|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أينَّ الجواب؟ أصولاً!!؟ ـــ حسين عبد الكريم أراك هنا يا حمدان، ما الذي جاء بك إلى المدينة؟ ـ ألم تعلم أني نجحت في الشهادة الثانوية، وسجلت في الجامعة، ومنذ شهور وأنا أبحث عن سكن ولم أوفق في بحثي وسعيي.. ـ إذاً أين تنام في أيام البرد الصعب والحر الشديد؟ ـ أحياناً أنام عند بعض الأقرباء "المشحرين" الذين لا يملكون إلا غرفة واحدة لقبيلة من الأولاد، وعندما يتوفر في جيبي بعض القروش، أنام في الفنادق التعبة جداً الرحيمة بالوسخ والبرغش. ـ وكيف تقرأ؟ ـ آه يا صديقي العزيز، اقترب الامتحان وأنا مشرد من شارع إلى شارع، ومن حارة إلى حارة، ومن شجرة إلى شجرة.. حتى الشجر هنا لم يهتم لأمري.. ـ وأنت ماذا تعمل هنا؟ ـ أنا مثلك: منذ سنة ونصف نجحت في الشهادة الثانوية، ولأن حالتنا كما تعرف بائسة، فلم استطع متابعة دراستي، فقدمت شهادتي والأوراق الثبوتية المطلوبة إلى إحدى الوزارات.. طبعاً لم أقدم أوراقي إلا بعد أن قرأت إعلان الوزارة المذكورة عن حاجتها لموظفين. ـ وأين تسكن الآن؟ ـ في السماء السابعة. ـ إذاً تعال نبحث معاً عن غرفة في أي مكان من المدينة.. انطلق حمدان وصديقه يبحثان في كل مكان عن وكر مسلح بحفنة دفء واطمئنان. مشى الصديقان في دروب البحث عن مأوى، ولو في الفضاء.. بعد الجري واختراق الضواحي وعبور الشوارع والمسافات، استدلا من عامة الناس لا من خاصتهم على غرفة شمطاء، معلّقة برقبة حافة كثيرة الانحناء، بابها لا يمنع البرد عن أحد، ونافذتها يتيمة الدهر: لا حديد فيها ولا زجاج لها ولا خشب. سأل الصديقان صاحب الغرفة المفدى عن سر غياب البلور والخشب والحديد، عن تلك النافذة الموقرة المذكورة في تواريخ المدن والحارات، أجاب: مازالت مشروعاً قيد الدراسة والتنفيذ وإذا لم يعجبكما الأمر فلتنصرفا.. ـ وفعلاً انصرف الصديقان، في ذلك اليوم المكفهر، كوجه محارب قادم من ألف هزيمة. لكن انصرافهما لم يكن سهلاً لشدة انحناء الحافة التي أمام الغرفة ولتعذر صعودها حتى على لاعبي السيرك.. بعد تلك الهزيمة القاصمة للظهر أمام تلك الغرفة وصاحبها قال صديق حمدان لصديقه: ـ أنا يا حمدان سأذهب إلى المكان، الذي قدمت فيه أوراقي لعلها قبلت، وأنت مالك إلا الرجوع إلى مدينة الطلاب، لكونك طالباً فعلك تجد حلاً عند ألف حلال وحلال. اتجه صديق حمدان إلى المكان الذي قدم فيه أوراقه. مد رأسه من الكوة المخصصة لمد الرؤوس والسؤال: ـ مرحباً آنسة. ـ لكن الآنسة لم تردّ السلام لانشغالها بالعلك.. ـ آنسة يا آنسة يا آنسة؟ ـ مالك .. ماذا تريد؟ حمد صديق حمدان ربه لأنه لم يأكل منذ عشاء اليوم الفائت، وإلا لرمى حمولة أحشائه في ثيابه، من شرِّ ملامح الآنسة وقوة صوتها: ـ يا آنسة أنا قدمت لكم أوراقاً من أجل.. ـ لا تكمل كلامك.. سؤالك لا جواب له عندنا.. ـ إذا أين الجواب؟! ـ لا أعرف.. ـ اتجه إلى الكوة الثانية وسأل رجلاً متوسط العمر: ـ من يعرف أين صارت أوراقي ليجيبني؟ ـ لا أعرف؟ ـ خرج وفي رأسه طنين صعب وضجة عارمة وسؤال ملح: أين الجواب؟ *** حمدان لم يكن أحسن حالاً من صديقه: بعد طول انتظار وإهانة واحتقار سمح القاعد والقائم على أمر السكن لحمدان بمقابلته والوقوف أمامه كمطلوب إلى محكمة جنائية. نظر حمدان إلى وجه القائم على أمر السكن، فتبدَّى له كغيمة سوداء داكنة لا مطر من ورائها ولا خير. قال حمدان: ـ مرحباً أستاذ! لكن القائم على أمر السكن لم يردّ السلام. ـ ماذا تريد أيها الطالب؟ وماذا تدرس؟ قل بسرعة!! ـ قدم حمدان ورقة، كتب عليها: أنا طالب من قرية نائية، أرجو من فخامتكم قبولي في السكن عندكم.. ـ اسمي حمدان.. ـ والدتي اسمها حمدانة. تشبه البراري العطشى، وتحب أولادها والأغاني والمواويل، وتكره السفر إلى المدن. لا أعرف لماذا.. وتشتغل النهار وأطراف الليل لتجني لنا لقمة العيش.. ثوبها لا تُبدِّله في السنتين مرة وشعرها يشبه "الطيون" لأنها لا تنصرف إلى تسريحه إلا في أيام المطر الغزير، وفي بعض الأعراس القليلة جداً. وتربي الدجاج وتذهب إلى نبع القرية، لحمل الماء لنا. وإذا قصدنا جائع لا بد أن تطعمه.. ولو لم تجد إلا الرغيف الذي سيأكله.. والدي محارب قديم شارك في معارك عديدة وأخذ أكثر من وسام شجاعة وحسن تدبر في المعركة، وقد زودني ببعض الأوراق والحكايات التي تثبت صدق أقواله.. وعمره الآن ستون عاماً تقريباً، وهو يفلح ويزرع ويحكي الحكايات، ويغني المواويل العتيقة ويركض الليل والنهار ليحصل على السكر والطحين وبعض قسائم الحنين والوفاء، و"بونات" الاحترام وعزة النفس، ويعرف جيداً الغيوم الماطرة من الغيوم الكاذبة ويميز بمهارة، بين المخادع وبين الصادق، ويتمنى لجيرانه الخير كما يتمنّاه لنفسه. لم يرتح القائم على أمر السكن لكلام حمدان، فصرخ به صرخة دوت في أرجاء الغرفة وفي نفس حمدان: اسكت.. قلت لك: قل ماذا تريد بسرعة واخرج وهذا طلبك خذه؟ وأخذ حمدان طلبه وخرج من غرفة القائم. قرأ كلماته القليلة: لإسكان الطالب حمدان أصولاً. وطار فرحاً لأنه اعتبر أن كلمة "أصولاً" ستخدمه خدمة عظيمة عند ذوي الشأن والتدبير. في اليوم التالي، حمل أصولاً باعتداد، واتجه إلى البناء المعني بالسكن. وجد صبية في الغرفة، فأقبل عليها بكل "شوفة حال" .. فرحت المشرفة إذ لاقته حسناً قليلاً: ماذا تريد يا أستاذ؟ أريد السكن. سكتت فرحتها حين علمت أنه مبتئس، وأنّه غير نافع في شيء.. قرأت الورقة التي معه وأعادتها بازدراء: حين نجد لك مكاناً نسكنك. و"أصولاً" التي جئت بها أتكئ عليها في سفرك القريب. ولا تنسَ أن تحتفظ بها في مصرف خاص بها، خوف أن يسرقها أحد.. القائم على الأمور كلَّ ساعة يزود العديدين من أمثالك بـ "أصولاً" وأكثرها مصحوب بكذبات عاجلة.. بعد ركض طويل وأخذ ورد تبين لحمدان أن هذه "الأصولاً" المصابة بالحمى الشديدة، والإقياء، لن تخدمه في شيء، وعرف أنه سيبقى دون مأوى. وعرف أن الفلاح إذا قصد الجمعية الفلاحية لشراء سرب من الحمام البري أو الجوي سيحصل على الأفاعي بموجب أصولاً المذكورة، وإن الموظفة الحامل إذا طلبت إجازة أمومة، تحصل على إجازة سوق إلى الجندية، بموجب أصولاً المذكورة. وإن القرويين إذا تقدموا إلى السماء بالدعاء لنزول المطر تبعث لهم اليباس والرعود القاصفة المخربة بموجب أصولاً المذكورة. على أثر ذلك الفصل الجاف، في حياته، بحث حمدان وسأل عن "أصولاً" المذكورة وتمنى لو أنه يعرف من اخترعها بمواصفاتها الحالية، ومن سهل لها سبل الذيوع والانتشار، لكنه لم يصل إلى شيء محدد واضح وبقي السؤال: أين الجواب؟ قيد السؤال الذي لا ينتهي. سأل كل من صادف من عامة الناس.. سأل سائقي "التكسي" ومحلات بيع الجرائد والدوائر العقارية والمجمع اللغوي وهيئات الشوارع والأزقة وبقي السؤال: أين الجواب؟ معلقاً من رقبة الحروف والمهمومين بآمال عريضة المنكبين أصولاً وفصولاً.. بعد أيام معدودات تأكد حمدان من خيبته التامة في العثور على السكن، علم تمام العلم أن الامتحان يقرع الأبواب وتأكد من أن السماء لن تمطر، وتبين أن سفره إلى قريته ليعين والده على الدنيا والحصول على لقمة العيش، هو السبيل الوحيد الباقي أمامه في هذا الكون الفسيح. نفض "جيوبه" ومسح الكلامات التي حفظها، وأبقاها خوف أن تكون حروف "أصولاً" باقية بين نداءاته وآماله أو في جيوبه.. وظلَّ يبصق ما أمكنه، ظناً منه أنه قد يشفى من أذاها.. قبل أن يصل إلى قريته الصغيرة المتربعة على تلة زاهية خضراء علم أن صديقه خابت آماله في الحصول على جواب بشأن وظيفته المنتظرة. بعد ساعات من الرجرجة التي قدمها الباص مجاناً للركاب نزل حمدان عند المفرق المؤدي إلى قريته لا يحمل إلا الخيبة الثقيلة وطعم القهر والمرارة. نظر يمنة ويسرة لعله يجد أحداً من جيرانه. نظر إلى قريته فبدا بيت أهله المشرف على الوادي كئيباً شاحباً وبدا الناس قدامه مزدحمين، وسمع البكاء والندب والأنين. علم أن والدته ماتت، ولكنه لم يعرف سبب موتها.. فسقط مغشياً عليه وغابت عنه كل الأشياء إلا أغنيات أمه. وظل سؤاله الصعب هو وصديقه: أين الجواب؟؟!! وظلَّ صدى الخراب الكبير تحمله "أصولاً" وكراسي القاعدين على أمور الناس كصخور ضخمة ثقيلة مكروهة.. وسؤاله المثخن بالجراح، ظلَّ يردده في نومه واستيقاظه، ولم يصل إلى نتيجة ولم يستقر له رأي ولا قرار بشأن ذاك السؤال الذي عرفه مبكراً، ولم يعرف جوابه عند من يكون: أهو عند صاحب الغرفة أم عند القائم على أمر السكن، أم في الكوة المخصصة للأسئلة عن الوظائف أم أم الخ.. أين الجواب؟ وأين "أصولاً" المنتشرة كمثل حشرة قارضة للأغصان وروح الفرح؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |