|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الدستور العراقي المؤقت: غياب الشرعية، وخلافات حادة!! ـــ ناهض حسن فائز العراقي مرّة أخرى يثير الدستور العراقي المؤقت إشكالات سياسية حادة بين مختلف القوى والفعاليات السياسية العراقية، سواءً تلك المنضوية تحت لواء الحكومة العراقية الجديدة، أو القوى التي رفضت الاشتراك في هذه الحكومة، أو أبدت تحفظاتها عليها. ظهرت هذه الخلافات الحادة إلى العلن غداة إصدار مجلس الأمن القرار (1546) الذي تم تبنيه بالإجماع في 8/6/2004 والقرار المذكور هو بالأصل مشروع القرار الأمريكي ـ البريطاني الذي قدّمتْهُ هاتان الدولتان فيما يخص القضية العراقية، بعد إجراء بعض التغييرات الطفيفة عليه. وكادت هذه الخلافات تطيح بالحكومة العراقية الجديدة برئاسة السيد إياد علاوي التي لم يمض على تشكيلها سوى أيام معدودات، وذلك حينما أعلنت القوى الكردية داخل الحكومة عن معارضتها الشديدة لقرار مجلس الأمن المذكور لأنه لم يتضمن فقرة تُسبغ ما يُسمى بـ "الشرعية الدولية" على الدستور العراقي المؤقت ـ ووصل الأمر بهذه القوى إلى التهديد بالانسحاب من حكومة علاوي وعدم تسّلُم مهامهم الجديدة داخلها. من ناحية أخرى، حذّر المرجع الشيعي الأعلى، آية الله السيستاني مجلس الأمن من مغبة إيراد فقرة في القرار (1546) يؤيد فيها مجلس الأمن الدستور العراقي المؤقت، وذلك لعدم شرعيتهِ، وكونه يتعارض مع مصالح الشعب العراقي. بعد عملية الشد والجذب داخل الحكومة العراقية، تراجعت القوى الكردية عن تهديداتها بالانسحاب من الحكومة، وقد جاء التبرير أو التفسير الأبرز على لسان السيد مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني حول موافقة الأكراد على قرار مجلس الأمن المذكور، حيث أكد في مقابلة فضائية أجريت معه مؤخراً على أن: "القرار المذكور تضمن فقرة إيجابية للأكراد، وهي إقامة دولة عراقية فيدرالية تعددية، إضافة إلى تأكيدهِ على أن إقرار الدستور العراقي الدائم سيكون بالتوافق بين كافة الأطراف". إن سكون هذه العاصفة لا يعني السيطرة عليها جذرياً، وسيكون فعلها في الشهور القادمة فعل الجمر تحت الرماد وذلك إذا لم يتم حل هذه المشكلة بشكل جذري وعادل وبما يتناسب مع مصالح عموم الشعب العراقي على قاعدة التوافق والمشاركة وتغليب المصالح العليا للشعب والوطن. أما المرّة الأولى التي ظهرت فيها هذه الخلافات في عموم أوساط الشعب العراقي، وقواه السياسية والدينية، فقد كانت حينما وقّع مجلس الحكم العراقي السابق على الدستور العراقي المؤقت في الثامن من شهر آذار الماضي. في هذا التاريخ ظهر للسطح أن هناك انقساماً واضحاً في الشارع العراقي حول هذا الدستور، بل يمكن القول إن غالبية الاتجاهات السياسية العراقية: الإسلامية بجناحيها الشيعي والسني ـ والقومية العروبية بكافة تياراتها، والديمقراطية بشكل عام ترفضه لاعتبارات وطنية وديمقراطية وشرعية. وقد جاءت المعارضة الأشد على لسان كبار المراجع الشيعية: فالسيد السيستاني أكد أن الفقرة (61) تضع "عقبات حقيقية في طريق وضع وتشريع الدستور الدائم للعراق". أما السيد الصدر فقد اعتبر الدستور المؤقت: "وثيقة غير شرعية"، كما اعتبره آية الله المورّسي: "يرقى إلى كونه قنبلة موقوتة قد تُفجرُ حرباً أهلية في العراق". إن مناقشة هادئة، وموضوعية، ومنصِفة لهذا الدستور، وخاصة للفقرة (61) التي أثارت أكبر قدر من التمايز والخلاف والاجتهاد داخل ألوان الطيف السياسي العراقي كفيلة بوضع الأمور في نصابها، وإبعاد الشعب العراقي بكافة مكوناتِهِ الطائفية والأثنية عن كل ما مِن شأنهِ تفجير وحدتهِ الوطنية، والانتقاص من سيادتهِ واستقلالهِ الوطني. قبل مناقشة الفقرة (61) ينبغي التأكيد على ثلاث حقائق لا يمكن أن ينكرها كل من يلتزم الموضوعية في التحليل والرؤية، وهي: 1ـ إن إقرار هذا الدستور المؤقت جاء في ظل الاحتلال الأجنبي الأمريكي ـ البريطاني، وما يحمله هذا الاحتلال من تبعات وتأثيرات على مسيرة وحياة الشعب العراقي في المستويات كافة: السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والروحية والأخلاقية. ويكفي أن نذكر هنا أن السيد بريمر كان يمتلك حق الفيتو وتعطيل وإلغاء أي إجراء سياسي أو قانوني لا توافق عليه الإدارة الأمريكية. 2ـ إن الدستور المؤقت المذكور صادقت عليه هيئة: "مجلس الحكم الانتقالي" ليست مُنتخبة مباشرة من قبل الشعب العراقي، وهذا يُلغي شرعيته مهما حاول البعض الارتكاز على بعض المسوغات والتبريرات والاجتهادات التي تقول إن بعض القوى السياسية الداخلة في تشكيل مجلس الحكم المذكور "المُنحّل" تُعبر حقيقة عن تيارات شعبية مهمة داخل صفوف الشعب العراقي، ولعل الموضوعية هنا تقتضي مِنا القول إن بعض القوى السياسية داخل مجلس الحكم تتمتع بوزن معين داخل أوساط الشعب العراقي إلاّ أن ذلك لا يعني بأية حال من الأحوال أن غالبية أبناء شعبنا العراقي سيوافقون على سن دستور مؤقت أو دائم للعراق، خصوصاً إذا كان هذا الدستور لا ينسجم مع تطلعاتهم الوطنية الرامية إلى تحقيق الاستقلال التام غير المنقوص والسيادة الوطنية الكاملة التي تكفل وحدة الوطن والشعب ضد أية نزعة انفصالية لأية جهة كانت. وبما أن غالبية السادة أعضاء مجلس الحكم السابق كانوا يلهجون بالديمقراطية، صباح مساء، فنحن نقول لهم: دعوا صندوق الاقتراع هو الحكم الفصل في هذه القضية، فإذا وافقكم أغلب الشعب العراقي فإن ذلك سيكون مصدراً لشرعيتكم، ولشرعية أية حكومة، أو أي دستور دائم للبلاد. وينبغي التأكيد هنا على مسألة جوهرية وهي أن الشعب العراقي هو وحده من يمنح الشرعية لأي تطور وحدث سياسي يخص مستقبل الوطن، وإن مجلس الأمن، أو أية قوة دولية أخرى لا يمكن لها أن تكون بديلاً عن الشعب العراقي، وستفتقد أية خطوة مناقضة لمصالح وإرادة الشعب العراقي للمصداقية والشرعية، حتى ولو استخدمنا كافة مساحيق العالم لتجميلها وإصدارها بحلّةٍ "ديمقراطية" جميلة، وزاهية!!. 3ـ لا أدري لماذا تختلف بعض القوى السياسية العراقية على دستور ذي طابع "مؤقت" ويفتقد إلى الشرعية الشعبية. هو "مؤقت" ويغطي مرحلة انتقالية قصيرة وسوف يكون مصيره الزوال المحتم، بل حتى الدساتير الدائمة قابلة للتبديل والإضافة، فلماذا هذا الحماس الزائد عن اللزوم، وخاصة من قبل الأخوة الأكراد؟!!. إنه أمر لم "أفهمه" حتى الآن، أعترف بذلك!!. ولكن "ارتباك الفهم هذا" سوف لن يطول كثيراً، إذ أن الممارسة الديمقراطية ـ والممارسة وحدها وليس التنظير ـ هي التي ستكشف في نهاية المطاف من هو الديمقراطي الحقيقي، ومن هو المزيف الذي استخدمها مطيّةً لمصالحه، وحوَّلَها إلى شعارات براقة جوفاء فارغة من أي مضمون، وهدفها التعمية والتضليل. كما ستتكشف مواقف القوى السياسية العراقية كافةً من قضية الانتخابات، وحينما يُصَوِّت العراقيون بحريةٍ وإرادةٍ تامة بعيداً عن الهيمنة الأجنبية لصالح دستور دائم للبلاد. آنذاك ينبغي أن تخضع جميع هذه القوى لنتائج الاستفتاء الحر، المباشر والعام فيما يخص الدستور العراقي الدائم، حتى ولو جاءت هذه النتائج ليست في مصلحة البعض منها. أما الذي يخرج على إجماع الشعب، أو لا يخضع لإرادة الأكثرية، فإنه سوف لن يجني سوى افتضاح زيف شعاراتهِ "الديمقراطية" وسيحكم على نفسه بالعزلة ولن ينال ثقة الشعب. آنذاك سنحتاج إلى المَثَل الشعبي العراقي: "تبيّن الكرْعَة مِن أم شَعَرْ" أو "أبو كرَيوَه يبيّن بالعِبرة!!". أما إذا عُدنا لمناقشة الفقرة "ج من المادة 61" من الدستور المؤقت، وهي الفقرة الأساسية التي تمحور حولها الخلاف، والتي سيتمحور حولها مستقبلاً بين ألوان الطيف السياسي العراقي كافةً، وقد يصل هذا الخلاف ـ لا سمح الله ـ إلى نتائج مُدَمِرَة تعصف بالعراق ومستقبلهِ إذا لم يتم حسم وإدارة الخلاف بأسلوب حضاري، ديمقراطي حقيقي، تؤكد الفقرة المذكورة على أن: "يكون الاستفتاء العام ناجحاً، ومسوّدة الدستور مصادقاً عليها، عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق، وإذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر...!!". ماذا يعني ذلك؟ ولماذا هذا "الفيتو" المُعَطِّل؟ ومَن دعا إليه؟ وهل يخص الأكراد فقط؟ أسئلة وأسئلة تثير الحيرة والريبة والتعجب والارتباك!! لجنة صياغة الدستور كما هو معروف كانت برئاسة الأستاذ عدنان الباججي وهو سياسي مخضرم. أما الذي طرحه فهم الأخوة الأكراد، بالرغم من أن هذه الصيغة تشملهم وتشمل غيرهم من أبناء الطوائف والقوميات الأخرى المتآخية والمتعايشة في العراق. إن هذه الفقرة تعني ببساطة إن مِنْ حق الأقليّة تعطيل فاعلية الأكثرية، وبواسطة هذا "الفيتو" المُعَطِّل يتم نقض أية مادة في الدستور لا تنسجم مع رؤية ومصالح ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات عراقية. لماذا الانتخابات والاستفتاء إذن؟!!. وهل هناك صيغة أخرى اكتشفَتْها البشرية حتى الآن غير صيغة ومبدأ خضوع الأقلية للأكثرية التي ينبغي أن تحكم ضمن آلية التداول السلمي للسلطة؟. في الحقيقة، إذا أمعنا النظر في تاريخ أبرز النماذج الديمقراطية التي عرفتْها البشرية، منذ الديمقراطية الأولى: اليونانية، مروراً بالنموذج الليبرالي الغربي، وصولاً إلى ما سُمي بنموذج "الديمقراطية الشعبية" في الأنظمة الاشتراكية الشمولية السابقة، سنجد أن النموذج العراقي "الديمقراطي" الجديد يُشكل حالة جديدة وغريبة عن هذه النماذج مجتمعةً ـ في بعض عناصره ـ وتحديداً في الفقرة ج من المادة 61، التي تُثير اللبس والاستغراب والـ....!!. أما لماذا هذا الفيتو المُعَطِّل؟. أعتقد جازماً أن تاريخاً من القمع والاستبداد الذي عاناه العراقيون بمختلف طوائفهم، وبخاصة الأقليات منهم ـ وهذه كلمة حق لا بُدّ من قولها ـ سيحمل بين ثناياه الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال. إذن لم يكن هذا "الفيتو" سوى ردة فعل قامت بها الأقلية التي عانت من ظلم واستبداد "دكتاتورية الأكثرية" على حد تعبير البعض، على مر العهود السابقة. في حقيقة الأمر أن "الأكثرية ليست هي الظالمة، أو المتعسِفَة، أو التي سعت لإلغاء الآخر وتهميشهِ، أعني الأقليات. فهذه الأكثرية (العربية تحديداً) لم تكن تملك من أمرها شيئاً، وهي الأخرى كانت تعاني من القمع والاضطهاد شأنها شأن الأقليات في العراق، أما الفاعل والظالم الحقيقي فهي الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم العراق. بصيغة أخرى، إن الأقلية أرادت وكنوع من حماية الذات، ودرء محاولات تهميشها، مستقبلاً أن تضع ضمانات تُلجم الأكثرية من الاستئثار بالسلطة والانفراد باتخاذ القرارات المصيرية التي تهم الشعب العراقي بكافة مكوناتهِ. لا أحد يستطيع الجزم بأن هناك نموذجاً مكتملاً أو عادلاً للديمقراطية وبشكل مطلق، فما تراهُ أنت صحيحاً وعادلاً، قد يراهُ الآخر ناقصاً وغير عادل وذلك باختلاف زاوية الرؤية والمصالح التي تتحكم بالأفراد والجماعات. إذن المسألة نسبية ولا تخضع لقانون مطلق. لكن البشرية ـ كما أسلفنا ـ لم تكتشف حتى الآن صيغةً أو آلية أخرى أفضل وأكثر فاعلية من مبدأ حكم الأكثرية وضرورة خضوع الأقلية لها، شريطة أن تتوفر كافة الشروط والضمانات التي تكبح الأكثرية وتمنعها من اضطهاد الأقلية أو عزلها أو تهميشها أو إلغائها، وشريطة أن تتوفر كافة الشروط الحرّة لكي تصبح الأقلية أكثرية حاكمة إذا ما أراد الشعب ذلك، وذلك ضمن العملية الانتخابية وآلية تداول السلطة بشكل سلمي. أو ليس هذا حال بعض الأنظمة الليبرالية المتحضرة في أوربا مثلاً؟. نقول ذلك في الإطار النسبي وهذا لا يعني عدم وجود بعض حالات تُحد فيها الحريات أو تُنتهك فيها حقوق الإنسان في هذه الأنظمة المتقدمة ذاتها، وعودة للدستور العراقي المؤقت مدار بحثنا. إن الفقرة ج من المادة 61 تضع ألغاماً حقيقية في مسيرة الشعب العراقي الديمقراطي، وقد تَتَفجر في أي وقت، وخاصة فيما يتعلق بموضوع الفيدرالية، ومستقبل مدينة كركوك التي تتعايش فيها ثلاث قوميات: الكردية والتركمانية والعربية. ولكي نحافظ على وحدة بلدنا، ونصون سيادته واستقلاله الوطني، ونمنع خطر التقسيم المقيت، ولكي نتمكن من بناء عراق ديمقراطي ـ تعددي، دستوري، تداولي، ينبغي أن تتجاوز الأقلية عقدة الخوف الماضية وأن تنفتح على المستقبل، وتقبل مبدأ الخضوع للأكثرية، شريطة أن يُقدم لها الدستور الدائم المقبل كافة الضمانات والشروط التي تحول دون سعي الأكثرية لتهميشها أو عزلها أو اضطهادها، أما مسألة الفيدرالية، والدستور الدائم، وكركوك، وغيرها من القضايا الشائكة فينبغي العودة فيها للشعب العراقي فهو المسؤول وهو المخول، وهو المرجعية الحقيقية التي ينبغي العودة لها في حل كافة هذه الإشكالات، كما ينبغي أن تتوحد جهود العراقيين كافة من أجل إنهاء الاحتلال الأجنبي بكافة صورهِ وأشكالهِ، الظاهرة والمستترةِ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |