جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل تجعل العولمة الدولة ـ الأمة عاجزة؟ ـــ توفيق المديني

يؤكد العديد من المحللين من اليمين كما من اليسار أن العولمة تلتهم الدولة القومية منذ أكثر من عقد من الزمن. فالدول لم تعد تمتلك القدرة على التحكم في سياساتها الاقتصادية، ولا مراقبة حدودها. أما سيادتها فسوف تتآكل نهائياً. وسوف تكون لأنشطة الشركات المساهمة العملاقة عابرة القوميات، والحركات الهائمة لرؤوس الأموال، تأثيرات سيئة على الاقتصادات الوطنية للبلدان التي تهجرها. وسوف تجد الدولة نفسها غير فاعلة في مواجهة الكوارث العالمية ـ من تخريب البيئة إلى انتشار الأوبئة المعدية.‏

إن هذا لا يجعلنا ننكر التحولات العميقة التي أصابت المجتمعات في مختلف أصقاع الأرض. فالعولمة الاقتصادية، والترابط المتنامي بين الدول، وانتشار الفاعليات الاقتصادية العابرة القوميات، تمثل حقائق غير قابلة للنقاش. ومع ذلك فإن أطروحة عجز الدولة لا تشكل قناعة ناجزة عند الجميع. ثم إن تآكل السيادة يمس الدول بطريقة غير متساوية. فإذا كانت هناك تآكلات "خاسرة"، فهناك بالمقابل تآكلات "رابحة". وتبدو المقارنة صعبة جداً بين الدول الخاسرة، أي تلك الدول التي شهدت على أراضيها حروباً أهلية، والديمقراطيات المزدهرة في العالم الغربي. فبالنسبة للبعض تمثل العولمة ظاهرة إيجابية، وبالنسبة للبعض الآخر فهي مصدر للمشاكل التي لا نهاية لها في الظاهر. ويقسم المحلل السياسي البريطاني روبرت كوبير الدول إلى ثلاث مجموعات كبيرة.‏

ـ دول "ما قبل الحداثة" (أفغانستان، ليبريا، الصومال...) وهي دول هشة، أو هي غارقة في الفوضى، وضعيفة إلى درجة أن مفهوم السيادة لا يعني لها الشيء الكثير.‏

ـ الدول "الحديثة" (الهند، الصين، البرازيل...) وهي ليست مستعدة كثيراً لتقديم تنازلات تتعلق بالسيادة القومية.‏

ـ دول " ما بعد الحداثة"، مثل الدول الغربية القديمة، حيث يرتكز الأمن في قسم كبير منه على الترابطات المتبادلة لاقتصادياتها. وهي الدول الأكثر استعداداً للتفاوض حول سياداتها في مقابل تحقيق أرباح في مجالات أخرى.‏

ومن بين هذه الأنماط الكبيرة من الدول، فإن نمط ما بعد الحداثة هو المستهدف مباشرة من قبل الإشكالية "الآيلة للزوال"، وهو الوحيد الذي راهن على فتح حدوده، والذي يمثل تآكل مفهوم السيادة عنده معنى ما.‏

والحال هذه، وهنا تكمن المفارقة، نجد دول ما بعد الحداثة هي التي تقاوم بشكل أفضل "الهجمات" التي تتعرض لها. وقد برهنت دولة ما بعد الحداثة بوصفها شكلاً من التنظيم السياسي والاجتماعي على صلابتها في مواجهة التهديدات المتنامية، إذ إن هذه الأخيرة تتقدم من الآن فصاعداً في الدول الضعيفة، أو دول ما قبل الحداثة، أو حتى الدول القومية العصرية.‏

فدول ما بعد الحداثة هي تلك التي تسود فيها مؤسسات سياسية ودستورية مستقرة، وهي مزدهرة اقتصادياً، ومنظمة، بحيث تمتلك القدرة على جذب الشركات المتعددة الجنسية لنقل خطوط إنتاجها إلى أراضيها، وعلى جلب الرساميل الباحثة عن الأمان والإستقرار والضمانات القانونية التي تضمن أمن الصفقات التجارية. وإذا كانت المنظمات غير الحكومية الكبيرة قادرة على تعقيد اللعبة الدبلوماسية الدولية لهذه الدول، إلا أنها تظل عاجزة عن تغيير سياساتها الخارجية بشكل جوهري. ففي كل المسائل المتعلقة بالنواة الصلبة للسيادة الوطنية، الأمن، ونموذج التنمية الاقتصادية، والمصالح الاستراتيجية الحيوية، فإن المنظمات غير الحكومية لا يوجد لها أي تأثير عليها، إلا في المجالات التي تريد فيها هذه الدول أن تقدم لها بعض التنازلات.‏

على الرغم من أن العولمة الليبرالية تقتضي تسليط برنامج اقتصادي اجتماعي شديد اليمينية يزيد من تعميق التفاوت وأكثرية بمئات الملايين تهوي إلى قعر لا قرار له، إلا أن انسحاب الدولة ليس عاماً ولا ذا اتجاه واحد. ومع أن السيادة تآكلت في كل مكان، إلا أن الدولة حافظت على امتلاك وسائل تدخل ضخمة. فهي قادرة على تنفيذ تعاونيات، وتنظيم دفاع عن مصالحها، وتقديم الدعم لفلاحيها. فالدعم الذي تقدمه الدولة الفرنسية للقطاعات الإستراتيجية الكبيرة للاقتصاد تؤكد لنا هذا التحليل. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تدافع بشراسة قل نظيرها عن العولمة الليبرالية تقدم الدعم لشركاتها الكبيرة ضد المنافسة الدولية. وفي حال حدوث انقلاب قوي، تعود الدولة إلى اتخاذ إجراءات تدخلية، كما رأينا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.‏

وإذا كانت معظم الدول الأوروبية فتحت حدودها للتنقل الحر للرساميل والسلع والأشخاص، إلا أنها حافظت على غلق حدودها في وجه البوليس، والقضاء، والجيوش للدول المجاورة، وهي ثلاثة ميادين لا تزال تحتفظ فيها الدولة بسيادتها الوطنية. ولا تزال النواة الصلبة للسياسة الخارجية والدفاع تحت سيطرة الدولة. وإذا كانت ثورة العولمة الليبرالية قد أنتجت الطبقات العليا الأوروبية ما يشبه الإغراء في سيرورة "الاندماج الإمبريالي" أو الزواج الإمبريالي مع الإمبراطورية الأمريكية التي أصبحت الزعيمة العالمية للعولمة الليبرالية القائمة على اللامساواة، والتحول الأوليغارشي الذي يستهوي جميع الطبقات الحاكمة في كل مجتمعات العالم، إلا أن أوروبا لم تفضل الإندماج الكامل بالطبقة الأمريكية الحاكمة، لأن النموذج الأمريكي الخاص القائم على الرأسمالية من دون ضوابط، يشكل تهديداً للمجتمعات الأوروبية. إن هذا يجعلنا نقول إنه من المبكر الحديث عن زوال الدولة ـ الأمة كما تذهب إلى ذلك بعض التحاليل.‏

إن الدولة ـ الأمة، سواء في فرنسا أو بريطانيا، أم في ألمانيا واليابان، حافظت على دورها التاريخي كناقلة أولى لتأسيس وإعادة إنتاج العلاقات المجتمعية والوضع الطبقي وقوانين الملكية والعملة والعقود والأسواق، فضلاً عما أنيط بها من مهمة تحقيق تراكم رأس المال على مستوى دولي. وحيث وجب على الدولة إدارة الرأسمال المحلي على نحو يتوافق مع إدارة النظام الرأسمالي، صير إلى تدويل الدولة بما جعلها أبعد نفوذاً وطموحاً من الدولة ـ الأمة. وتنطبق هذه الحقيقة على الدول الأمريكية، بصورة خاصة، حين اضطلعت بموقع الريادة والراعية للنظام الرأسمالي العالمي بما جعل حماية مصالحها القومية تقضي بحماية مصالح كافة القوى الرأسمالية المنضوية في سياق ما يعرف بالرأسمالية المعولمة.‏

إن لتحرير الاقتصاد وفتح الأسواق وتعديل النظام الضريبي نتائج كارثية تضرب أي محاولة للنهوض وتخضع دول عالم الجنوب لهيمنة شركات أجنبية ووكلاء محليين فاجرين، ويجعلها دولاً مستتبعة وفق الأسس النيوكولونيالية المستترة والمعلنة. كما أن الوجه الثاني للعولمة النيوليبرالية هو تعزيز الانطواءات الإثنية والطائفية والأصولية والتوترات الناجمة عنها.. وجها العولمة النيوليبرالية هذان متلازمان ويقدمان تكذيباً يومياً للمزاعم القائلة بأن العالم يتوّحد وأن أسوار الحماية تنهار أمام زحف رأسمالية تصهر الأقوام والشعوب. كلا، إن ما يحصل فعلاً هو مزيج من توحد وتشرذم يقضمان الدولة ـ الأمة من فوق ومن تحت ويهددان بفوضى عالمية هائلة إن لم يصر إلى تصحيح مسارهما. ففي نظر العولمة الليبرالية المدافعة عن حركية رأس المال المتحرر من أي روابط قومية، والذي يجب أن يستقر حيث تمليه المنافع الاقتصادية، أصبحت الدول التي تدافع عن مفهوم السيادة، والحقوق الواسعة النقدية والضريبية المضادة لتطلعات الأسواق الكونية والشركات العابرة القوميات، والحماية الاجتماعية للعمل، بالية ومتخلفة.‏

إن الخطاب الإيديولوجي للعولمة الليبرالية الذي يمجد الحرية المطلقة لحركة رأس المال العالمي، والتجارة الحرة، والشركات العابرة القوميات، وأسواق رأس المال العالمية المتحررة من كوابح السياسة، يعتبر الدولة القومية مجرد وكيل محلي للنظام الإمبراطوري الأمريكي الكوني، أو مجرد بلدية تقدم تلك الخدمات الاجتماعية والعامة التي يراها رأس المال العالمي ضرورية. وفضلاً عن ذلك، فإن خطاب العولمة هذا هو خطاب المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يستند إلى عقيدة نيوليبرالية مناوئة للسياسة القومية.‏

في مؤلف صغير صدر حديثاً في لندن للمؤلفين ليو بانيتش وسان غيندين "الرأسمالية المعولمة والإمبراطورية الأمريكية"، يؤكدان فيه أنه لا يجوز اختزال الدول إلى أسواق والتعامل مع الإمبريالية كمحض نظام رأسمالي متطور ومحكوم بجملة من الشروط والمعايير الاقتصادية المجردة. فتعيين الرأسمالية والإمبريالية بعدم التوقف عند نظرية المراحل والأزمات الاقتصادية، وإنما الفصل بين الاثنتين، الرأسمالية والإمبريالية، وذلك من خلال التوكيد على الدور الأساسي للدولة... ولئن أدى نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في طي القوى الرأسمالية الأخرى في فلك إمبراطوريتها غير المباشرة إلى إبطال نظرية التنافس الإمبريالي التقليدية. فإنه لم يكن نجاحاً كافياً لكي يجنبها تحدي تلك الدول التي، وإن وقعت في المدار الرأسمالي العالمي، فإنها لم تتطور تطوراً رأسمالياً ييسر دمجها في النظام الرأسمالي المعولم. هذا التحدي سرعان ما انقلب إلى مواجهة دموية في غير بقعة واحدة من العالم. فمع تبني الدول الغربية لسياسة نيوليبرالية، ليس فقط في حدود نهج اقتصادي يحض على تعميق وتوسيع مجال السوق الحرة، وإنما من خلال التصدي للقوى السياسية الديمقراطية الراديكالية، فإن محاولة التدخل في البلدان العالمثالثية والأوروبية الشرقية لم يعد مقتصراً على محاولة "تصحيح اقتصاد" هذه البلدان ودمجها في الإمبراطورية الأمريكية من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية، ومن ثم فإنها سرعان ما انقلبت إلى تورط عسكري أجاز الوصف، أو النعت، المتأخر للسياسة الخارجية الأمريكية بأنها سياسة إمبريالية.‏

يدور في قلب الحركة المناهضة للعولمة نقاش عميق، يساهم فيه عالم الاجتماع سامي نعير أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس والنائب الأوروبي القريب من جان بيار شيفنمان وزير الدفاع الفرنسي السابق، من خلال كتابه الأخير "الإمبراطورية في مواجهة التنوع". ويتمحور النقاش حول أنجع السبل الفعالة لمواجهة الرأسمالية الجديدة المعولمة التي حسب قول سامي نعير تتوسع إلى حدود "إمبراطورية تجارية" من الآن فصاعداً. وإذا كانت الأمركة ـ "الإمبريالية في الإمبراطورية" ـ تقدم لنا وجهاً لهذه السيرورة، فإنه لا يمكن لنا مع ذلك أن نخلط هذا "النظام ـ العالم" مع الهيمنة الأمريكية الشمالية.‏

يرى بعضهم أن مقاوم الإمبراطورية الأمريكية تتطلب بناء "أممية" جديدة، حيث تشكل قمم العولمة الرأسمالية من سياتل إلى فلورنسا، مناسبات لتنظيم المقاومة ضد النيو ليبرالية عن طريق بناء مجتمع مدني حديث، هو معلوم أيضاً. أما بعضهم الآخر ومنهم سامي نعير، فإن "الدولة ـ الأمة" تظل الأداة الرئيسية للدفاع، وما هو الدليل على ذلك؟ يقول سامي نعير: "إذا كان هناك مكان في العالم حيث لا يتم تضييع الوقت في نقاشات عقيمة حول "الأزمة" أو "نهاية" الدولة ـ الأمة، فهو بكل تأكيد في الولايات المتحدة الأمريكية. هناك المسألة تكمن في كيفية أخذ على عاتقها قيادة العالم. أما الحل من أجل إحياء التعدد والعدالة لمواجهة الإمبراطورية الأمريكية المفرطة في قوتها، فيمر من طريق أوروبا أيضاً. أوروبا ممكن أن تكون حليفاً لقطب روسي سوف ينجز في النهاية "الإنتقال إلى الديمقراطية".‏

ليس لأوروبا مشاكل خاصة مع العالم، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، فهي في تفاعل تجاري متبادل عادي مع بقية دول العالم، تشتري المواد الأولية والطاقة التي تحتاج إليها وتسدد ثمن مستورداتها من ثمن صادراتها، وتقوم مصلحتها الإستراتيجية في الأمد الطويل على السلام، في حين أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ترتكز أكثر فأكثر على صراعين أساسيين مع خصمين مجاورين لأوروبا: الأول روسيا، التي تشكل العائق الأساسي في وجه الهيمنة الأمريكية ولكنها أقوى من أن تقهر، والثاني العالم الإسلامي، وهو "خصم مسرحي" يستخدم لإستعراض القوة العسكرية الأمريكية. وأوروبا ذات المصلحة بالسلام، وخصوصاً مع هذين الجارين، تجد أهدافها الإستراتيجية من الآن فصاعداً على تناقض مع الأهداف الأمريكية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244