جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بوابة فاطمة ـــ أنيسة عبّود

كأنك لم تعرفني.‏

أنا الذي يسكن في البيت القديم عند بوَّابة الحارة.‏

أليست أمي فاطمة؟ وأختي فاطمة، وتزوجت من امرأة تدعى فاطمة.‏

هل عرفتني؟‏

أول طلقة أصابتني عند بوّابة فاطمة. وآخر طلقة أيضاً عند بوّابة فاطمة.‏

بالتأكيد عرفتني يا عم علي. ها أنا أتذكر.. هل كان لي عمة اسمها فاطمة؟‏

وكان لها ولد جميل ذهب إلى بوّابة فاطمة.. دخل.. كان جميلاً مضيئاً.. دخل ولم يرجع. عمتي تقول: أنا هو.. أتعرفني يا عم علي؟‏

كأنه لم يعرفني. يبدو أنه فقد سمعه. أهو يتصامم، لا يريد أن يسمع انفجارات هذا الزمن. لكن لا يرف عينيه حتى عندما مرّت تلك المرأة الجميلة.‏

كانت ترفع تنورتها من الجانب الأيمن لتكشف عن ساقها حتى الركبة اليمنى، وترخي الطرف الأيسر للتنورة حتى الكاحل.. لم يرفّ عم علي ولم تدوّخه رائحة عطرها التي عبرتنا.. لقد حزنت.. هكذا سأصير عجوزاً؟ هكذا لن يقف شعر رأسي لمرأى بلوزتها الحمراء ولن أكشّ الزمن عند أناملي. أقصد أنامل هذا الرجل الذي يسكن البيت القديم ويبحث عن اسم يسكنه، يشكّل بوّابته وعتبته، ايه.. لماذا لا أعرف ماذا كان اسمي قبل بوابة فاطمة؟ أبحث عن وجه يعرفني ويقول لي: السلام عليكم يا..... يلفظ اسماً أي اسم أهرب به إلى بلوزتها الحمراء، ألا يوجد بين هؤلاء المارة من يتقدم إلي ويسميني؟ أو يضربني؟ سأتقدم أنا باتجاه ذلك الطفل الذي يحمل طيارة ورقية. آه لو يقول لي ((عمّو علي.. عدنان.. إبراهيم.. أي اسم.‏

مسح وجهه بيديه كأنه يمسح مدينة عن بصيرته. مع ذلك لم يرد عمود الكهرباء الذي أمامه فاصطدم به. استدار وعاد من حيث أتى "لا. ليس من هنا "كان الدم ينز من جبينه، لم يرتعش لمنظر الدم.. مرر أصابعه على الجرح فاصطبغت بالدم. أخذ يضحك بصوتٍ عالٍ وهو يمضي. عندما وصل إلى نهاية الشارع رأى عمود كهرباء. صرخ "ما الذي أتى بك ؟. كان يتلفت وراءه بين اللحظة والأخرى لدرجة أنه كاد يقع على الرصيف فأعانته امرأة مسنة أمسكت به "ما بك يا بني؟"‏

ظلّ ممسكاً بيديها.. كانت الدمعة تترقرق في عينيه.. حشرج "أتعرفينني؟"‏

لم ترد المرأة، ومع ذلك انهال يقبل يديها ويتمتم "ألست أمي؟" غادرته المرأة ووجهها يطفح أسىً.. ركض وراءها "قولي ما هو اسمي.. سمّيني "تابعت المرأة خطوها، لم تلتفت إليه وهي تذوب في تفاصيل الشارع، بينما ظلّ واقفاً إلى أن اختفت تماماً.‏

..... ... ... ..‏

عدت إليك. "عم علي"‏

أنا لا أعرف كيف أخرج من هذه الأبواب المغلقة.. الغائبة، وأدخل في أسرار المعنى لأكتشف باباً يدلني عليَ.‏

قل: أ أنا الذي غاب في باب فاطمة؟ أم أنا الذي عاد وترك اسمه هناك وراء الأسلاك والجدران.؟‏

كيف ألاقي اسمي؟ البارحة لم أترك جريدة إلا واشتريتها..‏

بحثت عن إعلانٍ يدل ّعلى غائب، وعندما لم أجد فتحت التلفاز، خرجت أكداسٌ من الخطابات، تلاها صورٌ لزعماء كانوا يرتدون أقنعة ملوّنة متشابهة. لم أعرف من الذي يتكلم ولا من هو الملقن.. أغلقت التلفاز وشربت القهوة ثمّ راقبت ابنة الجيران. كانت تنشر ثيابها الداخلية على شرفتها. اختلطت الألوان فزاغ بصري. صرت أتخيلها كلها نساء مثيرات، جنيات.. تابعت التحديق، وعندما رأتني خجلت فهربت من ثيابها ودخلتُ لأفتح التلفاز ثانية ولأرى من جديد فوج الزعماء، يلقي الخطب من وراء أقنعة زرقاء جميلة. أردت أن أعرف من هو الزعيم الذي يلقي، ومن هو الزعيم الذي يروي الخطابات المتفردة. كدت أنفجر.. اقتربت من التلفاز، مددت يدي لأنزع أحد الأقنعة، لم تصل إلى القناع. كانت يده أسرع، بل كانت أيديهم أسرع، امتدت إلي.. صارت خارج النافذة،هاهي تمسك بي، تصفعني وتصرخ "متى عدت؟ ولماذا؟ ليس وقتك الآن" ثمّ نبشوا جيوبي، أخذوا أوراقاً كثيرة.. لم أعد أذكرها كلها، بل أذكر منها قصيدة كتبتها لامرأة تخيلتها أنها حبيبتي. وكان معي أيضاً طلقة فارغة أخبئ فيها وجه أمي. أوه.. ما عدت أذكر شيئاً. تصوَر أن يخّلصوك وجه أمك؟‍ أوه.. نسيت. ليس وقت هذا الآن. خلّصوني كل شيء مع ذلك بقيت صامتاً لزمن لا أعرف تقديره. أهو اليوم؟ أم سيكون هذا في الغد؟ أم كان ذلك منذ قرنٍ؟‏

لا أدري، لقد تعبت فغفوتُ.‏

عندما استيقظت تلمست وجهي فلامست أناملي لحية طويلة.. توجهت إلى المرآة رأيت شعري طويلاً ومربوطاً بشريط أزرق. حواجبي بيضاء، وأصابعي مثقبة والخطابات منقوشة عليها كوشم.. انحنيت من شدة الإعياء وعندما رفعت جسدي لأنظر إلى المرآة ثانية لم أصل إليها. كانت المرآة عالية أكثر مما يجب "من الذي رفع المرآة يا أولاد ال..؟ أريد أن أرى وجهي.." لا أحد يجيب.. مشيت ذهاباً وإياباً ألف مرة في البيت القديم. البيت المطلي بالأخضر وأبوابه سوداء وزجاجه أحمر، في الشرفة يحاذي رأسي. خجلت من صاحبة البلوزة الحمراء ورحت أراقب نفسي، كنت أراقب رجلاً ينظر إلي.‏

أنا لم أسأله هو الذي سألني: ما اسمك؟ وأنا لم أعرف أن أجيب. بحثت في جيوبي عن شيء يذكرني باسمي فلم أجد إلا رقماً منقوشاً على حلقة نحاسية ـ "هذا لا يبدو اسمي" خطرت لي عمتي فاطمة لكنها لم تضمّني إلى صدرها. بل نظرت إلي ثمّ ابتعدت إلى الوراء فابتعدت عنها.. سمعتها تقول: كان أطول.. كان أصغر. ها أنا أصير خارج بوّابتها. بالتأكيد لست علياً "قد أكون إبراهيم.. قد أكون محمود. لكن بالتأكيد الرقم الذي في جيبي يخصّني.‏

طويلُ هذا الليل، ثقيل "كجلمود صخر" فتحت التلفاز "أريد أن أعرف التاريخ، الساعة، الوقت الآن. فوجئت بوجود الزعماء نفسهم على الشاشة. يرتدون الأقنعة نفسها. خفت منهم وأردت الهروب إلى غرفة أخرى.‏

لكن الزعيم الضخم خرج إلي من الشاشة وقال: تعال العب معنا.. ارتجفت من الدهشة. قال: "فزعان" هززت رأسي بأنّ نعم. لم أستطع الكلام. كان أمامهم مجموعة من الرجال وكانوا يطلبون من كل رجلٍ أن يتقزّم ويلتف على نفسه حتى يصبح طابة قابلة للدحرجة أمامهم بأقل ركلة. كانوا يتسابقون إلى ركل الطابات الكثيرة لترتد إليهم بعد اصطدامها بالجدار.. في البداية ضحكوا ثمّ غضبوا مني وطردوني خارج اللعبة.. بكيت وعدت إلى المرآة لأتفقد طولي. لم أكن أنا الذي بالمرآة. كان في المرآة عجوز تبكي فأخذت أبكي أنا أيضاً. اقتربت ألمس الوجه فانكسرت المرآة وسقطت، وسقطت مغشياً عليّ.‏

.. .. .. ..‏

أتعرفين يا فاطمة؟‏

اندهشت ـ من أين جاء هذا الصوت.‏

قالت باشمئزاز: "من أنت؟"‏

حين نظرت إلى نفسي أتفحَص سبب اشمئزازها وجدتني قصيراً جداً. لا أدري لماذا ابتلعتني الأرض.‏

حاولت التعلق بثياب فاطمة قالت: ابتعد يا ولد. قلت لها: أطلقي عليّ اسماً أرجوك.. اعطني أي اسم من أسمائي التي كانت لي يوم كنت أدخل إليك، وبك، غضبت وأدارت ظهرها وهي تأمر البواب أن يخرجني بعيداً.‏

.. .. .. ..‏

قيل له: (ابحث عن أمك تعطيك اسماً.غير أنه لم يجد أمه.. رأى الواجهات الملوّنة بأحرف غريبة تغزو المدينة، ووجد أبواب المدينة تنغلق كلها لتغفو بأمان حيث شاع بأنّ أشباحاً تخرج من أبواب فاطمة وتدق على باب زعيمها لتوقظه. وقيل له: أن أمك ستأتي من باب فاطمة وسيكون الليل عاصفاً والأشباح كثيرة حيث سيكون الزعيم فاقداً لذاكرته، فينسى أن يغلق الأبواب.. عند ذلك ستعود إلى قامتك، وستتعّرف إلى أمك، فتمنحك اسمك وهويتك لكنك ستظل قزماً إلى ذلك الحين. هل فهمت؟!‏

"أجل فهمت" قال ذلك وهو يتلفت إلى وقع أحذية.. ثمّ رأى أصابع تمتد إليه وتلمس رأسه "من هذا القزم؟" ينظر في عيني العم ويتساءل من أنا يا عم علي؟ من هذا القزم؟ ثمّ أخذ يبكي وهو يستدير ويمضي من شارع إلى آخر متسائلاً أهنا بوّابة فاطمة؟؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244