|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
سياسة المؤامرة ـــ عبود كنجو يرى أحد المؤلفين العرب أن مجمل أحداث التاريخ، الكبيرة منها والصغيرة، وعلى المستويين العام والفردي، قد تمت تدبيراتها في الليل، وعلى النقيض من ذلك، فإن معظم المفكرين والسياسيين العرب يستهينون بسياسة المؤامرة، ويصمون من يتحدث عنها باللاعقلانية، وذلك بتأثير الثقافة الغربية ومرجعياتها المتعددة والمتناقضة التي نقلها هؤلاء إلى الثقافة العربية، وكان عليهم أن يعملوا على توحيد المرجعية الثقافية العربية كهوية واحدة وشخصية حضارية واحدة تتواشج مع عمقها الإسلامي عبر التاريخ. لقد نسي هؤلاء أن الفكر الغربي المتلاقح مع الفكر الصهيوني إلى حد الشراكة والمطابقة مع ما يبدو من تناقضات سطحية لا تؤثر في المفاهيم وموضوعاتها، أي بين الفكر المجرد وعلاقته بالواقع، ومما هو معروف للجميع، أن الفكر الصهيوني الغربي يتجلى في ثلاثة مفاهيم مرتبطة بمواضيعها ارتباطاً وثيقاً، العقلية الصهيونية المتآمرة على مر التاريخ، والمكيافيلية "الغاية تبرر الوسيلة في السياسة ونصائح غريبة للحاكم اكذب ـ اكذب إلى أن يصدقك الناس، وأن يخافك الناس خير لك من أن يحبوك!! والبراجماتية النفعية ومبدأ اللذة والمتعة والفائدة بغض النظر عن أية قيمة أخلاقية فضلاً عن منظومة القيم وهذا ما سبب، ولا يزال يسبب الكوارث والدماء والدمار في العالم، منذ سقوط غرناطة وصعود الغرب حتى الآن. وعلى النقيض من ذلك فإن الثقافة العربية وعمقها الحضاري الإسلامي تتلخص مفاهيمها بمقاصد شريعتها الحق والعدل والخير، وهي ليست مفاهيم مجردة وغير مرتبطة بمواضيعها في الواقع التطبيقي، وهذا ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، وما زالت شواهد التاريخ ماثلة في الذاكرة الجمعية وكتب التاريخ والعيان والمشاهد، ولا يكتمل إيمان المرء إلا بالقول والعمل لتحقيق المقاصد النبيلة ليس للإنسان وحده وإنما تشمل رحمته جميع العوالم من إنسان ـ أي إنسان كان، حتى الحيوانات العجماوات، وهكذا أثمرت هذه الثقافة عقولاً لم يصل إلى مستواها العقل البشري بعد اتساع مداركه وثورة صناعته ومعلوماته وقوانينه التي تتشدق بحقوق الإنسان، ونضرب لذلك مثلاً واحداً فقط هو الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الذي كان ترجمة حقيقية لمنظومة القيم والمقاصد، والتي تقف على النقيض من مفاهيم الغرب، فالمقاصد النبيلة لا يمكن أن تتم، ولا ينبغي لها ـ إلا بوسائل نبيلة، لذلك طفحت شاعريته وفاضت قريحته بالقول:
وفي الصورة المقابلة، يتبجح كتبة الصهيونية: "بأن اليهود يتبنون ثقافة الله في العالم، ولولاهم لحدث نقص في العبقرية"!! والحقيقة التي لا مراء فيها وهي أنها لولاهم لنقصت عقلية التآمر في العالم ونقصت النزعة التدميرية. منذ وجودهم حتى عصرنا الراهن، لقد امتلأت الأرض ـ بتآمرهم ـ فساداً ودماءً وعهراً ودماراً، وإذا كانت مثل هذه الأقوال توصم بالتعصب واللا سامية، فكيف نفسر أقوال أنبيائهم وكافة أنبياء الله في توصيفاتهم، وهل الأنبياء معادون للسامية، إذا لم يقل أحد من البشر في حقهم مثلما قالته أنبياؤهم وكتبهم المقدسة، ولا مانع أن تستحضر بعض وقائع التاريخ التي سردت قصص تآمرهم بما فيها كتبهم المقدسة، ولا يقتصر أمر التآمر على غيرهم بل تعداه إلى أنفسهم هم "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" فقد تآمر "آحاز" ملك يهوذا مع الملك الآشوري "بنغلاتفلاسر" ضد مملكة إسرائيل وملكها، فأطلق عليه نبي الله أشعيا والشعب اليهودي لقب "المنافق". وتقول أسفارهم: أن أبشالوم بن نبي الله داوود، قد تآمر على أبيه، وكون جيشاً وحارب جيش أبيه أما المؤامرة العجيبة فتلك التي حاك خيوطها الملك اليهودي "أغريبا الثالث" وشقيقته "برينكى" التي كانت عشيقة لتيتوس" لهدم الهيكل، وقد ساعد أغريبا تيتوس في هدم الهيكل، وكذلك مؤامرة "أستير" التي حاكها اليهود حين قدموها لكسرى "أحشوبرش" وكان نتيجة هذه المؤامرة قتل سبعين ألف عربي وإعادة اليهود من السبي إلى فلسطين، غير أن استقراء التاريخ لا يمكن أن يأخذ حقه في صفحات قليلة، ولا بد من القفز فوق مراحل التاريخ وصولاً إلى القرن العشرين الذي لعب فيه التآمر اليهودي دوراً خطيراً في الحروب التي حاقت بهم سيئاتها، فقد لعبت الصهيونية دوراً غريباً في التعامل مع ألمانيا النازية إلى حد التناقض، في الوقت الذي كانت تعقد فيه الصفقات مع هتلر لتسهيله هجرة اليهود إلى فلسطين سراً، أما في العلن فقد أقام إذاعة ناطقة بالعربية، ويرتفع فيها صوت يونس مبشراً العرب بالخلاص على يد هتلر، كانت الصهيونية تصدر الأوامر السرية لكافة اليهود في ألمانيا تأمرهم بشراء القمح وإحراقه سراً، وقد نفذ جميع اليهود هذه الأوامر حرفياً، وفي خلال مدة قصيرة تعرضت ألمانيا لمجاعة كبرى، وكانت النازية تعتبر كل شخص غير نازي حيواناً، وهي نفس الأفكار التلمودية والصهيونية، وعندما كان "بورمن" رئيس الاستخبارات النازية "الجستابو" ينفذ أحكام الإعدام بالمعارضين والمقاومين، تقدم إليه أحد اليهود بطلب غريب، وكان سجيناً في أحد المعتقلات التي يتم فيها تنفيذ حكم الإعدام ودفن الجثث، وكان الطلب أن يتولى هذا اليهودي، تنفيذ حكم الإعدام باليهود ودفن جثثهم، فقبل "هيرمن" طلبه مستغرباً، وكلف أحد رجاله بمراقبته، وقد زال استغرابه حين جاءه تقرير المراقب: بأن هذا اليهودي كان ينفذ حكم الإعدام باليهود، وينقل جثثهم لدفنها خارج المعتقل لكنه قبل عملية الدفن، كان يقطع أصابع اليهود الموتى التي كانت تحوي خواتم ذهبية ومعادن ثمينة، ويقتلع الأسنان الذهبية، ويدسها في جيوبه!!. وهكذا فإن أي دراسة لظاهرة فكرية بمعزل عن موضوعيتها، أي تطبيقاتها في الواقع ستقود حتماً إلى الضلال الفكري ونحن أمام تجربتين فكريتين ممتازتين، أولاهما لعباس محمود العقاد في تقديمه بروتوكولات حكماء صهيون، حيث خلص إلى نتيجة مفادها: "أن واقع الحال أصدق من لغة المقال" يريد العقاد أن يقول: إن الواقع الذي تمارسه الصهيونية المتحالفة مع الإمبريالية يكاد يكون تطبيقاً حرفياً لما ورد في البروتوكولات، بينما مفكر آخر كتب موسوعة كاملة عن اليهود ومن خلال الوثائق المتاحة في عصر المعلومات، خلص إلى نتيجة مناقضة لرواية العقاد، وهي أن البروتوكولات مزيفة، ومن خلال فهمنا للواقع الثقافي والموضوعي كما قدمنا تقول: إن البروتوكولات هي ترجمة موضوعية للفكر الصهيوني، ولا يستطيع طمس هذا الواقع الموضوعي أية أفكار رافضة له، ومهما كان مصدرها، وبما أن لكل قول حقيقة، فإن حقيقة قولنا هذا تعتمد على الوثائق بقدر ما تعتمد على الواقع. إن النسخة الموجودة في المكتبة البريطانية منذ العام 1906 مغلفة بجلد ماعز أسود تحتوي على 417 صفحة يتألف منها القسم الأول، أما القسم الثاني فيحتوي على 112 صفحة تحوي 24 بحثاً أو ما سمي محاضر جلسات حكماء صهيون كدستور للصهيونية العالمية، وما نشر من هذا الكتاب الضخم هو القسم الأخير منه فقط.. وتثبت المصادر اليهودية نفسها أن هذا المخطط وضعه اليهود منذ الشتات إلى أن جاء تيودور هرتزل وقدمه في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال 1897م حيث قال هرتزل في نهاية المؤتمر: "إنني متأكد الآن، وأكثر من أي وقت مضى من إنشاء الدولة اليهودية" وتأكيدات هرتزل تستند إلى ضغوطات ترومان الرئيس الأمريكي على الحكومة البريطانية التي تستعمر الوطن العربي في الاستعجال بإقامة الكيان الصهيوني، وكان وعد بلفور، في الوقت الذي وعدت بريطانيا العرب في شخص الشريف حسين بإقامة الدولة العربية، والجميع يعلمون نتيجة المؤامرة البريطانية الفرنسية في تجزئة الوطن العربي واقتسامه "سايكس بيكو". وعندما خرجت الجمعيات السرية اليهودية إلى العلن بعد الثورة الفرنسية مستغلين مبادئها وانهماك أوروبا في الحروب، توالت المؤلفات التي كتبها المؤرخون والمفكرون محذرين من الخطر الداهم بعد أن بحثوا عميقاً في وثائق التاريخ ووقائعه، فتوصلوا إلى نتيجة واحدة كما يقول "دى موسو" في كتاب له عن اليهود واليهودية ـ باريس 1882": "لقد وحد عندهم منذ الشتات حتى اليوم مركز قيادة وتوجيه بين أيدي أمراء خفيين" كما تحدثت جميع الصحف قبل مؤتمر بال وبعده ومنها الصحف اليهودية صراحة حول هذا الموضوع، كمجلة الدروس اليهودية التي كان يمولها جيمس روتشيلد فقد نشرت في العام 1880 مستندين يوضحان: أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر في سبيل السيطرة اليهودية على العالم وكذلك انطلقت صرخة الروائي الروسي الكبير "ديستويفسكي في العام 1881: "إن اليهودي ومصرفه هما الآن سيدا الجميع، وهما اللذان يديران أوروبا". أما عن تدمير القيم التي تؤدي إلى تدمير المجتمعات عن طريق الفجور فقد قال المؤرخ الشهير "توينبي"، "لقد كان لليهود دور واضح في التدمير الأخلاقي والسياسي للإمبراطورية الرومانية وسقوطها" كما يلعبون اليوم دوراً واضحاً في تدمير الأخلاق والمجتمعات الغربية وتعهير المرأة مستعينين بثورة المعلومات والفضائيات تأسيساً على الجذور الوثنية في الديانة اليهودية. منذ أن نقلوا عبادة عشتار البابلية ذات الشبق الجنسي وبقاء معابدها إلى هياكل عشيرا اليهودية على تلال ذات هواء منعش محاطة بالغابات ومليئة بفتيات البغاء المقدس لقضاء أوطار المؤمنين، ومن ثم استبدلوا الفتيات بالخصيان والغلمان، وهذا ما يفسر نقمة أرميا وأشعيا وحرقيال على أورشليم التي ملأ زناها الأرض، وها هو يملأ الأرض من جديد. ذلك غيض من فيض، وقد أصبح التسلط الصهيوني على كل وسائل الحياة أمراً واقعاً، وما زال بعض الكتبة العرب "الليبراليون الجدد" يطالبوننا أن نكون واقعيين، ومعنى الواقعية عندهم قبول الأمر الواقع، ومشاريع الهيمنة الصهيونية والإمبريالية ومشاريع الهيمنة، مرة في أطروحات العولمة، ومرة أخرى بالشرق الأوسط الجديد، ومرة ثالثة بالشرق الأوسط الكبير. وينصحوننا بقبول التغيير على الطريقة الأمريكية الصهيونية، وأن تستورد الديموقراطية وتحرير المرأة وحقوق الإنسان، والكف عن استلهام التراث الحضاري والتمسك بالهوية والخصوصية الحضارية "ألا ساء ما يحكمون". المصادر والمراجع: (1)القرآن الكريم. (2)الخطر اليهودي "بروتوكولات حكماء صهيون، تعريب محمد خليفة التونسي تقديم عباس محمود العقاد. (3) التبرئة.. قضية سياسية ـ بشير كعدان ـ دار الجمهور للتأليف والترجمة والنشر ـ دمشق 1965م. (4) مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، د. أمين عبد الله محمود عالم المعرفة ـ الكويت 1984. (5) الصهيونية غير اليهودية ـ جذورها في التاريخ الغربي ـ ريجينا الشريف ترجمة: أحمد عبد الله عبد العزيز ـ عالم المعرفة الكويت ـ 1985م. (6) بعض الصحف والمجلات العربية | |||||||||||||||||||||