جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشاعر عبد اللطيف محرز ـــ محمد إبراهيم حمدان

أناشيد البحر.. وتجليّات الشعر

في قراءة الشعر مسؤولية كبرى. وفي قراءة الشاعر مغامرة أكبر. وبين المسؤولية والمغامرة تتحرَّج الأفكار وتنوء أشرعة الكلمات.

فلا أحد يستطيع أن يقرأ الشاعر قراءة كلية. ولا أحد يستطيع أن يستخرج كوامن نفسه ومكامن عواطفه ومشاعره سوى الشاعر نفسه. لأن شعره تجربة خاصة وتعبير عن التماهي بين الشاعر وموضوع الشعر لتخرج القصيدة نبضات قلب وانعكاسات روح تتجلى في موضوع الشعر بجميع أبعاده الذاتية والموضوعية.

وإذا كانت القراءة شرطاً أساسياً وجوهرياً في المعرفة. فإن نقطة البدء تشكل المحرك الأساس وتحدد اتجاه المسار للوصول إلى فهم الموضوع وحسن التعامل معه من خلال إدراك العلاقة الوثقى بين الكلمة ومدلولاتها، بين الفكرة وغاياتها، بين اللحظة الشعرية ومشاعرها التي أشعلت جذوة النور في أبعادها وأغوارها المترامية. وبالتالي تحسّس الخيط الروحي الناظم بين الشعر وإبداعات الشعراء في مختلف الجوانب وعلى تعدد الموضوع وسمو الغايات.

فالشعر تعبير عن الذات من جهة، وتذويب لهذه الذات فيما حولها من جهة ثانية، وترجمة للعلاقة الإنسانية العليا التي تربط ذاتية الشعر والشاعر بالذات الإنسانية وتعطي الشعر هويته الخاصة في إطارها الإنساني العام وفي موقعها المتناغم مع قضايا الفكر والشعر على امتداد العصور والأزمنة واختلاف البُنى والمعطيات من جهة أخرى.

ومع أنني قرأت للشاعر الإنسان عبد اللطيف محرز وأؤكد على تعبير الإنسان لأنك منذ الإطلالة الأولى على رحاب شعره تطالعك تلك الصورة الإنسانية الشمولية، والإنسانية حالة شعورية كبرى والشعر حالة تعبيرية عليا عن هذه الإنسانية وبهذا فإن الشعر والإنسانية عروة لا تنفصم ووحدة لا تقبل التمزّق والانقسام.

وتشكل هذه الحالة الإنسانية علاقة بنيوية تمتد على ساحة مجموعاته الشعرية كلها بشكل واضح وجلي كرمز لمحبة الإنسان للإنسان كما ورد في إهداء مجموعته الشعرية "أناشيد البحر".

إلاَّ أنني أعترف بالقصور عن الإحاطة بالتجربة الشمولية التي عاشها وامتدت عقوداً عديدةً من السنين، وأعود إلى التأكيد مرة أخرى على أن الإحاطة بمعاني ومباني أية تجربة شعرية هو مجرد تهويمات في عالم الشاعر العام ويبقى الخاص فيه بعيداً عن متناول الأقلام والأحلام معاً.

كما أعترف بأنني في أوّل دراسة أقدمها عن تجربة شعرية متميزة لها حضورها ومكانتها وكيانها قد لا أصل إلى الهدف والغاية بدقّة وأمانة. فالخوض في بحور الشعر وبحاره المتلاطمة يحتاج إلى مرانٍٍ ودربة ودراية.

وإنني إذ آمل التوفيق في بعض هذه المهمة الصعبة فإنني أعتذر مسبقاً عن ثغرات التقصير والقصور في الإحاطة بجميع جوانب هذه التجربة التي تشكل من وجهة نظر موضوعية رافداً للثقافة الأدبية عامة وللأصالة والجمالية الشعرية ببعديها /الأصالة والحداثة/ بشكل خاص مع التأكيد على رفض هذا التصنيف وعدم الاعتراف بمشروعيته. فالشعر هو الشعر مهما اختلفت الأشكال وتعدَّدت الألوان.

فالشعر بستان الروح وجنّتها الكبرى كما الحدائق جنة الطبيعة وبتعدد الأزهار والألوان وتنوّع العطور والرياحين وتناسق الأبعاد في روضة الشعر ورياض الطبيعة يكون الجمال الأمثل في واحة الشعر وجنة الشعراء.

وفي البداية وقفت حائراً يراودني السؤال: من أين أبدأ؟ وكان لعناوين المجموعات الشعرية للشاعر عبد اللطيف محرز القرار الأخير. حيث وجدت نفسي على شواطئ بحار متماوجة، وفي عُباب أمواج متلاطمة ترجمتها "أناشيد البحر" في نزعتها الإنسانية. و"أناشيد الحق" في تطلعاتها الروحية الزاخرة بالروعة والجلال، كما ألفيتُ نفسي أخيراً أطوف على موانئ بحر الطبيعة المطرَّز بخضرة الأنغام والألوان في "العصفور الأخضر".

إذن: لتكن البداية من هذه المحطات التي تختزل الشكل والمضمون وتوحّد الرؤية والرؤى في تجربة الشاعر وهو ربيب البحر وعاشقه الدائم.

وهنا لا بدَّ من التنويه إلى أن هذه الدراسة ذات طابع أدبي أتلمَّس من خلالها مواضع الجمالية، ومواطن الرؤية الشمولية الأنيقة في تجربته الشعرية مستشهداً ببعض المعطيات في مجموعات الشاعر المطبوعة وقصائده المنشورة والمنتشرة على أكثر من صعيد وفي أكثر من اتجاه.

فهي بالتالي ليست دراسة نقدية بالمعنى التطبيقي لنظريات النقد ومدارسه ومقاييسه المتخصصة.

أفردت الشراع على شاطئ البحر الأول، بحر الوجود بأبعاده وأعماقه وأغواره، فإذا أنا أمام السؤال الحائر الكبير عن معنى الوجود، وحقائقه الكبرى، ومبرراته وغايته.

ومن الأسئلة الكبرى تنداح الأجوبة الكبرى، وتتجاوب أهواء التجربة بعمق وشمولية لتضع الإنسان أمام حقيقة وجوده الكبرى. وفي موقف إدانة أكبر لما اقترفت يداه عبر عصور الحياة وأحقاب الزمن ومساحة التاريخ الحافل بالبناء والدماء!؟:

قلتُ للبحر يوماً ذات صباحِ

 

 

هاتِ.. حدّثْ عن الليالي الملاحِ

عن سمات الوجود.. ما كتبته

 

 

ما محته يَدُ الزمانِ الماحي

وبالرغم من هذا الزخم الإنساني الشامل ترى ذات الشاعر المسكونة بانتمائه تفرض نفسها على ساحة السؤال بعفوية وصدقية شفّافة:

عن بلادي.. وكيف طارت صعوداً

 

 

ثمَّ سفَّتُ تشكو ارتخاء الجناح

ولست هنا بصدد نقد التوليفة الشعرية في البناء الشعري، ولكنني أشير فقط إلى المسألة الانتمائية للذات إلى محيطها الذي يشكل رحم وجود ومعنىً أساسياً من معاني الهوية الشعرية لكل شاعر في كل زمان ومكان. فالهوية والانتماء ضرورة ومنطلق إلى الفضاءات الإنسانية الأرحب التي تنتظم الكون والإنسان معاً في رؤية شمولية واحدة.

وفي هذا الصراع الأزلي الأبدي، وتعاقب الحضارات، وتوالي الانتصارات والانكسارات تتجلّى حقيقة الموقف الإنساني الشامخ في وجه القهر والظلم والعدوان:

لن ينام الثوار لن تهدأ الدنيا

 

 

ولا يرتضي الأذى مقهور

وسيبقى النضال ما دامت الأرض

 

 

على ساحة الوجود تدور

وهذه ليست قراءة سياسية بمفهومها الضيّق بل رؤية موضوعية لتطلعات الإنسان إلى الحرية عبر جميع العصور والأزمنة، والحرية مفهوم إنساني شامل بالضرورة.

وبالرغم من امتداد الشاعر على مساحة الوجود، وإسقاطاته الشعرية على جميع عصوره إلاَّ أنه يعود في الخاتمة إلى ذاته وانتمائه مناشداً:

أصعدُ الشمسَ راحلاً وأُنادي

 

 

يا بلادي قد طال عهد الرقاد

آنَ أن نسكبَ النجومَ ضياءً

 

 

أبدياً في ساعة الميلاد

وهنا نجد التماهي واضحاً بين ذات الشاعر ومحيطه، بين الرأي والرؤيا، حيث تنصهر "الأنا" في /أصعد/ لتولد من جديد في /نسكب/ بروح جماعية أكثر جدوى وفاعلية في معادلة الحياة والوجود.

وليس من العسير على القارئ المتمعّن اكتشاف الروابط والعلاقات الروحية والإنسانيّة بين "أناشيد البحر" و"أناشيد الحق" ففي الأولى مرتسمات للصعود البشري عبر التاريخ، وفي الثانية تجليات روحية تهيء الوقود اللازم لهذا التحرك الصاعد.. مؤكداً على وحدة النسغ الروحي المتدفق في العمق الإنساني حيث يشكل الحبُّ عروة وثقى بين الأرض والسماء.

قلمي أخضر الجناح بصير

 

 

يتغذّى من أصغريهِ الضمير

غَسَلَ الفجرُ جرحَهُ في أمانيهِ

 

 

فَرَقَّ الشذا وشفَّ العبير

واستحمَّتْ شمس الحياة بعينيهِ

 

 

فَرَقَّ الضحى.. وندَّى الهجير

إلى أن يقول:

عن لقاء السماء والأرض حُبَّاً

 

 

عن نفوس تضيء فيها البدور

وهنا لا بدَّ من وقفة متأنية متأملة أمام حالة تنتظم الكثير من أعمال الشاعر وقصائده في مجموعاته الشعرية كلها، وتتجلَّى في ذلك التناغم المتقن في رسم اللوحة الشعرية على تعدّد ألوانها واتساع مساحتها، وذلك الذوبان الكلّي في الطبيعة بمكوناتها وأدواتها ومفاهيمها وفي الأبيات السابقة دلالة واضحة على ذلك حيث: السماء، الأرض، الحبُّ، النفس، الضوء، البدور، الشمس، الخضرة، الضمير، الفجر، الأماني، الشذا والعبير، الضحى والهجير.

وكلها أقانيم كبرى في قاموس الوجود ونواميس أزلية أبدية في تكوينه وأبجدية جوهرية في معجم الحقيقة الوجودية الشاملة.

وفي مجموعته "العصفور الأخضر" تتبدَّى القرية كوناً متكامل الأبعاد، تتصارع في جنباتها الأسئلة وتتفاعل القضايا وتتداخل الرؤى لتشكل مهرجاناً من المساحات اللونية، والنفحات الروحية، والترانيم الحالمة على أوتار النفس الإنسانية المفعمة بعشق الأرض والجمال.

إنها الطبيعة معشوقة الشعر الأولى، ومبدعة الجمال الأول، وملهمة الشاعر منذ بدايات الهيولى الشعرية في آفاق التكوين الإبداعي لكل شاعر:

ألصقُ الناسِ بالتراب والأرض

 

 

هو الآن بالحياة جدير

فهاهو يستمد من الطبيعة إيحاءاتها وإشاراتها لبناء عالم جديد يسود فيه العدل وتتسامى في سمائه أفانين المحبة:

إنَّ للفجرِ لونه الأحمر الها

 

 

دي.. وهذا إشارة ونذير

لبني الإنسان إن أرادوا حياةً

 

 

حرَّةً كي يكافحوا.. ويثوروا

فالشعر عند عبد اللطيف محرز قضية قبل أن يكون فناً، وفنٌّ بمقدار ما هو قضية وبين كليهما يقف الإنسان شامخاً مكافحاً من أجل أن يكون وعلى إيقاعهما معاً تنداح سمفونية الحياة من الأزل إلى الأبد.

والشاعر عبد اللطيف محرز الذي أتقن فنَّ الرسم بالكلمات، والوشم بالألوان، وترصيع اللوحة الشعرية بأطياف المباني والمعاني الجميلة يشكل في النهاية محور الالتقاء بين البحر والطبيعة والإنسان. فهو نتاج لهذا الثالوث الكوني الرحيب، ولهذا نجد انتماءه واضحاً في هذه الأقانيم في جميع أعماله الشعرية، ومواقفه الفكرية، وفي هذا دلالة واضحة على العمق والشمولية والتنوّع في تجربته الشعرية ورؤيته الوجدانية الشاملة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244