|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الأجيال الأولى لحركة الشعر العربي الحديث (رُوَّاد التجديد في قصيدة الحداثة) ـــ ممدوح السكاف ـ 1 ـ لقد شهد تاريخ الشعر العربي صراعاً بين مفاهيم قديمة وأخرى حديثة منذ وقت مبكر، وما موقف أبي نواس من شعر الأقدمين، وجديد أبي تمام وابن الرومي والمتنبي وأبي العلاء وغيرهم إلا نماذج لحالة وعي جديد، وإيذان بتغير العصر، واستجابة لمتطلبات التغيير، ومن ثم فلا عجب أن ينشأ صراع بين تراث الأقدمين، وجديد المحدثين، وأن تظهر مصطلحات جديدة تتجاوب أصداؤها مع هذا الصراع مثل "الأقدمون" و"المحدثون"، و"المولدون"، و"الاختراع"، و"الإبداع". ومع أن لفظة "حداثة" موجودة في المعجم العربي، وتعني "الحديث" فإنها لم تدخل ضمن مصطلحات النقاد الأقدمين لتعبر عن التحولات الجديدة التي أخذت تغزو الشعر العربي منذ القرن الثاني الهجري، وبقيت اللفظة مشدودة إلى جذرها المعجمي "حدث"، ولم تكتسب دلالة أكثر مما في المعجم، حتى بدأت تظهر مصطلحات جديدة تقترب منها في الدلالة المعجمية وتتجاوزها في اكتساب ظلال نقدية ودلالية فرضتها الممارسات الأدبية والنقدية، والإطلالات من النوافذ المشرعة على الثقافات الأجنبية في الثلث الثاني من هذا القرن، كالتجديد، والتحديث، والحديث، والمعاصرة. أمّا مصطلح "الحداثة" فلم يكتسب دلالته النقدية الجديدة، ويتردد صداه المثقل بظلال الحركات الأدبية في الغرب، في الكتابات النقدية العربية، إلا بعد ظهور حركة الشعر الحر، وثباتها في وجه التيارات المضادة لها في الخمسينيات والستينيات. ـ 2 ـ تُعَدُّ أية حركة أدبية جديدة، قادرة على النماء والتطور وبث المبتكر في شرايينها، وباستمرار، حركة حية تحمل في طياتها بذور ديمومتها وانتشارها والتفاف القراء والمحبّذين والدعاة حولها وتعضيدها. ومما يدل أبلغ دلالة على أصالة حركة الشعر العربي الحديث ومقدرتها على الصمود في وجه التيار التقليدي المحافظ الضارب في جذور وجداننا الشعري والجمالي والقومي، أنها تجدد خلاياها دوماً في محاولة ذاتية دائبة منها، على الانفتاح لا التشرنق، والتطويع لا الجمود، والخروج إلى العوالم البكر، لا التقوقع على الدنيوات المكتشفة. وهكذا نستطيع أن نلاحظ أن هناك، فينا، ثلاثة أجيال رائدة في حركة الشعر المتخذ سمت الحداثة، لكل منها ملامحه وسماته وطرائقه الفنية والتعبيرية ومضموناته الشعرية اللصيقة به وأفكاره ورؤاه وهواجسه. ـ 3 ـ الجيل الأول هو جيل الرواد الأوائل، وكان شعراؤه يرون أن تجربة الشعر العربي الحديث بل ما تحمله في تضاعيفها من تمرد على الشكل والمضمون الاتباعيين، مغامرة خطيرة على تراثنا الأدبي العريق، قد تنجح وقد تخفق.. وتمثل هذا الجيل أصدق تمثيل الشاعرة نازك الملائكة في ديوانها الأول "عاشقة الليل" الصادر عام 1947، والذي تراوحت قصائده بين الشكل الفني للموشحات الأندلسية بأسلوب معدل، والشكل الفني لشعر المقطوعات المهجري كالثلاثيات والرباعيات والخماسيات، وأما مضمون القصائد مجتمعة فيه، فيدور في فلك الرومانسية الصارخة، حيث تصورت الشاعرة أنها أكثر حساسية ورقة من بقية البشر، وأنها لهذا تحيا غريبة ومتغربة في عالم لا يفهمها فكانت بذلك امتداداً للرومانسيين السابقين عليها من أمثال إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، فكررت في شعرها ما كانوا يكررونه من معاني وصور السفينة التائهة في بحر الوجود والشطآن الغريقة بالصمت والمعابد المسكونة بالأرواح الهائمة والعزلة على الوجود المادي والكون العملي.. إلى ما هنالك من متاهات شعورية ونفسية حزينة وذاهلة ومصطدمة بالواقع. ومن روّاد هذا الجيل كذلك بدر شاكر السياب الذي تنازع قصب السبق في النظم على الشكل الجديد، مع نازك، ولكنه في شكله الفني كان أكثر نضجاً وعمقاً من شكلها، فقد تجرأ إلى حد ما أن يحطم قيد القافية أكثر مما تجرأت هي، وتسربل شعره بالمضمون القومي الاشتراكي وبدت في دواوينه المتلاحقة، بدءاً من ديوانه الأول (أنشودة المطر)، فكرة الالتزام المذهبي واضحة موقفية، كما اتشحت أعماله الشعرية بوشاح الانشداد إلى التراث والأصالة والاتكاء عليهما في معطياته الأسلوبية تعبيراً ونسقاً وصياغة واشتهر بأنه من الفاتحين في استخدام الأسطورة والرمز في حركة شعر الحداثة، استخداماً موفقاً في أكثر من قصيدة له. ولا شك أن الشاعر عبد الوهاب البياتي يعتبر من هذا الرعيل، ولشعره تفرد يختلف به عن الملائكة والسياب من حيث الشكل والمضمون وقدرته الواضحة على بناء شخصيته الشعرية المستقبلة. ـ 4 ـ بعد عشر سنوات من صدور ديوان نازك الملائكة بدأ مخاض الجيل الثاني في حركة الشعر العربي الحديث يتحرك متمثلاً بولادة ديوان (الناس في بلادي) للشاعر المصري المجدد صلاح عبد الصبور، وفيه يخوض الشاعر معاركه الإبداعية على جبهتين: جبهة المضمون حيث يعالج قضايا مصيرية تصف حياة الناس البسطاء الطيبين وتهمهم، وتنأى عن موضوعات الشعر التقليدية التي كانت مسيطرة على حقبة الأربعينيات، ما استطاعت، وعلى جبهة الشكل حيث نراه، يصوّر انفعالاته وأفكاره، على الطريقة الشعرية الحديثة التي كانت في بداياتها الطفلة يوم كتابة قصائد الديوان ثم صدوره مطبوعاً. ومن المتفق عليه لدى النقاد والدارسين أن عبد الصبور في مجموعته الشعرية المبكرة هذه حقق تقدمات ملحوظة في ميدان التجديد الشكلي لهذه الحركة، فقد استطاع أن ينجح في تطبيق نظرية الشاعر والناقد الإنكليزي (ت. س ـ إليوت) الذي دعا الشعراء إلى استعمال اللغة الشعبية المبسطة في أشعارهم والكتابة بالأسلوب الواقعي القريب الفهم والتفاهم من حياة الناس العاديين والبعد عن التجنيحات الشعرية التي سادت أجواؤها في مرحلة الرومانسية والعكوف على هموم الحياة اليومية للشعب وتصويرها والنهل من ثرائها وتنوعها وصدقها، كما تمكن عبد الصبور كذلك من التطور في بناء القصيدة، فابتعد عن مهجرية نازك في الأوزان وتراثية السياب في الأسلوب، ليكتب شعراً يصور الإيقاعات الداخلية النفسية لأعماقه وأعماق الجماهير العربية الحزينة المستلبة، متوازنة مع تفعيلات تطول وتقصر تبعاً لها وتعبيراً عنها، مع عدم اكتراث كبير في القافية أو احتفاء بمخلفاتها الموسيقية. ومن رواد هذا الجيل الثاني كذلك الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه الأول (مدينة بلا قلب) الصادر عام 1958 ولقد ركز فيه على شعور الإحساس بالغربة والضياع في المدينة وهو شديد الشبه بزميله ومجايله عبد الصبور في مضموناته الشعرية وقاموسه اللفظي وشكله الفني، وقد تتلمذ على مدرستهما بعدئذ الراحل أمل دنقل مع تلوينات إخراجية صنعت له حضوراً متميزاً، وإن كنا نعتقد أن هناك شاعراً لم يحتفِ به النقد الأدبي، مع تفرد صوته ونبرته الخاصة المتعلقة بغموض أسلوبه المغلق وسريالية صورة بالرغم من ارتباط موضوعاته الشعرية بالأرض والإنسان هو الشاعر محمد عفيفي مطر بحداثته التي تختلف جذرياً عن طرائق حداثة عبد الصبور وحجازي ودنقل ولونه الشعري الخارج عن السرب وسمائه التي يطير فيها طائر الليل. ـ 5 ـ ظلت حركة الحداثة الشعرية تدور في حلقة هذين الجيلين دوراناً مستمراً مكروراً طوال أكثر من عشر سنوات حتى ظن المشفقون على مسار التجديد الشعري أنه آخذ بالزوال والانحسار بسبب دخول كثير من الشراذم والأدعياء إلى حرمه أو حلبته، بما صوره لهم بعض النقاد المتسرعين، من بساطة مداخله وسهولة النظم عليه، حتى غدت عبارة الشعر الحديث تستجلب في مرحلة من المراحل الهزء والسخرية من بعض النقاد وكثير من القراء، على حد سواء، بسبب عيوب الخطابية والنثرية والتقريرية التي سادت إنتاج بعض الشعراء المتسلقين إلى هذه التجربة التجديدية، لأن رواد الجيلين السابقين ومن سار على طريقهما من الأتباع لم يستطيعوا أن يطوروا تجربتهم الشعرية أو يجددوا وسائلهم الإيصالية وطغت على غالبية قصائدهم مسحة من التكرار والتسطح والآلية وبخاصة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات إلى أن جاء "أدونيس" فأخرج القصيدة الحديثة من مأزقها وغسلها بمياهه البكر وأعاد تشكيلها من جديد معتمداً على تراثية تحديثية، ممزوجة بمؤثرات غربية متأنية من تجارب الشعر العالمي الكوني، طامحاً هو ومن شاركه وواكبه في هذا التيار المستحدث إلى تحقيق شيء من الأهداف التالية: 1 ـ تجديد اللغة الشعرية التي كانت في القصيدة السيابية الملائكية والبياتية قائمة على الصقل والاستواء والجزالة والنبر القوي والجهارة الواضحة، وإنشاء لغة مستحدثة ومعاصرة تقوم على البريق والشفافية والهمس وتواكب إيقاعات العصر وتغوص إلى عمق التجربة الإنسانية وتجدد أدواتها وتبتكر صياغاتها. 2 ـ التخلص من تكلسات البلاغة العربية القديمة وترسباتها المتكئة على تراث طويل من الهندسة اللفظية والتناظر المعنوي، ومحاولة خلق بلاغة حديثة وطرق معاصرة في التعبير والتصوير تستفيد من قيم التراث البلاغية بعد توليدها وتجديدها وتحديثها، حيث ينقلب الطباق القديم مثلاً لديها إلى عنصر للتضاد اللوني أو العاطفي أو الإِرجاعي أو النفسي. 3 ـ ابتكار موسيقا جديدة للقصيدة الحديثة تحل وحدة المقطع الشعري المتتابع بنفس طويل حار متلاحق مطرد الزخم والإِيقاع، محل وحدة التفعيلة التي تشكل شطرات متتابعة طولانياً وعدم الاهتمام كثيراً بالقافية وترجيعاتها المصطنعة إلا إذا جاءت خادمة لبنية القصيدة وبنيانها. 4 ـ الاعتماد على قصيدة النثر في التعبير الشعري أو ما يسمى، كتابة الشعر نثراً، لرصد تجارب لها خصوصياتها ونوعياتها تضيق قصيدة التفعيلة باحتمالها. 5 ـ العمل على استمرار ابتعاث القصيدة لذاتها وذلك لاستيعاب التطور العصري والتعبير عن تجدداته ونبضه، والشعور بمهمة جديدة للشاعر غير كونه يؤدي وظيفة اجتماعية أو يحمل رسالة إنسانية فقط إلى كونه نبي القرن العشرين ونجمه الأكثر سطوعاً وحضوراً في زمن طغت فيه العقول والأرقام والتكنولوجيات وصارت أغلى بكثير من العواطف والهموم البشرية والانسحاقات الوجودية. لا شك أن أدونيس أثقل حركة الحداثة الشعرية في إنتاجه الشعري بحالة من التعقيد والغموض والإبهام والالتباس في المعنى والصورة واستخدام اللغة استخداماً منحوتاً بالفكر أكثر مما هو مترع بالشعر، وعمد إلى التعويض عن فتور العواطف الذاتية في قصيدته باللعب اللفظي على أنواعه وأشكاله فاستحال إبداع الشعر لديه إلى كتابة آلية سعرها بسعر العمل اليومي لأي حرفيّ، يشهد على ذلك طوفان دواوينه المتلاحقة وإصداراته المتوالية في الشعر التفعيليّ وفي قصيدة النثر، لكنه والحق النقديّ يُقال شديد التمكن من لغته الشعرية الحديثة المتأثرة بروح التراث العربي والمشدودة إليه تاريخاً وجذراً وشديد التمكن أيضاً من قدراته الإيقاعية الملونة بألوان الطيف في نصه الشعري الحداثي. مع الزمن ومروره أصبح لكل جيل من أجيال الرواد هؤلاء، مريدوه ومحبذوه من الشعراء الطالعين في كل قطر من أقطار العروبة، يتلمسون خطاهم ويقلدونهم في أشعارهم، حتى أخذت عملية "التفريخ" الشعري أو "التناسخ" الشعري أو "الاحتذاء" الشعري تشكل ظاهرة مغيِّبة للإِبداع الذاتي لدى المواهب الواعدة من الشعراء الشباب والاكتفاء بتقليد "المثال" أو "الأنموذج" أو "الرائد" والخروج من معاطفهم، وتطبيقات الأدب المقارن قد تكون كفيلة بما أدّعي، لو تصدّى لإنجازها دارس منهجي جاد، أو ناقد أكاديمي صبور المراجع: 1 ـ مجلة "عالم الفكر" المجلد التاسع عشر ـ العدد الثالث ـ الكويت. 2 ـ "الحداثة في الشعر" يوسف الخال ـ بيروت. 3 ـ "بنية اللغة الشعرية" جان كوهين ـ ت محمد الولي ـ الدار البيضاء. 4 ـ "حركة الشعر الحديثة" بسام ساعي ـ دمشق. 5 ـ "دوريات أدبية عربية مختلفة". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |