية للمواطنين العراقيين ومنها الماء والكهرباء، وتوفير الأمن. وتريد الولايات المتحدة الأمريكية فرض الاحتلال كأمر واقع على العراق، يجب على الشعب العراقي أن يقبل به، وأن ينسى أن له وطناً عزيزاً لعب دوراً مركزياً في الحياة السياسية العربية المعاصرة، وأن لا ينخرط في صفوف المقاومة أو في أية جهة سياسية معارضة للاحتلال الأمريكي- البريطاني، وأن يقبل بالإجراءات الأمريكية التي تتخذها قوات الاحتلال.‏

في مثل هذا الوضع المحبط والمزري تصاعدت عمليات المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال الأميركي- البريطاني بوتيرة متسارعة في الفترة الأخيرة. وتستلهم المقاومة العراقية الدروس من المقاومة الفلسطينية الباسلة التي كبدت العدو الصهيوني خسائر كبيرة عبر العمليات الاستشهادية، وسائر أعمال المقاومات العربية وغيرها: في لبنان، والجزائر، وفيتنام، التي انتصرت على قوات الاحتلال الصهيونية، والفرنسية، والأمريكية، على الرغم من كل التفوق التقني والاستخباراتي، وعلى الرغم من كل جرائم الحرب التي ارتكبها الأمريكيون والفرنسيون والإنكليز في مستعمراتهم السابقة.‏

كيف تستطيع الولايات المتحدة الخروج من المستنقع العراقي؟ يمكن اعتبار الاستقبال الحميم الذي خص به الرئيس بوش أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان، خطوة باتجاه المصالحة. وهذه مسألة غير مفاجأة، فحاجة الولايات المتحدة للأمم المتحدة تفوق مستوى تقهقر نهج سياسة الحرب الاستباقية وتصاعد حدة العجز في الموازنة. فالإدارة الأمريكية الحالية تمر بأزمة في العراق (وفي أفغانستان التي يبدو أن الرأي العام بات يتجاهلها)، كما أن واشنطن بحاجة لدعم عسكري وتحتاج للمال (وكلاهما مطلوبان للأزمتين).‏

ويبدو أن الإدارة الأمريكية لم تعد قادرة على استقطاب المزيد من الأنصار، إذ وجهت دعوات لكل دول العالم بما فيها الدول العربية من أجل إرسال قوات تحت راية الاحتلال الأمريكي، وكانت الاستجابة فضيحة مدوية، إذ من بين عشرين دولة استجابت تحت الضغط لهذا الطلب تم حشد 9 آلاف جندي فقط، جميعهم لا يقومون بأعمال قتالية فلا أحد في واقع الحال متحمس للذهاب إلى العراق، لا عن طريق ترتيبات مرتبطة بالأمم المتحدة من خلال استصدار قرار جديد، ولا عبر مظلة متعددة الأطراف كالبنك الدولي لإنقاذ ورطة واشنطن في العراق، وهي التي ذهبت للحرب منفردة. وقد بدأت المقاومة العراقية تصنع مشهداً سياسياً جديداً في العراق، وأصبحت تقيد المخططات الأمريكية- الصهيونية التي تستهدف تغيير الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وإعادة صياغة ثقافتها، وهويتها، ونمط تفكيرها وتعليمها، بما يخدم استراتيجية الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244