جريدة الاسبوع الادبي العدد 913 تاريخ 26/6/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ذكرياتي رشيد ياسين (3) ـــ عبد الرزاق عبد الواحد

قلت له يوماً وأنا في بيته ببيروت: أتمنى لو عدتَ إلى بغداد يا أبا نبيل.. فأنا واثق من أنك ستضع أمور الشعر في أنصبتها.. وستحدد لكل ذي قدرٍ قدره.‏

وعاد رشيد إلى بغداد، ولكنه لم يكن رشيد الذي عرفته قبل عشرين عاماً!.‏

هذا واحد من ألمع نجوم الشعر في سماء بغداد، في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، إن لم يكن ألمعها جميعاً. أمضينا معاً سنتين في الإعدادية المركزية كلانا في الفرع الأدبي، ولكننا لم نتعرف على بعضنا. كنت أنا في شعبة (ب)، ورشيد في شعبة (آ)، كان لكل منا عالمه.. كان ذلك عامي 1945 و1946.‏

مازلت أتذكر النشرة الجدارية التي كان يصدرها بمفرده. كان رساماً بارعاً، وخطاطاً بارعاً.. وشاعراً وكاتباً مبكر الوضوح. وكان معتزاً باكتفائه الذاتي في كل ما يصنعه في تلك النشرة.‏

بعد أن توثقت الصلة بيننا، اكتشفت أن رشيد كان ذا صوت شجي أيضاً، حين يجوّد القرآن الكريم، وحين يغنّي. على أن أبرز ما كان يميزه، ثقافته العميقة والواسعة على صغر سنه.. وأكثر ما كان يلفت النظر إليه ويثير الإعجاب به، إتقانه الإنكليزية ومطالعته بها في وقتٍ ندر فيه من يقرأ بالإنكليزية.‏

يوماً من الأيام ذهلت عندما علمت أن نبيل، وهو ولده البكر، قد قرأ مجلدات الفلسفة اليونانية باللغة الإنكليزية، واستوعبها، وهو بعد طالب في الثانوية! قلت في نفسي: ومن يشابه أباه فما ظلم!.‏

كان رشيد حين تعرفت عليه، يسكن في محلة (الطاطران)، تحت التكية.. وكنت أسكن في (كرادة مريم). كنا من عائلتين فقيرتين.. هو الولد البكر لتاجر انزلق به سوء التقدير إلى الإفلاس. وأنا الابن البكر لعامل كان يكدح في الكويت لكي يعيل أسرته ببغداد!.‏

كان رشيد في مطالع عشريناته.. معتدل الطول.. رشيقاً أميل إلى النحافة.. غامق السمرة، وإن كان يتبجح بلونه الحنطي. دقيق قسمات الوجه، متناسقها. متين البنية، شديد الاعتداد بنفسه.. متعالياً حدّ العجرفة. صادقاً ومستقيماً حدّ أن يشطر نفسه شطرين إذا اعترضته نفسه! ساخراً من كل شيء بمرارة. تبلغ سخريته حدّ العدوانية في الغالب. شديد القسوة حتى على أقرب الناس إليه. كثير التذمر حدّ أن يخلق حوله أحياناً جواً من التعاسة لا يطاق!‏

إن الذي يرى رشيد ياسين من كثب، لا يستطيع أن يتخيل أن هذا الإنسان يمكن أن يبكي!. أنا رأيته يبكي مرتين!.. أولاهما بدون صوت. كانت دموعه تنهمل على خديه، وهو يحدثني عن حبيبته التي افترق عنها.. كان ذلك في بداية تعارفنا، وكان يعمل يومها معلماً في مدينة القرنة بالبصرة. أما في المرة الثانية، فقد كان يشهق مختنقاً بعبراته.. كان ولده الصغير يمر بمحنة كبيرة. إنك لتكتشف داخل هذه الصخرة القاسية نبعاً من الماء لا تستطيع أن تتصوره إلا إذا ملكت أن تنفذ إليه.. وليس يسيراً، حتى على من عاش عمره مع رشيد، أن ينفذ إلى أعماقه، لفرط ما غلفته المرارة‍.‏

هذا الوجه العابس المكفهر.. المشمئز من كل شيء.. في أعماقه طفل طيبته تكسر القلب، ولكنها طيبة غارقة في المرارة‍‍!.‏

لكي أكون دقيقاً في الصورة التي رسمتها لرشيد، أنقل عن قسوته هاتين الحادثتين:‏

كنت شاعراً مبتدئاً، في السنة الأولى من دراستي الجامعية.. شديد التحرج من هذه الأسماء الكبيرة عليّ.. لذا فقد جلست مستمعاً، وبدأوا ينشدون ويتحدثون. فجأة التفتوا إلي وسألوني أن أقرأ!. بعد تمنّع طويل مني، وتشجيع كبير من السياب، قرأت. أنا لم أنظر إلى وجه رشيد لكي أرى ردود الفعل عليه، ولكنني سمعت بعد شهور تعليقه على قراءتي تلك. قيل إن رشيد ظل يحملق في وجوه جماعته حال انصرافي عنهم، ثم قال: "هو هذا وجه شاعر؟؟!". ثم التفت إلى بدر قائلاً: "يمكن لصاحبك هذا أن يعمل حمالاً، أو جزاراً.. أما شاعراً فلا!.".‏

الحادثة الثانية: المكان: مقهى خليل. الحضور المجموعة نفسها.. وكان الوقت يكاد يدنو من الظهيرة. كنا في غمرة حديثنا حين قطع علينا نقاشنا رجل جاوز الأربعين عاماً.. سلّم منحنياً بأدب جمّ.. وباعتذار كاد يكون موجعاً لكثرة ما فيه من عبارات التودد.. ثم قدم نفسه على أنه شاعر مبتدئ، يلتمس من أساتذته الكبار أن يتلطفوا بقبول مجموعته الشعرية المتواضعة، مهداة لكل واحد منهم.. متمنياً أن تتاح لنا فرصة قراءتها.‏

كان الرجل شديد الارتباك.. وكنا جميعاً في مثل سنّ أولاده إذا كان له أولاد. حين انتهى من تلك المقدمة الاعتذارية، مدّ يده لكل واحد منا بكتيّب شعري عليه إهداء بالغ في تواضع المهدي، وإجلال المهدى إليه.‏

خلال تلك العملية، كنت أراقب رشيد وهو ينظر إلى هذا الرجل الأشيب، الواقف محدودباً كالمتسوّل. كان يرنو إليه باشمئزاز مشوب بالسخرية، مائلاً برقبته، رافعاً وجهه نحوه بشكل يثير الضحك.‏

وضع الرجل كتبه ومضى لمكانه في المقهى بعد أن تراجع خطوتين إلى الوراء قبل أن يولينا ظهره.‏

كنت أتوقع الزوبعة.. ولكنني لم أتخيل أنها ستكون بهذه القسوة، أو في الأقل، لم أتخيل أنها ستتجاوز نطاق جلستنا نحن.‏

خلال دقيقتين، تصفح رشيد الكراس الشعري ماطّاً شفتيه.. ثم نهض وبيده الكراس، متجهاً إلى الرجل. حاولنا جميعاً أن نوقفه فلم نفلح. وقف على رأسه، ورفع الرجل وجهه إليه مبتسماً.. وإذا برشيد يقول له: "ألم تستحِ وأنت في هذه السن، أن تكتب مثل هذا الهذيان؟ ولا تكتفي بكتابته، بل تطبعه، وتنشره، وتهديه للناس؟!" ثم عاد بعد أن ألقى الكراس على الرجل الذي ظلت ابتسامته تشحب تدريجياً حتى استحالت إلى ما يشبه البكاء..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244