جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بيت القصيد وقصيدة البيت ـــ د.غازي مختار طليمات

لا يذهبنّ بك الظنّ إلى أن هذا العنوان ضرب من العبث اللغوي، ينطوي على التعمية للتسلية، أو يرمي إلى إمتاع النفس بالانتقال من الطرد إلى العكس. وإنما هو نقد محض، ينتمي قسمه الأول إلى النقد القديم، وقسمه الثاني إلى النقد الحديث، والقسمان معاً ينزعان عن قوس واحدة، وهي التعبيرُ عن كثير المعنى بيسير اللفظ، وتوفيةُ الفكرة حقَّها من التصوير الفني، والانفعال النفسي وفق معيارٍ تقليدي معروف من معايير البلغاء القدماء، وهو: "البلاغة الإيجاز".

وإذا كان هذا المعيار صالحاً للكشف عن صور الإبداع في أنماط كثيرة من النثر الفني كالأمثال وأدب التوقيعات، وجوامع الكلم التي تطالعك في الحديث النبوي الشريف، فإنه في ميدان الشعر أصلح وأوضح، لأن الشعر يلتمع في سماء الأدب التماع الصواعق البوارق التي تتخطف الأحداق، ولا ينبسط انبساط النثر في آفاق الفكر المترامية الأطرف. وعلى هذه الحقيقة النقدية وقع أبو عبادة البحتري حينما قال:

والشعر لمح، تكفي إشارته

 

 

وليس بالهذر، طُوّلت خطبُهْ

وعلى هذه الحقيقة، أو على ما يقاربها كان النقاد يقعون كلما فاضلوا بين الشعراء، إذْ كان سائلهم يسأل: من قائل هذا البيت؟ فيقال له: فلان، فيقول: هو أشعر الناس، أو هو أشعر الإنس والجن. وكأنه بهذه الشهادة يبايع صاحب البيت بإمارة الشعر، وهي إمارة ممهورة ببيت واحد. وربما كان هذا البيت مطلع معلقة مطولة، كقول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

 

 

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وربمّا كان واسطة العقد في القصيدة، كقول جرير:

فغض الطرف، إنك من نمير

 

 

فلا كعباً بلغت ولا كلابا

ومثل هذا البيت حيثما وقع كان يسمى "بيت القصيد"، أي هو ـ وفق المعايير القديمة ـ أجود أبيات القصيدة، ومحورها وجوهرها.

وبيت القصيد كان في أغلب الأحيان، وعند أشهر الشعراء حكمة قيّمة، تغزو عقل الإنسان، كقول النابغة الذبياني:

ولست بمستبق أخاً، لا تلمُّه

 

 

على شعث. أيّ الرجال المهذب؟

أو مثلاً يلخص موقفاً من مواقف الحياة، ثم تسير به الركبان، حتى ينطبق على مواقف كثيرة، كقول عمرو بن الحارث:

وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم

 

 

فهل أنا في ذا بالهمدان ظالم؟

أو معنى مبتكراً، لم يتخلّج قبلُ في ذهن شاعر، كبيت امرئ القيس السابق، أو تلخيصاً لتجربة إنسانية، يعتبر بها البشر، كقول أبي الطيب المتنبي:

ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه

 

 

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

وربّما كان بيت القصيد ترسيخاً لفضيلة، لا يماري أحد في سمّوها ومكانتها في الحياة، أو توبيخاً لرذيلة، لا ينكر أحدٌ سقوط من يتخلّق بها، كقول أبي الطيب:

من يهن يسهل الهوان عليه

 

 

ما لجرح بميت إيلامُ

أو تعبيراً عن موقف سياسي حرج، أو إيماناً بمبدأ، أثبتت التجارب والأحداث صدقه وعمقه، كقول أبي تمام:

السيف أصدق أنباء من الكتب

 

 

في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

أمّا قصيدة البيت ـ كما يفهم من كلام خليفة محمد التليسي ـ فهي ومضة خاطفة، ولمحة عابرة، ودفقة شعورية حادّة، ونغمة هاربة من السلّم الموسيقي المألوف، وأغنية فطرية، بالغة القصر، تُصَبّ في عبارة مكثفة أشدّ تكثيف، مركزة أعظم تركيز، يجتمع فيها العمق الفكري، والتوتر العاطفي، والإبداع الفني. وما زاد على ذلك فليس أكثر من صنعة واحتراف، وتنميق وتزويق. وقصيدة البيت ـ بسبب هذه الخصائص ـ قادرة على أن تنقل إلى القارئ عناصر عاطفية متفجرة، وعلى أن تغمره بظلال لا حدود لامتدادها من الدلالات الشعرية الموحية التي تعيا بمثلها طوال القصائد.

ولا يشترط في قصيدة البيت أن تُصبّ حتماً في بيت واحد مستقل. فمن الممكن أن تتجلى في بيتين من قصيدة طويلة، غير أن القصيدة الطويلة، في هذه الحالة، لا تُعدّ أكثر من ذيول وفروع، أو هي عناصر ثانوية مكملة، غرضها أن تحوط البيت الجوهري المحوري بالبيئة المتممة، كما تحمل الأغصان المورقة الثمرة اليانعة. إن قصيدة البيت الواحد هي الأصل في الحياة، وهو الأصل في الشعر. وفحوى هذه الأصالة أنها لامتلائها بالحيوية المتفجرة، وبالنشاط الجمّ، تستطيع أن تعبر عن الحياة الإنسانية في عُرامها ووثوبها، لا في نظامها ورتوبها، وأن تترجم تأرّجها وتأجّجها لا انكفاءها وانطفاءها. إنها الجمرة المتقدة في رماد الزمن الخامد، والشعلة المضيئة التي ترسل أشعتها الغزيرة المنهمرة في كل اتجاه، لا لتبوح بما في قلب الشاعر وحده، بل لتبوح بما في قلوب البشر جميعاً. وسبب هذا البوح أنها تحسّ بما يحسّون، ولكنها تعبر عن إحساسهم بأسلوب رفيع، يَعْيَوْن عن محاكاته، وباندفاع عنيف، يقصّرون عن مجاراته.

ولتعليل الأصالة في هذا النمط من الشعر، ولتسويغ ظهوره في أقدم العصور الأدبية العربية، ذهب خليفة التليسي في كتابه (قصيدة البيت الواحد) إلى أن الشاعر قد يخضع في حياته إلى أنماط كثيرة من الضغط: بعضها نفسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها سياسي. منها ما يمارسه الحكام، ومنها ما تمارسه القبيلة. حينئذ يهرب الشاعر من إطاره القبلي إلى إطاره الفردي، لكي يعبر عن ثروته وتميزه، فيسمح للسانه أن ينطلق طوع جنانه، فيتدفّق شعره تدفقاً فطرياً متفلتاً من رقابة الجماعة، ويصوّر ما يعانيه بأسلوب صريح مكثف، لا منقح ولا ملطف، فإذا هو يصنع قصيدة البيت الواحد. فكأنّ جذور الانفعال الشعري الحقيقي ضاربة في أعماق التاريخ، أو كأنَّ البناء الشعري مؤسّس على الومضات السريعة لا على التجارب المتأنية التي يصقل لاحقها السابق.

بهذا التعليل ينفي المؤلف ما قيل عن ارتباط هذا النمط من الشعر ببعض المذاهب الغربية، وينكر أن يكون الحديث منه سيراً في ركاب الحداثة المستوردة. وإذا كان "عزرا باوند" قد قال: "من الأفضل للشاعر أن ينجح في تسجيل استثارة واحدة بسطر أو سطرين، فإن ذلك خير له من كتابة ألف سطر"، فإن قوله هذا لا يعني أن قصيدة البيت الواحد أجنبية المنبت. لقد عرف شعرنا العربي ـ والرأي للتليسي ـ هذا النمط من الشعر، وتمرّس به نظما وتذوقاً من أقدم العصور، وأبدع فيه أيَّ إبداع. والدعوة إلى إطرائه لست ترديداً لصدى دخيل، وإنما هي عودة إلى تراث عربي أصيل. وفي هذا الأصل البالغ الغَوْر في القدم يكمن جوهر الشعر العربي، وتتجلى حقيقته وطبيعته. فمن وقع على شيء من هذه الروائع اللوامع في شعر نزار قباني، وشعر أدونيس فليعلم أنها استمرار لما زخر به شعرنا القديم، وليست بضاعة جليبة من أسواق الغرب الأدبية.

إن هذه الخاطرة التي تجرأت، وجاوزت حدّها، حينما نقلت إليك أفكار التليسي بغير ألفاظها تسمح لنفسها بأن تتجاوز الحدّ مرة أخرى، فتضرب على محكِّ قصيدةِ البيت الواحد مثلاً تداولته الألسنة طوال نصف القرن الماضي، وهو قول عمر أبي ريشة:

رب وامعتصماه انطلقت

 

 

ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم، لكنها

 

 

لم تلامس نخوة المعتصم

إن هذين البيتين وردا، كما يعرف القرّاء، في قصيدة طويلة صورت نكبة فلسطين تصويراً موجعاً، فجّر غضب العرب، وألقى تبعة الكارثة على التغافل والتخاذل، وعلى غفوة النخوة، وتبلّد الحسّ القومي، وعجز الحكم عن قمع الظلم. ولهذا كله يمكن إلحاق هذين البيتين بقصيدة البيت، أو بيت القصيد هو قول عمر في القصيدة نفسها:

لا يلام الذئب في عدوانه

 

 

إن يك الراعي عدوّ الغنم

وتعلل رأيك تعليلاً لا يخلو من دقة وعمق، فتقول: هذا البيت أوضح وأصرح، وأعمق وأصدق، فهو أقوى حسًّا، وأجمل تصويراً، وأدق تفكيراً، وأجرأ تعبيراً، لأنه يلقي الاتهام على أعناق الحكام. وما قولك عن الصواب ببعيد.

وبعد... فإن هذا الرأي النقدي المتصل ببيت القصيد وقصيدة البيت ليس معادلة من معادلات الرياضيات والفيزياء، ولا قانوناً من قوانين الفلك، ولا ناموساً كونياً، يتعذر دحضه ورفضه، وإنما هو اجتهاد بُني على ذوق، وبين الأذواق من الافتراق مثل ما بينها من الاتفاق. ومع أن صاحبه ناقدٌ وفىّ رأيه حقّه من الدرس والتحليل في كتاب، فإن ناقداً لا يقلّ عنه ثقافة في النقد، وحصافة في الرأي، ورهافة في الحسّ قابل هذا الرأي برأي آخر وعن رأي الدكتور نعيم اليافي قد نتحدث في خاطرة أخرى.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244