جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تطوّر التجارب النحتية في التشكيل السوري ـــ طاهر البني

لم يستطع النحت أن يجاري التصوير في غزارة إنتاجه في المحترَف السوري، لكنه تمكن من موازاته في المستويات الإبداعية التي أنجزها منذ منتصف الأربعينيات وحتى أواخر القرن العشرين؛ حيث انطلق النحت متحرراً من أشكاله التقليدية إلى صيغ مستحدثة، تجلَّت في إنجازاته التعبيرية التي استمدت قيمها من التعبيرية الغربية، أو من التعبيرية المحلية التي أفادت من القيم الفنية التي يزخر بها النحت السوري القديم، الذي كان سائداً في البلاد قبل الفتح الإسلامي، كما ظهرت تجارب نحتية هامة ذات صيغ تجريدية إيحائية أو شاعرية أسهمت في إغناء النحت السوري، مؤكدة نموّه ومجاراته للصيغ النحتية العربية والعالمية.‏

والحقيقة أن النحت في سورية بدأ ببعض المحاولات اللاهثة عند بعض الهواة الذين أنجزوا نماذج محدودة من التماثيل الشخصية، ذات الحجوم الصغيرة أو المتوسطة، أمثال: "محمود جلال ـ فتحي محمد ـ الفريد بخاش ـ جاك وردة ـ عدنان أنجيلية ـ عدنان رفاعي". وقد كانت أعمالهم تتسم بالواقعية التسجيلية المستفيدة من نماذج النحت الغربي، ولاسيما النحت الإيطالي والنحت الإغريقي، ويعتبر تمثال (المعري) لفتحي محمد نموذجاً لهذه البدايات الناجحة.‏

بيد أن بعض هؤلاء الهواة تابعوا دراستهم في القاهرة وروما وباريس واستطاعوا أن يُظهروا تفوقاً واضحاً في النحت الواقعي من خلال إنجازاتهم الدراسية أو مساهماتهم النصبية التي أقاموها في ساحات المدن السورية.‏

ويعتبر "فتحي محمد ـ محمود جلال ـ جاك وردة" في طليعة الدارسين لفن النحت في تلك العواصم وقد حافظوا على القواعد الأكاديمية التي أتقنوها في معظم إنجازاتهم، ولم يحاولوا تجاوزها إلا في مراحل متأخرة من تجاربهم، أمّا بقية الهواة، فقد كانت منحوتاتهم تنوس بين الواقعية التسجيلية التي أعجزتهم قيودها، وبين الاتجاهات المستحدثة المتحررة من تلك القيود.‏

1 ـ الاتجاهات التقليدية:‏

حفلت التجارب النحتية الأولى بالكثير من القيم التشكيلية الاتباعية، ولاسيما محاكاة الطبيعة، وتأكيد المفردات والعناصر الجزئية، والتشديد على سلامة النسب والمفاهيم التشريحية، وقد كانت بعض هذه التجارب على قلتها تجنح نحو التخلص من تلك القيم بقصد أو دون قصد.‏

لكنّ التجارب التي خضعت لدراسة أكاديمية في الغرب ظلّت تشدد على تلك القيم، وتحاول التخلص من مفردات التسجيلية، التي تُثقل العمل النحتي وتصرف الأنظار عن قيمه التعبيرية والجمالية الهامة، وهذا ما يتجلى في معظم المنحوتات العارية التي أنجزها فتحي محمد أثناء دراسته في روما، ويعتبر تمثاله (المالكي) المنجز في دمشق نموذجاً رائعاً للنحت الواقعي بقيمه الأكاديمية، وهي القيم التي نراها ماثلة في تمثال (ابن رشد) الذي أنجزه محمود جلال. وفي عدد من التماثيل والنُصَب التذكارية التي أنجزها: "عبد السلام قطرميز ـ جاك وردة ـ وحيد استانبولي ـ عبد الرحمن مؤقت ـ نشأت رعدون ـ عبد الله السيد ـ محمود شاهين".‏

ولعلّ أبرزها: تمثال (الرئيس حافظ الأسد) لوحيد استانبولي، الموجود في ساحة الرئيس بحلب، وتمثال (الفارس الباسل) لعبد الرحمن مؤقت الموجود في مدخل حلب الجديدة، وتمثال (صلاح الدين والصليبيين) لعبد الله السيد الموجود أمام قلعة دمشق.‏

وقد حاول عدد من النحاتين الواقعيين التحرر من قيود الواقعية والتغلغل في أساليب أكثر حداثة منها، حيث نجد فتحي محمد يصل إلى حدود التعبيرية في تمثاله (الموجه) ونجد محمود جلال يصل إلى تخوم التكعيبية في تمثاله (الاتحاد)، ونجد الفريد بخاش يصل إلى واحات الرومانسية والتعبيرية في تمثاله (الأمومة).‏

وقد استمرت التجارب النحتية التقليدية تمضي بجانب التجارب المجددة حتّى نهاية القرن العشرين، ولكن بخطوات وئيدة.‏

2 ـ التعبيرية الغربية:‏

منذ منتصف الخمسينيات أخذت المفاهيم التحريرية تتغلغل إلى فن النحت السوري عبر الموجات المستحدثة التي ظهرت في الغرب والتي كانت تجد طريقاً لدى عدد من النحاتين الذين صحوا على القيم التعبيرية والجمالية الجديدة المتجلية في النحت التعبيري الغربي الذي ظهر في أساليب متنوعة ومتفاوتة، تحررت من النسب التقليدية، والمفاهيم التشريحية وابتعدت عن المحاكاة في سبيل إبراز قيم معنوية وتشكيلية هامة لا تُفصح عنها المنحوتات التقليدية.‏

وكانت تجارب كلّ من "مروان قصاب باشي ـ خالد جلال ـ عبد السلام قطرميز ـ سعيد مخلوف ـ وديع رحمة ـ نشأت رعدون ـ فايز نهري "قد استيقظت على إيقاعات جديدة، استمدت بعض مقوماتها من التجارب النحتية التعبيرية العربية والعالمية، وشرعت تصوغ منحوتاتها بوحي من تلك التجارب، حيث أخذت بعض المنحوتات تمعن في تطاولها وتحوير أشكالها لصالح القيمة المعنوية كما في تمثال (الجوع) لمروان قصاب باشي، كما بات بعضها يتّخذ صيغة مكثفة في تكتّلها المعماري كما في بعض أعمال عبد السلام قطرميز التعبيرية، بينما نجد بعض التجارب تميل إلى الاختزال في الملامح، وتعتمد على التحوير في الأشكال من خلال لمسات حشنة في السطوح، كما في تجارب فايز نهري. كما بدت بعض تجارب نشأت رعدون تميل إلى الرمزية كما في تمثاله (الحاوي).‏

وقد فتحت هذه التجارب المجددة الرائدة الباب واسعاً أمام عشرات التجارب الهامة التي أنجزت أعمالاً نحتية رائعة في الفن السوري كان لها خصوصيتها برغم انتماءاتها العالمية، وكان أبرزها تجارب: "عاصم الباشا ـ مصطفى علي ـ محمود شاهين ـ ماهر بارودي ـ علاء الأحمد ـ فيصل الحسن ـ زكي سلام ـ زهير دباغ ـ شكيب بشقان ـ غزوان علاف ـ فؤاد أبو عساف ـ محمد ميره ـ فؤاد طوبال علي ـ عماد رشوان ـ موسى هزيم ـ عروبة ديب ـ فؤاد دحدوح ـ عبد العزيز دحدوح ـ بطرس ولطفي الرمحين ـ أمل زيات ـ سعيد درويش ـ سهيل بدور ـ فارتكس برصوميان ـ رضوان شيخ تراب".‏

3 ـ التعبيرية المحليّة:‏

توجّه عدد من النحاتين نحو الموروث النحتي الذي وجد في الأوابد السورية، وهو في معظمه منتَج (ماري ـ إيبلا ـ أوغاريت ـ تدمر ـ بصرى ـ شهبا) بالإضافة إلى منحوتات عدد من الممالك السورية القديمة المنتشرة في الجزيرة الفراتية.‏

وقد حاول النحاتون استظهار ما في هذا الموروث من قيم غرافيكية وتعبيرية وتوظيفها لصالح منحوتاتهم الحديثة، كما استعانوا ببعض المواد المحلية التي استخدمت في تلك المنحوتات القديمة، حيث لجأ وحيد استنابولي إلى الجمع ما بين القيم التعبيرية المحليّة والمفاهيم النحتية الحديثة في أعمال نحتية تميل إلى الاختزال والتكثيف، وصياغة الأشكال في كتل مغلقة متطاولة، تتضمن مفردات إنسانية وبيئية، قدّمها في إحساس تعبيري مأساوي.‏

وأفاد سعيد مخلوف من مادة الخشب في إنجاز منحوتات تعبيرية استمد بعض قيمها من الموروث النحتي المحلي، وضعها في صيغة خاصة ومتفردة في النحت السوري تركت أثرها في عدد من التجارب التي شقت لها طريقاً تعبيرياً جديداً كتلك التي أنجزها كل من "أكثم عبد الحميد ـ محمد بعجانو ـ مظهر برشين ـ ممدوح حناوي" حيث كان لكل منهم مذاقه الخاص.‏

كما أفاد بعض الفنانين من مادة الطين والفخار في صياغة منحوتات حديثة مستفيدة من النحت السوري القديم في وادي الفرات كتلك التي أنجزها: "طلال أبو دان ـ محمد قباوة ـ سيدو رشو".‏

ولجأ عدد من الفنانين الذين يعيشون بالقرب من وادي العاصي إلى حجر الصوان وراحوا ينحتون منه دمى صغيرة لكثير من الكائنات الإنسانية والحيوانية بصيغ محلية متطورة، وكان منهم "جميل قاشا ـ محسن نجاري ـ بسام بيضون" كما أفاد الفنانون الذين ينحدرون من جبل العرب وحوران من حجر البازلت الأسود في صياغة منحوتات هي أقرب إلى النحت السوري القديم في تلك المنطقة.‏

ولعل من أبرز الفنانين الذين أفادوا من التعبيرية المحلية: "عبد الله السيد ـ نزار علوش ـ معروف شقير ـ أحمد الأحمد ـ سهيل نعمة ـ فؤاد نعيم ـ محمد أبو خالد ـ مسعود رضوان ـ هناء ديب ـ عادل خضر ـ عبد الحي حطاب ـ آمال مريود ـ محمود السعدي ـ شعبان عاصي ـ عبد الرزاق مطلق".‏

4 ـ التجريدية الإيحائية:‏

إن متعة المحاكاة التي فرضتها المذاهب التقليدية في الفن والأدب متعة آنية، تزول بامتلاك الصنعة المدرسية التي تعتمد على دقة الملاحظة وبراعة النقل، ولا تعتمد على الخلق والابتكار اللذين يشكلان الوقود الأبدي للعملية الإبداعية، ويمنحان الفنان متعة لا حدود لمفازاتها الرحبة.‏

ولذلك رأينا عدداً من النحاتين الذين لجؤوا إلى التعبيرية، يستعذبون الحلول التشكيلية المبتكرة، التي تقوم على التحوير والتبسيط في صياغة الأشكال، حيث تكتسب العناصر التشخيصية التي يعالجونها قيماً فنية وجمالية، تخرجها عن الأطر المألوفة والصيغ المستهلكة وتضعها في آفاق المبتكر والمدهش، ولذلك رأينا نحاتاً مثل عبد الرحمن مؤقت لا يتردد في ولوج عوالم الحداثة عبر معارض فردية متوالية، ينتقل فيها من التعبيرية التي تعتمد على خدمة الفكرة وتجسيدها إلى التلخيص في الشكل ومنحه طاقة تعبيرية، تنبع من تكوينه لا من مفرداته التي حاول تلخيصها وتكثيفها وإخضاعها في إهاب التشكيل الموحي المستند إلى بيان المادة، ولغتها الفنية، دون التصريح المباشر بالقيم المعنوية أو الأدبية التي استترت في كيان الشكل.‏

كذلك لجأ مجيد جمول إلى الكتابة العربية واتّخذ من حروفها مادة لتشكيلاته المجردة، بل حاول أن يجرد الحروف من مضامينها الأدبية ويعيد صياغتها مُبرزاً قيمها الجمالية الموحية.‏

لقد سعى معظم النحاتين المجددين إلى التخلص من الموضوعات المستهلكة ولجؤوا إلى التلخيص والتكثيف وابتكار العلاقات التشكيلية المجردة الموحية، وكان منهم: "بطرس ولطفي الرمحين ـ عفيف عمر آغا ـ بسام جبيلي ـ دنخا زومايا ـ زياد قات ـ صادق الحسن ـ نزيه فريجات ـ نزيه الهجري ـ صالح نمر ـ غازي عانا ـ محمد ديب عوض ـ عبد السلام قطرميز".‏

5 ـ التجريدية الشاعرية:‏

إنّ الحرية التي تمتع بها النحاتون المجددون قادتهم إلى اكتشاف مرافئ جديدة للتشكيل، لا يُقام فيها وزن للقيم التقليدية وأشرعت أمامهم أبواب البحث والتجريب لإقامة تشكيلية لا تستند إلى موضوعات محددة، بحيث تقودهم مشاعرهم وخبراتهم إلى ابتكار أشكال نحتية مجردة، تحمل قيماً فنية صافية، تقوم على براعة التكوين ومهارة الربط بين الكتلة والفراغ، وبين السطوح الناعمة والخشنة بعلاقات مبتكرة. وبذلك انصرف اهتمام النحات إلى عملية الخلق والإبداع والتأليف بين عناصر الشكل، وتولّدت لديه متعة الخلق التي دفعت إلى مزيد من التوغل في رحاب التجريد.‏

وقد حاول عدد من النحاتين المجددين الاستغناء عن كل الموحيات التشخيصية وتحوّل العمل النحتي لديهم إلى علاقات مجردة بين عناصر الشكل، وتؤلف فيما بينها منظومة بصرية، تفيض بشتى المعاني الإنسانية والقيم الجمالية التي يصعب إدراكها دون رهافة حسية، وصنعة فنية تعتمد على الخبرة والمعرفة في أسرار هذا الفن.‏

من هنا فإن الأعمال النحتية التي قدمها التجريديون المتألقون، تبدو أقرب إلى القصائد الشعرية التي كتبت بنبضات الأفئدة، وشفافية الروح، وهي تبوح بالمعاني الإنسانية السامية.‏

ولعل من أبرز الفنانين الذين قدموا أعمالاً نحتية في هذا السياق: "عبد الرحمن مؤقت ـ عبد الله السيد ـ شكيب بشقان ـ دنخا زومايا ـ زياد قات ـ جمعة الحمو ـ وجيه قضماتي ـ وسام قطرميز".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244