جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كتاب الاعتبار في ثوبه الجديد ـــ د.عبد الإله نبهان

نصوص الأدب ليست هي الشعرُ والنثر بل إن كل نصٍّ تاريخي أو جغرافي أو فلسفي أو له علاقة بالرحلات أو المذكرات أو ما شئت.. كتبه كاتبه بانفعال ونبع عن تجربه وعبّر عن موقف واعتُني بصوغه على نحوٍ ما يمكن أن يعدّ نصاً أدبياً.. وهكذا يمكننا أن نضم إلى نصوصنا الأدبية صفحاتٍ رائعةٍ مفعمة بالانفعالات من كتب التاريخ والجغرافيا والرحلات والمناظرات وبذلك يتّسع مجال النص الأدبي ولا يبقى مفهومه محصوراً في غرفة بلا نوافذ.‏

ونصوص الاعتبار المختارة من النصوص الحية المعبّرة، إنها خلاصة السنين وعصارة الأيام، ألقت بها إلينا أنامل مرتعشة، أنامل رجلٍ يعيش أواخر أيامه بعد أن جاوز التسعين، وخاض المعارك وقاتل الوحوش، وحوش الإنس ووحوش الغاب، وقطع الفلوات، وكتب المؤلفات، ونظم الأشعار، وانغمس في حمأة السياسة ومؤامراتها، ومرّ عليه ما أشاب الصغير وأفنى الكبير إنها مذكرات الفارس الأديب الشاعر أسامة بن منقذ الكناني الشيزري 488 ـ 584 هـ.‏

استقرّت تلك النصوص في ذاكرتي، فلما وقفت على كتاب "الاعتبار" الذي نشره قاسم الرجب في مكتبة المثنى ببغداد مصوّراً بتمامه عن طبعة الدكتور فيليب حِتّي في جامعة برنستون بالولايات المتحدة عام 1930 ازددت سروراً بالكتاب وإدراكاً لآفاقه الحضارية وتطاولت الأيام، وانقضت سنوات وسنوات وقدّر أخيراً لهذا الكتاب أن يظهر محققاً موضحاً مضبوطاً على يد الدكتور عبد الكريم الأشتر عام 2003، وهو أحق الناس بإخراجه، فهو الذي شهره بين طلابه في سورية وخارجها، وأشاد به، وكتب عنه، وأصدر منه مختارات في وزارة الثقافة بدمشق.. فلا عجب بعد كل هذه العناية أن يأتي الكتاب في إصداره الجديد جديداً غنياً بمقدمته العميقة وبتعليقاته التي لاحقت مصطلحات الكتاب وشوارده فجلت عنها غموضها وقرّبتها إلى القارئ المعاصر إضافة إلى طائفة من صور القلاع والخرائط ذات العلاقة بمواضع الكتاب الذي تتجلّى قيمته "في حسن تصويره لمجتمعه الذي كان يضطرب اضطراباً عنيفاً بما يلقى من كثرة الفتن وتفرّق الأهواء وغلبة الأطماع واختلال الأمن وفشوّ بعض التيارات الفكرية المتطرفة فيه، ثم بوصف ما يرزح تحته من ثقل غزو الإفرنج واتّساع أذاه ونهوض الناس له، ففي هذا الجانب يبدو الكتاب وثيقةً حيّةً من وثائق حروب الإفرنج ـ وهي أطول حروب التاريخ إلى اليوم ـ لا نعرف لها شبيهاً، فإنّ أسامة لم يكن يعبأ فيه بأخبار المعارك والتأريخ لها على نحو ما نعرف في كتب التاريخ التي أرخت لها، ولكنه كان يصوّر عن طريق السرد الحكائي واستحضار الوقائع والمواقف حياة الناس التي تجري تحت سطح الأحداث الدامية، ويقف عند الصور العميقة المؤثرة منها وما كان يقع لهم داخل بيوتهم، وفي مواطن جدّهم ولهوهم وما كانوا يقولونه لأنفسهم وهم يواجهون الموت" ولكن لماذا يُعاد نشر الكتاب اليوم 2003؟ وفي هذه المرحلة التاريخية المضطربة؟ أو لنقل لماذا حرص محقق الكتاب على نشره الآن؟ ألمجرد رغبة معرفية؟ أم لمجرد إصدار عملٍ علمي ذي طابع جاد؟ أم لمجرد إحياء أثر من آثار التراث القديم؟ وكل سبب مما سبق ذكره مقنع في بابه، لكن المحقق أجاب إجابةً أخرى قال:‏

"إنّ غاية ما أبتغيه من نشر الكتاب مرةً أخرى في طبعته الكاملة هذه، بعد أن أعدت النظر فيه إعادة شاملة، أن تقع الإفادة منه في هذه الأيام الحرجة التي نواجه فيها غزواً استيطانياً جديداً يذكّر بغزو الإفرنج أيام الحروب الصليبية في عصر أسامة، فَيُعين نشرُ نصوصه على إشاعة الإصرار على دحره في نفوس الناس، عامة الناس، وتقوية روح المقاومة فيهم، وبث الثقة والاعتبار بما تمّ لنا تحقيقه تلك الأيام واستخلاص الدروس منه".‏

اشتمل كتاب الاعتبار على مئتي خبر حسب ترقيم المحقق إضافةً إلى خاتمة المؤلف التي أشاد فيها بمعاملة صلاح الدين الأيوبي له في أواخر حياته، ومما يؤسف له أنّ مقدمة المؤلف ومعها طائفة من الأخبار قد سقطت من أول المخطوط الوحيد ولذلك نجد الكتاب يطالعنا فوراً بخبر معركة قنسرين مع الإفرنج سنة 530هـ، وتتوالى الأخبار بعد ذلك حسب العناوين التي وضعها لها المحقق: "الروم والإفرنج يحاصرون شيزر سنة 532هـ" "أسامة في دمشق" "سفره إلى مصر" "أسامة في مصر" "فتنة في عسكر الفاطمية وعبيدها" وهكذا نجد أن معظم الأخبار أخبار حرب ومعارك ضد الإفرنج الغزاة.. ومن هذه الأخبار ما هو ذكريات عن أسرة أسامة وشجاعة فرسان شيزر وغيرها، كما أن هناك بعض الأخبار المتعلقة بنشأته التي نشّأه عليها والده، ومن هذه الأخبار ما رواه عن نفسه وأبيه قال:‏

"ومرةً كنت معه ـ رحمه الله ـ وهو واقف في قاعة داره، وإذا حيّةٌ عظيمةٌ قد أخرجت رأسها على إفريز رواق القناطر التي في الدار فوقف يبصرها، فحملتُ سلّماً كان في جانب الدار، أسندته تحت الحية وصعدت إليها، وهو يراني فلا ينهاني، فأخرجت سكيناً صغيرةً من وسطي، وطرحتها على رقبة الحية وهي نائمة، وبين وجهي وبينها دون الذراع، وجعلت أحزّ رأسها، وخرجتْ،ْ التفّتْ على يدي إلى أن قطعت رأسها وألقيتها إلى الدار وهي ميتة" والمهم في القصّة كلها عبارة "وهو يراني فلا ينهاني" فهي تفصح عن منهج في التربية يشجع الناشئين على مواجهة الأخطار ولا يحصّنهم بالخوف ولا يمنعهم من ممارسة الأعمال الخطرة ومواجهة الأخطار.‏

وهناك أخبار غنيّة بدلالاتها الحضارية، فهي تصوّر من خلال السرد الإحساس بالتفوق الحضاري لدى العرب آنذاك تجاه الإفرنج الوافدين لقد نظروا إليهم على أنهم سحابة صيف وأنه لن تكون لهم القدرة على الاستيطان ولا القدرة على النصر فلم يكونوا في نظرهم أكثر "من شرذمة من الوافدين من كل بلد، يستبيحون الأقواتَ والحرماتِ بلا رادع، ويستهينون بالمقدسات الدينية".‏

وهناك أخبار تدل على التفوّق الطبي للعرب آنذاك، وأخبار تشير إلى الفرق الكبير في قضايا النظافة بينهم وبين الإفرنج.. وأهمية الكتاب لم تقتصر على العرب فقد "ترجمه الغربيون إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية غير مرة، منذ وقت طويل، ثم ترجموه إلى الروسية والبولونية والدنماركية أيضاً، ولعله ترجم إلى لغات أخرى من بعد" إن هذا الكتاب من الآثار التراثية الطريفة الفريدة في بابها وهو جدير بالدراسة والبحث مفيد للمطالعة والتفكّر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244