جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حُسْن التعليل ـــ د.محمد رضوان الداية

في فنون البلاغة من علم البديع نوع يُسَمّى التعليل أو حُسْن التعليل. أي: يَمُرُّ الشّاعر على موضوعٍ، أو موقفٍ من المَواقف، ويأتي بِحُجَّةٍ أَو دليل، هو في الحقيقة دليلٌ بعيدٌ، أو هو تغطيةٌ ذكيّة لمسألةٍ أو قضيةٍ أو موضوع وإن لم يكنْ جواباً مباشراً.

-ومن حُسن التعليل قولُ أحدهم:

يا واشياً حَسُنَتْ فينا إساءَتَهُ

 

 

نجّى حِذارُكَ إنساني من الغَرَقِ!

فالواشي المكروهُ عادةً قد أحسنَ إلى الشاعر! وهذا غريب! ولكنّ هذه الغرابة تزول بحسن التعليل. قال الشاعر للواشي لمّا أفْسَدّتَ عليَّ استرسالي مع عاطفتي وحُبّي بمراقبتكَ لي مَنَعْتَني من البُكاءِ وَجْداً وشوقاً. لم أذرفْ دموعي حتّى لا تشي بي وبمن أُحِبّ! فخفَّفت عني ألم البكاء، وحرارة الدُّموع!

-ومن حُسن التعليل قول الشاعر:

ما بهِ قَتْلُ أَعاديه ولكنْ

 

 

يَتّقي إِخْلافَ ما تَرْجُو الذّئابُ!

يقول: هو لا يكترثُ لأعدائه ولا يهتّم لهم، ولكنّهُ يُضطرُّ إلى مقاتلتهم لأنه عَوَّد الذئابَ (وغَيْرَهُم مثل كواسر الطّير) أن يكون لهم مَطْعَمٌ بعد كُلّ معركة مع عَدُوّ!...

وهو لا يريدُ أن يُخْلِفَ ما عوّدهم عليه!

-ومن أَحسن ما قرأتُ في حسن التعليل قصيدةٌ محدودة في عدد أبياتها بَنَاهَا الشاعر على فكرةِ حُسن التّعليل، وهي في غرض الغزل. والأبيات جيّدة، رقيقة، متناسقة، مع بساطتها وخفّتها.

والشاعر هو صفيّ الدّين الحلّي أَحد شعراء القرن الثامن الهِجْري.

(2)

وأدارَ الحلّي قصيدتَهُ على الحوار، وهو حوار سَريعٌ متلاحِقٌ بعيد عن التَّكَلُّف، وهذه هي الأَبياتُ أوردها جميعاً لِحُسْنها ورَشاقتها. قال:

قالَتْ: كحَلْتَ الجُفونَ بالوسَنِ

 

 

قلتُ: ارتقاباً لِطَيْفِكِ الحسَنِ!

قالتْ: تَسلّيْتَ بعدَ فُرقتنا!

 

 

فقلتُ: عَنْ مَسْكَنِي وعَنْ سَكني!

قالتْ: تَشاغَلْتَ عَنْ مَحبّتنا

 

 

قلتُ: بِفَرْطِ البُكاءِ والحَزَنِ!

قالتْ: تَناسيْتَ، قُلت عافِيتي

 

 

قالتْ: تناءَيْتَ، قلتُ: عَنْ وَطني!

قالَتْ: تَخلّيت! قُلْتُ: عن جَلَدِي

 

 

قالتْ: تغَيَّرْتَ، قُلْتُ فِي بَدَني!

قالتْ: تَخَصَّصْتَ دون صُحْبَتِنا

 

 

فقلت بالغَبْنِ فيك والغَبَنِ

قالتْ: أَذَعْتَ الأَسْرارَ قلْتُ لها:

 

 

صَيَّر سِرّي هَواكِ كالعَلَنِ!

قالت: سَرَرْت الأَعْداءَ قلتُ لها:

 

 

ذلكَ شيءٌ لو شِئْتِ لم يَكُنِ!

قالت: فَماذا تَرُوْمُ؟ قلت لها:

 

 

ساعةَ وَصْلٍ بالسَّعْدِ تُسْعِدُني!

قالتْ فَعَيْنُ الرّقيبِ تَرْصُدنا

 

 

فقلتُ: إنّي للعَيْنِ لم أَبِنِ!

أَنْحَلْتِني بالصُّدودِ منكِ فَلَوْ

 

 

تَرَصَّدَتْنِي المَنُوْنُ لم أَبِنِ!

ونكتةُ القصيدة كلّها، أو خلاصَتُها تتركز في البيتين الأخيرين حين قرّر أن حُبّها أضْعَفَهُ وجَعَله نحيلاً، حتى إنّه لا يُرى من شدّة هُزال الحبّ!!.

إذن.. لا باس في لقائها لأنّ الواشي وغيره لن يرى لقاءهما!! (على سبيل المبالغة الشعريّة)!...

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244