|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في انتظار أن يفتح الباب ـــ د.فارس الحاج جمعة يحتسي الرشفة الأخيرة من كوب القهوة المرّة بينما يهمّ بالانصراف من المقهى. لقد اعتاد في السنين الأخيرة أن ينفق الوقت بالجلوس هنا، يرقب من خلف الزجاج المغبش صور الناس المتلاحقة وهم يسرعون الخطا في اتجاهات شتى، كأنما يشاهد فلماً حياً يعرض أمامه لأول مرة. يسخر في داخله من أولئك الذين يقضون أعمارهم ركضاً.. دون أن يصلوا إلى نهاية السباق. تنقطع أنفاسهم فجأة في منتصف المسافة.. كما حدث له. فماذا يفعل كهلٌ مثلهِ في سن التقاعد، سوى أن ينتظر النهاية القريبة بعد أن أهملته الأيام. لم يعد يستطيع الجلوس في البيت وقد بات فارغاً إلا من رائحة الذاكرة وصور الأحبة على الجدران. يصعد درج منزله منهكاً. يتوقف على الدرجة الأخيرة من السلالم، ويخرج سلسلة المفاتيح العتيقة من جيبه. يحسّ بتعاريج المفتاح المعدني.. وهي تدخل ثقب الباب وكأنما تفتح باب ذاكرته. فتتيبس أقدامه على العتبة برهة من الزمن .. قبل الدخول إلى البيت. يتحول جسده إلى رزمة حطب يابس، فيما يصدر أنين خافت من الباب الخشبي العجوز كصاحبه. لكأنه لم يغادر تلك المصطبة منذ نصف قرن وهو عائد من عمله، بانتظار أن تفتح له زوجه الباب. لكأنما يلمح السنين بسرعة البرق، هاهو يدق بأصابعه على الباب، لينبعث من الداخل لحن لآلة موسيقية من لحم ودم، فقد ولد ابنه البكر أخيراً. تبتل ذاكرته بأول خيوط المطر. يا إلهي كم هي شهية رائحة الماضي، يدسّ راحتيه في معطفه الشتوي وقد بات النغم ينبعث من كل غرف البيت. لم يعد بمفرده مع زوجه فقد امتلأ البيت بالأولاد، ومع ذلك تصرّ زوجه أن تفتح له بنفسها الباب. تقلّب الدنيا راحتيها.. وتقلب ملامحه أوراقها الصفراء أيضاً. وصل خريفَ العمر.. ليقف على الرصيف الذابل بأقدامه التي لا تتوقف عن السير إلى المنحدر. انطوت عظام كاهله.. وبات أقرب إلى الأرض من أي وقت مضى. فقد كبر ابنه الهدهد الصغير، صار شاباً في مقتبل العمر، وعليه الآن أن يتقبل تقلبات العمر على مضض.. كي لا يبدو محرجاً في أرذل العمر. يقف على العتبة ذاتها.. التي التهمتها أقدامه في تلة الأعوام النافقة، ينتظر أن يفتح له الباب. لم يكن يطيعه الانتظار طويلاً، فتسرع زوجه برغم تلة الأعوام لتفتح له. تشقّ الباب بتؤدة، فيلمح شقوق وجهها من خلال شقوق الباب، لقد نشبَ الزمن أظافره على البشرة المصقولة. يزفر بغصة عميقة وهو ينسلُّ إلى الداخل. فلم تكن زوجه التي لمحها منذ ربع قرن، وهي تستقبله أمام الباب بابتسامتها الساحرة. تقف خلفها ابنتاه الكبرى والصغرى، كلوحة لثلاثة وجوه متدرجة الأعمار والألوان!. يحاول أن يداعبها ليسكتَ حنقه: ـ لقد هرمت سريعاً يا عزيزتي. فتجيبه بابتسامة ذابلة ـ لتعزي نفسها ـ بأنها قد أنجبت باقة الورود تلك. .. يستند للتوّ على الجدار وقد بات البيت خاوياً. كيف سيعقد هدنة مع ذاكرته الآن، كيف سيقنع ذاته بالدخول إلى الفراغ الموحش. لقد مضت شتاءات كثيرة لم يعد يذكرها، سوى بتلك الليلة التي امتدّ سوادها إلى اليوم. حين خرجت زوجه من الباب.. للمرة الأخيرة، محمّلة على الأكتاف. فلم تعد تفتح له الباب. تطوع أولاده للقيام بتلك المهمة، لكن من سيعوضه عن نظراتها المشعة كقوس قزح. .. متى سيريحهم من هذا الواجب الثقيل، ليخرج من هذا الباب ولا يعود ثانية. فقد أحسّ بالشوق إلى زوجه!. لكن للزمن حساباته الأخرى، فقد بلغت ابنته عمر الورود، قطفها أحدهم على فرسه ومضى بها بعيداً إلى بيته، لم تلبث الصغرى أن تزوجت هي الأخرى ولحقت بأختها بعد مدة وجيزة، لم تكفه لنسيان الكبرى. عاد من جديد يدق الباب. ابنه هو الذي فتح له الباب هذه المرة. يضحك فجأة على المصطبة قبل أن يلج منزله، يتساءل هل يقضي المرء عمره على الأبواب وبين الأبواب!. إذ لم يمضِ وقت طويل حتى لحق ابنه بأختيه، خطفه الحلم، وسافر إلى الخارج ليكمل علومه. لم يعد من أحد في البيت. ما أثلج أصابع الحياة.. تعريك من أحبتك رويداً رويداً، لتترك ترتعش في البرد وحيداً. بقي بمفرده داخل الجدران، فعاد البيت فارغاً كما كان. لكأنه لم يتزوج ولم ينجب. عاد أعزب .. ووحيداً، فقد زوجه ورحل أولاده. ماذا يفعل كهل مثله.. بمفرده!. هل يقضي الوقت في عدّ أيامه المتبقية أو يحاول استعادة ذاكرته المفقودة. في كلتا الحالتين.. لن يتبدل شيء، الوقت يمضي وإن بدا واقفاً. حتى أنه لم يعد بحاجة لعصاه.. ليدق على الأرض ليذكرها بقدميه الصاخبتين فيما مضى. .. هاهو يقف على الباب من جديد للتو. تطوف في رأسه الصور العتيقة بحلوها ومرها، تذكرها فيما يضع المفتاح المعدني في الباب، فهو لم يطرق عليه هذه المرة، إذ لا أحد سيفتح له. هاهو يدخله الآن.. كما دخله أول مرة قبل الزواج. يعيدُ بأصابعه المرتعشة سلسلة المفاتيح إلى جيبه. : "ـ تموت الأصابع.. وتبقى المفاتيح على حالها!". يهمسُ لنفسه.. ساخراً. لقد تطايرت رائحة الذاكرة بأكملها.. في تلك الوقفة القصيرة.. الطويلة!. يمسح دمعته إذ لا أحد يمسح دموع العجائز. عبر من هنا نصف قرن.. كالحلم، كشريط وثائقي صامت وسريع. .. يدخل إلى الصالة المظلمة.. ويغلق الباب وراءه. يتعقبه الضوء المتسرب من شقوق الباب خلسة. يعبر الجسر الفاصل بين الماضي والحاضر على عكازه، يخلع نظارتيه.. حين ترقص عيناه فرحاً على صوت حفيده من الخارج.. يدق الباب. الحلم لم ينقطع إذاً.. يهرع إليه ليفتح الباب!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |