|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في كتاب روح الموسيقا للكاتب سمير الحاج شاهين(1) ـــ رنا صائب أتاسي روح الموسيقا كتاب يبحث في فلسفة النغم، وما تحمله تلك الفلسفة من تأملات جمالية في الحياة من حولنا... في الحرية والقيم المطلقة..... في الحب والفن وفي أعماق النفس البشرية، وهذه التأملات الجمالية التي تثيرها الأنغام الموسيقية وتمدها أمامنا كبساط أخضر على طول المدى تثير بدورها مجموعة من التساؤلات عن فحوى الموسيقا وتداخلها مع الزمن..... قدرتها على التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية، وتمكنها من مخاطبة الأعماق البشرية وعلى تحرير الروح من الأنا الضيقة ودفعها إلى الانعتاق. يُبحر الكاتب في عوالم الموسيقى وصولاً إلى أبعادها المختلفة محاولاً شيئاً فشيئاً استحضار روحها، وإذا ما حضرت تلك الروح بداخلنا نجد أنفسنا بدون شعور نبحث في الذاكرة عن أثر لحن ما في أنفسنا وعن روح ذاك اللحن التي ظلت راسخة هناك وجعلت منه لحناً محبباً إلى قلوبنا، إن كتاب روح الموسيقا يفتح لنا نوافذ على آفاق جديدة، أو لعله يوسع من الآفاق الثقافية لكل قارئ أو مهتم في الموسيقى والفلسفة. يقع الكتاب في ثلاثمائة وتسعين صفحة من إصدارات المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. يتألف من سبعة فصول هي: أولاً: فلسفة النغم ـ ثانياً: تأملات جمالية ـ ثالثاً: الغناء ـ رابعاً: الرقص ـ خامساً: الموسيقى ذات البرنامج ـ سادساً: السمفونية ـ سابعاً: الموسيقا المطلقة. نبدأ بفلسفة النغم: يبحث الكاتب في هذا الفصل في التداعيات الفلسفية للنغم وما تحمله من تأملات في عالم الجمال المرئي وغير المرئي متأملاً في الكون،، موقعنا فيه..... وعلاقتنا معه، وفي إيقاع حياتنا الداخلية، صراعاتها...... هدوئها واشتعالها... توترها واضطرابها يقوم الكاتب بالاستشعار عن بعد باحثاً في دور الموسيقى في الحياة بشكل عام قديماً وحديثاً، وتأثيرها على الناس كونها اللغة العالمية الوحيدة، ولغة التوحيد التي تذيب الفوارق بينهم وتصهرهم في بوتقة واحدة، ثم يتوسع الكاتب في بحثه وصولاً إلى أعماق النفس البشرية إلى النواة بل إلى الرُوح مروراً بالكثير من المفارق والتشعبات التي تتحاور فيها كل من الفلسفة والموسيقى حيث يتقاطعان تارة ويتبادلان المواقع تارة أخرى مستنداً ومستشهداً بآراء الفلاسفة والكّتاب وعباقرة الموسيقى يقول الكاتب: "إن الموسيقى برأي بيتهوفن هي أعلى من كل حكمة وفلسفة، أما (هيرمن هيسه) فتحدث عنها في روايته (لعبة الكريات الزجاجية) قائلاً: ((إن الموسيقى كانت في الصين الأسطورية تلعب في حياة الحكومة والبلاط دوراً قيادياً، وكان الصينيون القدماء يساوون بين ازدهارها أو تدهورها وبين ارتقاء أو انحطاط الثقافة والأخلاق بل الدولة بكاملها، فجذورها تمتد بحسب نظريتهم إلى الواحد الأعظم الذي خلق قطبين، وأبدعا بدورهما قوى الظلام والنور، وهي لا تبلغ حد الكمال إلا عندما يتوافق الليل مع النهار، وتنسجم الأرض مع السماء، ويسود العالم السلام، وتروح الأشياء وقد اطمأنت تبتعد عن الأهواء والرغبات، عن مسالك الضلال، وهي في هذه الحال إنما تنبع في التوازن الناجم بدوره عن العدل الذي ينشأ عن روح الدنيا ذلك السر القادر وحده على سبر أغوار الجمال)). ويضيف هيرمن هيسه أن الموسيقى كانت في الأزمنة الغابرة وسيلة مشروعة للسحر، وحافز لصهر جماعة من الناس في نغمة واحدة، وضبط تنّفسهم ونبضهم وحالتهم النفسية في نمط مشترك، ولحثهم على مناداة القوى الأبدية، ويختار الموسيقار أو المؤلف يختار للوصول إلى أسمى هدف للإنسان إلى الحرية الباطنية، إلى النقاء والكمال، إذ أنها تبدل من يمارسها وتطهره وتكسبه مهارة يدويّة، وتقوي ذاكرته حيث ينتقل تأثيرها إلى كل أجزاء وأعضاء جسمه وروحه، إلى رقاده وأحلامه، ويبدو الاستماع إليها قبل الذهاب إلى الفراش خير من كل المنومات. وأخيراً يقول هيرمن هيسه: "إن الموسيقا، إنسان يأتي بالنور ويزيد البهجة والصفاء على الأرض، فهو عندما يقدم موسيقاه عبر الدموع والتوتر والألم فما ينقله إلينا ليس ذلك الألم والتوتر والخوف بل هو قطرة من النور الخالص من الصفاء والمرح الخالد لأن عمله يتخذ قسطاً من صفاء ومرح الآلهة والنجوم". ويتابع الكاتب آراء الفلاسفة مبيناً في النهاية تحليله وفلسفته في الموسيقى والنغم فيقول: "يعرض هيجل في كتابه "علم الجمال" نظريته حول الفن الذي يرى فيه إيقاظاً للروح المطلقة، وخلق إطار خاص تظهر من خلاله تلك الروح وتحضر فيه متصالحة هكذا مع الواقع العيني الملموس" ويُعتبر النغم عنصراً مثالياً مصنوعاً جيداً للتعبير عما هو إلهي إنه يمس الروح ويؤثر فيها لا بسبب هذه الخاصة أو تلك لكنه يمارس مفعوله على مركز حياتها ذاته الذي يوضع هكذا في حالة الحركة ويستيقظ على الحيوية والنشاط، إن النغم يُلطف أكثر النفوس قساوة ويحررها من كل ضغط ومحدودية ويمنحها الفرح، وأهم عنصر تتعلق به الموسيقى وتأتي إلى مجاله لتبحث عن مواضيعها هو الشعور المجرد من الشكل، فتعبر بذلك عن كل العواطف الخاصة والعميقة والغامضة، وعن حركات النفس اللا مادية والتي لا يمكن أن تعزو إليها أي محتوى أو فكر. ويسجل النغم بصورة تجريدية الحياة الداخلية الحميمة التي تتحرك فيها العاطفة غير المحددة، ويشكل قلب الفن الذاتي العبور من الحساسية الخالصة إلى الروحانية الخالصة وهو لهذا السبب يحرك مركز التغيرات الباطنية، القلب والروح، ذلك القطب الذي يتمحور حوله الإنسان، إن الفن الذي تستخدمه الروح لتؤثر على الأرواح.. ليجسد إلى الخارج ماهو داخلي ويجعل الحياة الباطنية ترى نفسها. وأخيراً إن النغم يلغي المادة المكانية كلية ويكتسب وجوداً زمانياً أكثر فعالية، إنه يجرد ما هو خارجي من كل طابع موضوعي. إن مادة الموسيقى تستخرج من العنصر المكاني الطاقة الصوتية لكي تتركها تتفتح بطلاقة بدرجات كمية متفاوتة في النغمة والديمومة والتي تتسرب مباشرة من الأذن إلى محراب الروح وتوقظ فيها مشاعر حبيبه. علاقة الزمن بالموسيقى: أما علاقة الموسيقى بالزمن فلها شأن آخر. وقد أفرد لها الكاتب تحليلاً دقيقاً تناول فيه جزئيات هذه العلاقة واصفاً إياها بأنها نوع من التداخل والتزاوج، لدرجة أن كل منها راح يكمل الآخر في مسيرة واحدة، يقول الكاتب: "إن الزمان هو قوام الموسيقى، وهو التيار الذي يجري فيه النغم ويدين له بكيانه لدرجة جعلت شينللغ يقول: "إن الموسيقى ليست في الزمن ولكن الزمن هو في الموسيقى". إن الزمن يتحرر بواسطة الموسيقى من التغير المحض الذي تبدو فيه تتالي اللحظات مجرد ولادة واختفاء، وتقدم محض شكلي من آن إلى آن، إن الزمان الموسيقي هو الزمان الروحي الذي تبينه الروح لها وحدها خارج كل تقويم مباشر، إنه ذلك التيار الذي يؤثر فينا بقوة، يُسكتُ ديمومتنا الخاصة أو يرغمها على مرافقته ودوزنة نفسها على إيقاعه حيث يكون حضور النغم سلسلة من تموجات متعاقبة، وحيث يحتوي اللحن الحالي في داخله الألحان السالفة، ويستمد منها معناه، ويغتني اللحن الحاضر بالسابق مثلما يغتني يومنا بكل تاريخنا الغابر. إن النغم يتغلغل إلى الذات ويُعيرها ديمومته، يستولي عليها ليضعها في حالة الحركة بواسطة تعاقب اللحظات الإيقاعي وتواليها في بحر الزمن الذي يبدو قابلاً للعّد، ألم تكن الموسيقى هي التعبير الجمالي عن الأرقام في نظر المدرسة الفيثاغورثية، والتي يقول شينللغ عنها في حديثه عن الموسيقى: "إن فيثاغورث عندما تكلم عن انسجام الأفلاك لم يقل أن حركة الأجرام السماوية تجعلنا نسمع الموسيقى، ولكن بأن هذه الحركة ذاتها هي موسيقى مما حدا بسقراط إلى القول: "وحده موسيقار حقاً ذاك الذي يستطيع أن يرتفع من الموسيقى الحسية إلى الموسيقى فوق الحسية القابلة للإدراك". وإذا ما ترجمنا إلى مفاهيم ما تعبر عنه الموسيقى على طريقتها الخاصة فإننا سوف نحصل على الشرح العقلي والعرض الأمين للعالم، يقول يبنتز في هذا المجال معادلته الشهيرة: "إن الموسيقى هي تمرين في الحساب لا يعرف عنه الفكر أن يحسب". اللحن الجميل: يتابع الكاتب بحثه في فصل فلسفة النغم وصولاً إلى اللحن الجميل، الذي يحتفظ لنفسه دائماً بخصوصية في أعماقنا ويضفي على الروح جمالية خاصة تتلون بها مشاعرنا كلما استمعنا إليه، يحلل الكاتب موقع اللحن الجميل في أنفسنا قائلاً: "إنه يملك مفاتيح الوقت... إننا نعشقه ونستمع إليه بشغف كما يستمع العاشق إلى من يحب. هناك سحر يشدنا إليه ولهفة كلهفة الظمآن الذي لا يرتوي إلا من الماء البارد، إننا نفرح بتلك العلامة الفارقة التي يرسمها على درب الزمن، حيث يساهم كل ما يسبقه وهو أقل منه بهاء، يساهم في خلقه، وهو بانتصاره على منافسيه ينطوي على نبرة بطولية ترفعنا إلى مناخات المجد وتلغي ما قبلها، وما بعدها، عازفة على أوتار قلوبنا صدى الربيع العذب. الإيقاع: ذاك الذي يمارس دوراً قيادياً في اللحن. يحدثنا الكاتب عنه قائلاً: ويأتي الإيقاع ذاك الملحاح اللجوج ليحرك آلة جسدنا المعطلة ويدب فيها النشاط فتعود كل أعضائنا إلى العمل والحركة وكأنها تُبعث من موتها،وتنطلق إلى الحياة والحب، إنه يُشعرنا بالحركة الحقيقية، وبأننا ننتقل من مكان إلى آخر،نقفز هنا وهناك بعفوية ومرح طفوليين، وبحركة تعلو وتهبط حيث يحررنا ذلك الفرح الإيقاعي من الظاهرة الزمانية المعروفة بالملل، فيُستبدل توقيتنا التعيس بتوقيت سعيد، ويستبدل الرتابة بالحيوية والنشاط، إن الإيقاع يعلمنا فضائل الانتظار، وما يتضمنه ذاك الأخير من قدرة على التحضير الروحي ويرغمنا على استباق الزمن ولكن بهدف أن يعلمنا كيف نصغي إلى نبضه، وكيف نتذوق اللحظة في جدتها. أنه يفجر فينا الانتظار المليء بالاندفاع ـ ويتابع الكاتب ـ أن تعيش الإيقاع هو أن تتلقى من الخارج ذلك الزمان الذي تتوق إليه الروح، إنه يقذفنا عندما يولد إلى الأمام، ويرغمنا على أن نريد اللحظة الآتية، وعلى أن نساهم معه في ابتداعها. إن الإيقاع هو هذه الحياة الزمانية الكاملة التي يعيشها كل فينا على قياسه والتي يجب أن يكون لها ديمومة متطابقة مع الروح، حيث يتغلغل الإيقاع إلى أعماق الوجدان، يعثر على ذاته ويتآلف معها. وبالنتيجة هو قانون الفعل وهو بذات الوقت حماس وترو.... سعادة متفجرة وهدوء متزن، فيه تعبر عن نفسها قدرات الزمن وتأثيرات الروح عليه فيكون ليس مجرد حدث تخضع له. بل أن الزمن يكون حصيلة استحقاقنا لأنه يعطينا حقيقته في كل نشاطات الإيقاع. وهكذا يكون الإيقاع لحن يبدأ وآخر ينتهي، إيقاع يتجدد يتحول ـ ثم يأتي إيقاع آخر تنتقل الموسيقى من الموضوع إلى نقيضه فلا تستقر على حال ولا تنام. وينهي الكاتب هذا الفصل المسمى بفلسفة النغم، بنظرية جيزيل بريليه الجمالية التي تقول فيها الموسيقى هي جوهر الزمن الذي يُفتح بفضلها على الأبدية، متحرراً من عيوبه ونقائصه، لأنها تمارس فعلها عليه فتعثر داخل حدوده على الحاضر السرمدي". ثانياً: تأملات جمالية: في تأملات جمالية نجد الكاتب يطلق العنان لتأملاته في عوالم الجمال التي تسافر إليها الموسيقى مصوراً لنا المدن التي تفتحها الينابيع التي تفجرها، والمواقع التي تكشفها وتسلط الأضواء عليها ..... حتى لتبدو الموسيقى في هذا الفُصل كفاتح يدخل بلاداً جديدة وأرضاً بكراً. يميط اللثام عن كنوزها الخفية محاولاً استخراجها والدفع بها إلى السطح علّنا نستطيع أن نلامس سحرها أو نشعّرُ بنورها. ـ 2 ـ يتضمن هذا الفصل عملين لباخ يسمى الأول (فن الفوغه)(2) ويتألف من ثماني عشرة فوغه أما الثاني فيسمى ست سوناتات وبارتيتات للكمان) نختار من العمل الأول الفوغه الأولى والثانية، يقول الكاتب أن البحث في جوهر الموسيقى يكمن في التساؤل الفلسفي التالي: لماذا نشعر ونحن نصغي إليها بذلك الفرح الكياني المنزه عن الدوافع والغايات التي يغرقنا في قلب الوجود فلنستمع إلى رائعة باخ (فن الفوغه) ولنحلل النشوة التي تسببها لنا والتي لا علاقة لها بفحوى الأنغام ولا بالطاقة التعبيرية الكامنة فيها، وكذلك عندما نتحدث عما تثيره فينا من كوامن الحب والأمل والحنان لا نعني أبداً أنها تتكلم عن هذه العواطف، بل نكتفي بوصف المناخ النفسي الذي انتقلنا إليه بفضلها، فنحن لا نقصد في هذا المجال شرح الموسيقى بل إلى تصوير المتعة الجمالية التي تبعثها في داخلنا بقيمتها الشكلية الصرفة بتآلفها المجرد من أي مدلول عقلي أوعاطفي وبخصائصها النغمية المطلقة والصافية. ومع انطلاقة أول فوغه نقرر: أن هذا هو الصوت الرؤوف الذي كنا ننتظره، لقد حصلنا على الخلاص، واغتسلنا من أكدارنا وأصبحنا على بر النجاة، سنترك أنفسنا في أرجوحة من الحنان قد افترقنا عن كياننا المادي وعن الفوغه الثانية يقول: إن أول نفخة مزمار في الفوغه الثانية تفتح لنا فجأة باب السر والدهشة والغرابة الذي يصّر صريراً حاداً فيما تقرع طبول الإثارة والتشويق في دهاليز مملكة السحر وتدعونا أن نتقدم ببطء لنتفرج على العجائب والغرائب التي ما كنا لنحلم بمشاهدتها وتنفض عنها الغبار أوتار الفرح، والقلب يستيقظ من نومه ومن حالة الركود التي كان فيها ويندفع بحماس على طريق الحركة كأن أجنحة تركب في أقدامنا ولم نعد نشعر بأي روابط تشدنا إلى الأرض وكأننا سنطير.. لقد انطلقنا.. لقد انطلقنا.. ولا يوجد أي عائق يكبح جماح مسيرتنا وينهي الكاتب هذا الفصل الجمالي قائلاً: إن الموسيقى عداد يشير إلى أين وصل تيار الزمن ويقيس سرعة اندفاعه، إنها تخلق الإحساس بسلسلة الأسباب والنتائج، وتورثنا من ثمة، الشعور بالتقدم والتأخر إنها دعوة إلى الانطلاق في رحلة ترسم لنا أبعادها، وهي إذ تلغي المسار القديم، وبالتالي العمر والشيخوخة، تُبعدنا عن الفناء وتخلقنا من جديد، ترد لنا شبابنا ونضارتنا، وتتيح لنا أن نعيش طفولة قلبنا، إنها تعيد تجزيء الوقت بأن تضع الفواصل الواضحة على حدود أقسامه، وهكذا تتنوع اللحظات والثواني وتتلون عناصرها بما يميزها الواحدة عن الأخرى، وتنفصل عن بعضها ذرات مستقلة كلاً داخل حدود استهلالاتها وختاماتها الخاصة، ويتبدد الزمان، لنخرج إلى النور ندخل محراب الأبدية عابرين المدة الشاسعة التي كانت تفصلنا عن الله، فنرتمي في أحضانه متطهرين من كل رجاساتنا لنحلق بفرح وسلام في أجواء الخير والمحبة. إذا كان هذا هو هدف الموسيقى (يقول الكاتب) فإنها قد تتوصل إليه بوسائل مختلفة عن طريق الإنشاد، أو الحركة، أو الإيحاء، أو الفيض الشعوري، أو الشكل النغمي البحت لنستعرض ذلك في خمسة أبواب هم: الغناء ـ الرقص ـ الموسيقى ذات البرنامج ـ السمفونية ـ الموسيقى المطلقة. أولاً: الغناء: تحدث الكاتب مطولاً عن الغناء وعن الصوت البشري مبيناً قدرة اللغة عندما تكون مُغناة في التعبير عن المشاعر، ويصف لنا عظمة المُغني الذي يمتلك من الطاقة الروحية مايأثر في النفس ويجعلنا نلامس فيض حنانه وعذوبة وجدانه، أنه ينقلنا على أجنحة الألحان العذبة والكلمة الصادقة إلى فضاء رحب من الحب والسلام، من الحرية والانعتاق يقول الكاتب: إن عظمة المغني لا تكمن فقط في قوة صوته المادية وفي طول نفسه وجمال أوتار حنجرته، بل في الروح التي يبثها عبر إنشاده، وبهذا المعنى يقول هيجل: إن الوسيلة الأكثر حرية، والأرهف نغمية إنما هي الصوت البشري لأنه يملك لهجة كاملة، ويجمع خصائص الآلات الوترية والهوائية حيث يشكل من تلك الآلات ثنائياً من أجمل مايكون، كما ويعتقد هيجل أن النص الشعري الذي تستخدمه الألحان، يقدم لنا تصورات دقيقة، وينقذنا من العواطف الغامضة والأحلام الفارغة من المدلول. وإن الموسيقى الأصيلة تستوعب معنى الكلمات، من هنا إن الموسيقيين العظام لا يُضيفون إلى الألفاظ. عنصراً غريباً عنها، يقول فاغنر على لسان بيتهوفن: إن الصوت البشري هو مع ذلك آلة أنبل وأجمل من كل آلة أخرى ... إنه الترجمان المباشر للقلب البشري وهو يترجم إحساساتنا المجردة والفردية ويمارس تأثيراً نورانياً على صراع المشاعر بأن يضبط اندفاعها ويكبح جماحها ويقسم الكاتب فصل الغناء إلى ثلاثة أجزاء هي: 1 ـ الأغنية، 2 ـ الأوبرا، 3 ـ الموسيقى الدينية. 1 ـ الأغنية: يتطرق الكاتب في باب الأغنية إلى ثمانية أعمال لكبار الموسيقيين: أربعة منها لشوبرت وهي: (سيريناد ـ إيمان الربيع ـ الطحانة الحسناء ـ رحلة الشتاء)، واثنين لشوينبرغ: وهي أغاني غور ـ بيارور القمري)، ثم العرس لسترافنسكي والكانتاتا رقم 1 لويبيرن. نختار في هذه المجموعة أغنية "إيمان الربيع" لشوبرت، يدوزن "أوتار الفرح"، فتغني طرباً حتى لتكاد تبكي من حنان لعودة الفصل الجميل. وتحمل الأغنية وداعة ونعومة هواء الربيع وكأنها بَشَرة تتلقى بلذة أول النسائم المحببة وتُعذب الأصوات التي توحي بالسحر والجمال وكأنها وشوشة خافتة في أذن الحبيب فالعالم الذي اكتسى حلته الجديدة راح يزداد جمالاً، ويُغدق الوعود الخلابة على ذاك المسافر في الزمان، الذي يُطل فجأة على بلد غريب مدهوشاً بالخضرة الممتدة. إنها أغنية تحمل صدى الربيع العذب وآماله المشرقة. وتُختم الأغنية على حداء ناقوس هي بمثابة لازمة تبشر بقدوم موسم الخير. 2 ـ الأوبرا: اعتبرت الأوبرا من أعظم الأعمال الفنية وأرقى الأشكال النغمية كونها تجمع بين الموسيقى والشعر والمسرح لكن الآراء تضاربت من حولها سلباً وإيجاباً، يحلل الكاتب هذه الآراء قائلاً: يشدد شوبنهور على أن كلمات الأغنية وكراس الأوبرا يجب أن لا ينسيا تبعتهما للموسيقى فيحاولان الاستيلاء على مرتبتها الأولى وتحويلها إلى مجرد وسيلة للتعبير، إن هذا ينافي المنطق لأن الموسيقى في جوهرها لا تعرف سوى الألحان بصرف النظر عن الأسباب والدوافع التي استثارتها، وليس الصوت البشري بالشبه للموسيقى سوى نغم متغير كذاك الذي تصدره أية آلة موسيقية ثانية ويجب على النغم أن لا يبذل كل جهوده لترجمة معنى الأبيات الشعرية، لأن مفعوله أقوى منها ونحن إذا أخضعنا الألفاظ للألحان فإن هذه الأخيرة سرعان ما تظهر إمكانياتها وقدرتها المتفوقة التي تقودنا إلى أعمق أعماق الشعور، الذي لا تستطيع العبارات سوى أن ترمز إليه بإشارات غامضة. إن الأوبرا بلهجتها الاحتفالية والترددات الحوارية تعبر عن جموح النوازع وسعير الوجدان. وهي في النهاية تحقق العمل الفني المتكامل والشمولي لاستخدامها الموسيقى والشعر على المسرح ويذكر الكاتب ثمانية أعمال من روائع فن الأوبرا في مختلف أطوارها: ـ الكلاسيكي مثل: "دون جوان ـ والناي المسحور" لموزار. ـ الرومنطيقي مثل: "تويستان وايزولده" و"بارسيفال" لفاغنز. ـ الواقعي "بوريس غودونوف" لموسور غسكي و"كارمن" لجورج بيزيه. ـ الرمزي: مع (بيلياس وميليزاندا) لديبوسي. ـ الحديث مع (فوزيك) لألبان بيرغ. نختار من هذه المجموعات أوبرا (الناي المسحور) لموزار: إن الناي المسحور لموزار هي أوبرا انتصار النور والخير والحب والعدالة وجمال النفس على الشر والكره. نلاحظ أن الكاتب يتحدث عنها بكثير من الشفافية والصفاء وبتصوير حالم وسامٍ يستحضر فيه روح الموسيقى لذاك العمل الكبير بل لعله يستحضر روح موزار نفسه، تلك الروح العبقرية التي امتزج فيها عنفوان الشباب مع عبثية الطفولة فكانت أعماله تضج بصخب العاطفة وهياج المشاعر من جهة وبعفوية وصفاء الطفولة من جهة أخرى يقول الكاتب عن هذه الأوبرا: "إنها انتصار أقانيم الفرح الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبة على الظلام والشر وعلى مقومات الحزن الثلاثة: الشك، اليأس، البغض، إنها غلبة النزعة الروحية ومناخات السماء وقلب الطفل الرائع في الأبدية على الناحية المادية، وأجواء الأرض، إنها غارقة في ألوان ما ورائية" وعن قصة هذه الأوبرا يحدثنا الكاتب قائلاً: "تعهد ملكة الليل إلى الأمير تامينو" إنقاذ ابنتها "بامينا" من الأسر التي اختطفها (ساراتسرو) وتقدم له رسم ابنتها، يتأمل الأمير الصورة مندهشاً فيأسره جمالها، ويشعر بانفعال لذيذ بداخله متسائلاً في حيرة أهو الحب؟؟... وهكذا يسعى الأمير العاشق لإنقاذ محبوبته من الأسر مستعيناً بناي ذهبية وترسلها له ملكة الليل" كرقية سحرية لتحميه من الخطر "وكأنها تريد أن تقول له" طالما أن الإنسان في عهد الموسيقى فعليه أن لا يخشى شراً". وعندما يدرك أن محبوبته على قيد الحياة يعزف لحناً حنوناً امتناناً وشكراً للآلة، فتتوقف من حوله الحيوانات مسحورة، رافعة قوائمها علامة على الاستسلام، وكأنها تسبح في المدى الرحب.". أما شخصية (بابا جنبو) البطل الثاني من الأوبرا فقد قارب الكاتب بينها وبين شخصية موزار ذي المزاج العفوي والطفولي المتمرد، وقد مثلت تلك الشخصية بائع العصافير القادم من وراء التلال ليبيع العصافير لملكة الليل إنه يمشي متقافزاً مبتهجاً ليضع يديه في جيبه ويُصفر /أهزوجة/ تجسد عبارة: القلب يغني طرباً... يتلقى هبات الهواء الطلق على وجه تتنفخ رئتاه برياح الأمل وتفيض بشراً لدرجة أنه يغني ليجسد فرحه إلى الخارج، ونسمع هنا نفخة ناي رشيقة تظل تترد كاللازمة طوال الأنشودة. يقول الكاتب هنا عن موسيقى الأوبرا أنها تتسرب إلى كل منافذ جسمنا وكأننا نسبح في بحر من الغبطة، وتأخذنا الرغبة أن نرقص طرباً. وينهي الكاتب حكاية الناي المسحور لموزار من وحي تلك العذوبة والانطلاق فيخبرنا قائلاً: لقد كان ((برونو والتر ـ وهو أعظم قائد أوركسترا متخصص في موزار ـ ينصح أعضاء فرقته بأن موسيقى موزار يجب أن تكون مرحة.. مرحة لدرجة أن تأخذنا الرغبة أن ننشج بالدموع)). الموسيقى الدينية: الجزء الثالث من باب الغناء يحدثنا عن الموسيقى الدينية. اعتبرت الموسيقى في الزمن القديم فناً إلهياً وكان الموسيقار يُعتبر وسيطاً بين البشر والآلهة ويرى الكاتب إن لفن النغم قيمة أخلاقية، فهو يساعد على تقريب الناس من الحقيقة المجردة لتحريرهم من خداع الظواهر الحسية المتقلبة، ويرى الكاتب أن الموسيقى لعبت دوراً هاماً في علم الأديان... وأن الأنبياء دعوا إلى الحقيقة عن طريق الموسيقى بواسطة التراتيل والمزاميير ويستشهد الكاتب برأي بيتهوفن قائلاً: "إن الموسيقى هي المدخل الوحيد إلى العالم الأعلى. إنها تقترب من الألوهية وتنشر أشعتها على الجنس البشري لتحرره من البؤس "ويخبرنا ما قاله (بويتيوس): بأن النوع الملائم من الموسيقى يستطيع أن يحفظ الانسجام بين نفس الإنسان والعالم لأننا حين نعرف مافي الأصوات من ائتلاف متوازن محكم عن طريق ما نلمسه في داخلنا من دقّة ونظام ندرك أن الكون بأسره يتوحد بفضل هذا التشابه "نلاحظ أن الكاتب يلتقي في حديثه عن الموسيقى الدينية بالمذهب الصوفي في الدين الإسلامي وطريقته في الارتقاء بالروح والتقرب من الخالق سواء أكان عن طريق حلقات الذكر أو الأنغام والأناشيد الدينية أو حتى طريقة الرقص الديني الشهيرة المسماة (بالميلويه) وأخيراً: أجمع المفكرون عن الموسيقى أنها وسيط حسي للتعبير، يكشف عن لمحة خاطفة من الجمال الكوني الرائع، ينطوي على مضمونات أخلاقية تبعث على التأمل الديني تقربنا من المثل الأعلى الشامل وترشدنا إلى العالم الروحي. ويذكر لنا الكاتب بعض الأعمال التي اعتبرت من الموسيقى الدينيّة وهي المسيح لهاندل "آلام المسيح" "لباخ" "قداس الموني" لموزار القداس الاحتفالي "لبيتهوفن" من هذه المجموعة نختار العمل الأخير. القداس الاحتفالي: يقسم هذا العمل إلى خمسة أقسام هي: ارحمنا يا الله، المجد لله في الأعالي، نؤمن بإله واحد، قدوس، يا حمل الله. من هذه المقطوعات نختار المقطوعة الثانية التي تقول (المجد لله في العلى): يصور الكاتب الموسيقى وهي تعكس العظمة والمجد.... القوة والهيبة والجلال.... وكأنها تصور قائداً تنهار أمامه جميع الحصون "ثم تميل الموسيقى إلى الهدوء شيئاً فشيئاً عندما تصل الجوقة إلى عبارة "على الأرض السلام". فتصبح ناعمة مسالمة، توحي بالسكينة والأمان ثم تميل إلى شيء من العذوبة والفرح عندما تنطلق عبارة "وفي الناس المسرة" وكأنها تدعو الناس إلى الفرح وإلى الصلاة من أجله إلى الله كي يمنح الأرض المحبة والفرح ويغدق السلام عليها" فكانت تلك الصلاة الموسيقية وما برحت أعظم جزء في موسيقى بيتهوفن الدينية الخالدة. رابعاً: الرقص: يبدأ الكاتب هذا الفصل بآراء بعض الفلاسفة والمؤلفين عن الرقص يقول على لسان (ماللارمية) إن الرقص كتابة جسدية يجب علينا أن نعرف بواسطة إلهام الشعور وحدس الذكاء أن تقرأ معناها أما نيتشه فيقول إن الرقص دعاء إلى الفرح... إلى الحرية وتفجير لأقصى طاقات الجسد ويذكر لنا الكاتب أربعة أعمال من روائع الباليه هي: "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي "وثلاثة أعمال لسترافنسكي هي: العصفور الناري، بتروشكا تكريس الربيع نختار منها عمل تشايكوفسكي الشهير: "بحيرة البجع": نلاحظ أن الكاتب يقدم لنا بحيرة البجع بكامل انسيابها وسحرها حتى لنكاد نسمع الألحان ونرى الأجساد الراقصة وهي تتمايل في بحر النغم حيث صور لنا برومانسية وببساطة حركات البجعات المسحورات فوق البحيرة الراكدة....... ورقصة الفالس للأجساد اليانعة الحالمة وهي تتسابق مع الموسيقى وكأن أجسادهن في النهاية هي التي تعزف تلك الموسيقى. ويشكل اللحن هنا مع تلك الرقصات ثنائياً عظيماً يتهادى في النفس كالحلم العذب ويلامس شغاف القلب وصفاء الروح. تقول الحكاية في "بحيرة البجع" أن الأمير (سيغفريد) يقيم حفلاً كبيراً يستعرض فيه أجمل الفتيات ليختار إحداهن زوجة له لكنه في إحدى رحلات الصيد يقع في حب فتاة البحيرة (أوديت) التي سحرها (روزارت الشرير) مع رفيقاتها البجعات حيث يصبحن فتيات في المساء وبجعات في النهار وكأن شروط زوال السحر عن(أوديت) أن تتعرض لحب عظيم. وفي احتفال كبير يراقص الأمير حبيبته في ثنائي أجمل من الخيال.... يهفو جسد كل منهما اتجاه الآخر في تناغم وتوافق رائع.... وتتشابك أيديهما.... ويسبحان باطمئنان بين ذراعي بعضهما.... ويرقص كل منهما حول شريكه في حنان وعذوبة متعاهدين على الوفاء.... وننتقل الآن إلى الفصل الخامس للكتاب المسمى (الموسيقى ذات البرنامج) الموسيقى ذات البرنامج: يرى الكاتب في هذا الفصل أنه لابد للموسيقى أن تحرك شيئاً ما في خيال المستمع وفكره أو في نفسه.... لعلها توقظ في ذاته وتوحي بشعاع فكرة إبداعية تكون نواة عمل إبداعي ما أو فكرة فلسفية جديدة وربما لحن ما، ويعرّف الكاتب الموسيقى ذات البرنامج أنها الموسيقى التي تستغل عن عمد كل إمكانياتها وعناصرها التعبيرية لتوقظ عند المستمع بعض تداعيات الأفكار المحدّدة، ولتصور في ذهنه بعض الظواهر النفسية أو الجسدية المعينة، متطلبة منه بذلك شيئاً آخر غير الانطباع الناتج عن الترابطات النغمية. إن الموسيقى برأي الكاتب هي فن التفكير بواسطة النغم القادر وحده على التعبير عن جوهر الطبيعة الخالد الخفي، وهي بالنسبة لمحترفيها الملهمين أكثر وضوحاً من الكلام وإن ألحان الأغنية أو الأوبرا لا تكون معبرة (برأي شوبنهور) إلا إذا نجح مؤلفها في أن ينقل إلى لغة الموسيقى العالمية حركات الإرادة التي تشكل مادة الحدث، وفي أن يعثر على التماثل العفوي اللاوعي النابع من المعرفة المباشرة بطبيعة العالم التي لا يملكها العقل، ويذكر لنا الكاتب مجموعة من الأعمال التي تعتبر من الموسيقى ذات البرنامج هي: 1 ـ السمفونية العجيبة ـ لبرليوز، 2 ـ تمهيد لبعد ظهر رب ريف، لديبوسي، 3 ـ هكذا تكلم زرادشت، لريشار شتراوس. نختار من هذه المجموعة العمل الأخير لشتراوس. هكذا تكلم زرادشت: إن هذا العمل يوحد بين الموسيقى والفلسفة في جناحين لطائر واحد، طائر يجوب أرجاء الكون باحثاً عن الحقيقة، وإذا كان جناحي ذاك الطائر يُمثلان كلاً من الفلسفة والموسيقى فماذا يمثل جسده؟؟.. إنه يمثل الفكر الإنساني.. الفكر القلق الباحث أبداً عن المعرفة... المسافر عميقاً في بحر الحياة.. في الطبيعة والأشياء... في الماورائيات، وفي النفس الإنسانية، وهذا العمل يُشعل فضول كل باحث عن المعرفة أو مُحب للموسيقى. فمن سبق له معرفته لابد أن تتولد لديه الرغبة بالعودة إلى كتاب نيتشه في محاولة لتبيان الكيفية التي ترجم بها المؤلف تلك الفلسفة إلى أنغام ومن لم يسبق له الاستماع إلى ذاك العمل الموسيقي نجده بدوره يحاول أن يتخيله في محاولة قد يعجز عنها الخيال. يقول الكاتب على لسان شتراوس مؤلف العمل: (لم أقصد أن أكتب موسيقى فلسفية ولا أن أترجم موسيقياً عمل نيتشه الضخم لقدآليتُ على نفسي أن أعبر موسيقياً عن لوحة لتطور الجنس البشري منذ نشأته عبر مختلف المراحل ـ الدينية أو العلمية ـ حتى المفهوم النيتشوي للإنسان المتفوق)، ثم ويتابع الكاتب تحليله لذاك العمل قائلاً: إن عمل الموسيقار هو إذن تجسيد لانطباعه الشخصي لدى قراءة مبادئ الفيلسوف، وليس تعليقاً عليها. في البداية يخرج زرادشت ذات صباح إلى الناس بعد عزلته التي دامت عشر سنوات ويبدأ إثر خروجه من العزلة بنشر تعاليمه على البشر كما تغدق الشمس على البشر أشعتها الذهبية. على أولئك الذين يعبدونها حسب فلسفة نيتشه وينتظرون تعاليم معلمهم الملهم بعد أن يسجدوا للشمس. تلك التعاليم التي تعتبر إرادة الإنسان أقوى وأهم من كل معتقد. ويقسم الكاتب هذا العمل إلى الأقسام التالية هي: لحن الطبيعة ـ لحن الإنسان ـ لحن ما وراء العالم ـ لحن الدين ـ لحن المسرات والأهواء ـ لحن العود الأبدي. من لحن العود الأبدي نختار مقطوعة بعنوان: (نشيد الليل) في هذا النشيد تقدم لنا الموسيقى مناجاة زرادشت في بحر الليل لنجوم الكون ومناداته لتلك النجوم البعيدة... البعيدة إذ به شوق عظيم للمغامرة وسبر أسرار هذا الكون فإن الأهداف الصعبة المنال وحدها تستطيع أن تستهويه، ويحلل الكاتب رؤية زرادشت قائلاً: إنه يهفو إلى المطلق بكلتا يديه ناسياً نفسه، مصعداً في الأعماق ابتهالاً إلى الفضاء الواسع... إلى القمر والكواكب لتأتي وتنسكب في قلبه. إنه يريد أن يذوب في كل شيء وأن يذيب كل شيء فيه). وينادي في ذروة الوجد:تعالي أيتها الأبدية. إني لا أشتهي ولا أنتظر بلهفة غيرك. أنت أعز وأغلى أمنية أنت طموح إلى أعلى قمة وإلى ملء الوجود (بل أنت الوجود ذاته). ننتقل الآن إلى الفصل السادس وماقبل الأخير من كتاب روح الموسيقى والمسمى (السمفونية): يبدأ الكاتب هذا الفصل بآراء الفلاسفة التي كثيراً ما تغني عن التحليل وتقدم الفكرة بطريقة واضحة ومختزلة يقول الكاتب: تساءل نيتشه متى يصبح النغم موسيقى؟؟ وأجاب قبل كل شيء في الحالات القصوى من فرح أو حزن الإرادة... في سكر الانفعال.. وفي الصرخة أما ديبوسي فإنه يرى أن الألحان لا تعبر عن الإحساس، إنها الإحساس ذاته ويتابع الكاتب معلقاً: وهذا يتجلى على أحسن صورة في السمفونية التي هي ملحمة الشعور بكل معنى الكلمة، والتي وجدت في بيتهوفن بطلها الحقيقي، الذي رفعها إلى ذروة لم يعد من الممكن تجاوزها. وبلغ بها حداً من الكمال لم يبق أمامها بعده سوى أن تلغي نفسها)). ويعرض لنا الكاتب مجموعة من الأعمال السمفونية هي: الثالثة والتاسعة لبيتهوفن والرابعة لتشايكوفسكي والسادسة لماهلر. نختار منهم السمفونية التاسعة لبيتهوفن: يقول الكاتب عن هذه السمفونية:إنها تعبر عن عاطفة المسرة والصراع من أجل الفرح ويقسم هذا العمل إلى أربعة حركات: الحركة الأولى: تجسيد هذه الحركة صراع الإنسان الدائم من أجل الفرح والحركة الثانية تشرح المتعة والنشوة السريعة التي يمر بها الإنسان والتي تبدو كأنها مجرد مسكن للألم وسرعان ما يعود الإنسان إلى معاناته وأشجانه اليومية، والحركة الثالثة تعبر عن الحنين وعن نشوة الذكرى عندما يهفو قلب الإنسان إلى حبيب الأمس إلى ذاك الفرح القديم الحنون الرائع. هنا تبوح الأنغام بالحنين إلى الماضي وتبوح بالحزن الجميل والعذب والذي يكاد يكون فرحاً. أما الحركة الرابعة فيقول عنها الكاتب أنها ثورة داخلية تزلزل الكيان يتردد فيها صوت القدر وقد وصل بيتهوفن إليها بعد أن سجل على مخطوطات الحركات التي سبقتها عبارة: (لا ليس هذا) ـ ثم عبارة: (وليس هذا أيضاً) حتى وصل أخيراً إلى هذه الحركة المسماة الحركة الرابعة والتي صاغها أول ما أصابه الصمم وكتب عنها: ((منذ مدة طويلة جداً والصدى العميق للفرح الحقيقي غريب عني... آه متى أيها الرّب أستطيع أن أحس بها من جديد في معبد الطبيعة والبشر)) لكن السعادة التي انتظرها بيتهوفن بفارغ الصبر كرجل وكموسيقار طوال حياته قد وجدها وعبر عنها في ختام السمفونية التاسعة حيث تتلقى النفس الفرح الذي هو هدف الحياة الأوحد في نوع من الورع الديني والخشوع لقد آن الأوان أن ينعم بالراحة وينتقل إلى مرحلة زمنية ثانية مهللاً لأجلها معلناً على الملأ بكل اعتزاز تغلبه على الألم الذي يعني دحره: الانتصار على كل شيء لأن الفرح هو القوة والعزيمة التي تخلق منا مارداً عملاقاً قادراً على تحدي العالم، ثم يظهر الجزء المغنّى من السمفونية، الملّحن على كلمات "نشيد الفرح" لشيللر حكيم يهتف للفرح تردد الجوقة هتافه مبتهلين إلى العاطفة المقدسة منصهرين قلباً واحداً في الإرادة الجماعية التي لا تقهر، وقد ذاب الكيان الفردي في الأنا الكلية الشاملة ورفرفت القلوب حول بعضها من كل جهة غامرة جيرانها بالعطف والحماية، ويتهادى صوت الجوقة بخشوع وكأنها تسجد شكراً لله في لحظة عظيمة تُسمع فيها حفيف النجوم، ودورة الفلك وارتطام المجرات ونأتي إلى الفصل الأخير المسمى (بالموسيقى المطلقة): يقول الكاتب في هذا الفصل: إذا كانت الموسيقى المطلقة على حد تعبير (هانسليك): تتألف من علائق وأشكال نغمية ليس لها من موضوع سوى نفسها" فهذا يعني أنها ترفض أن تستمد قوتها التعبيرية من أي عنصر غريب عنها، أو أن تستعين بمصادر خارجية لتجسيد مضمونها الذهني أو العاطفي: ويقدم لنا الكاتب في هذا الفصل ثلاثة نماذج من الموسيقى المطلقة هي: 1 ـ صوناته البيانو رقم 29. 2 ـ الرباعية الوترية رقم 14 مصنف 131 كلاهما لبيتهوفن. 3 ـ الليلبات: لشوبان. نختار منها الرباعية الوترية رقم 14 مصنف 131 لبيتهوفن: يحدثنا الكاتب عن وجود إجماع على اعتبار الرباعية الوترية أغنى وأعمق وأعلى ذروة بلغها هذا الفن ويتساءل على لسان نيتشه "كيف لنا ونحن نسمع رباعيات بيتهوفن الأخيرة أن نفكر بالعواطف التي أوحت بها، ففي حضرة الله وتجليه الحقيقي الرمز لا يعود له معنى)) ويعتبر الكاتب أن النوازع الضرورية والأهواء الخاصة والتصورات الشخصية عاجزة عن إنتاج الأنغام وإن الإرادة الشاملة هي وحدها، موضوع الموسيقى التي تقلد الطبيعية في شكلها العام ثم يعرض لنا الحركات السبعة لهذه الرباعية الوترية محاولاً إظهار فحوى ومعنى كل حركة للأنغام في صعودها وهبوطها في فرحها وصخبها وحزنها وفي هدوئها واستسلامها، وفي الفكرة التي راحت تعبر عنهاكل حركة مبيناً لنا تدرج الموسيقى حسب الحالة النفسية وتلونها وتقلبها، حسب تقلب تلك الحالة من الحزن والمعاناة إلى نداء السعادة، ومن لحظات الحيرة والتردد ثم التوق إلى الحب والرغبة في الرقص، وصولاً إلى الحركة السابعة التي تشمل الثورة والتمرد نختار من هذه الرباعية الوترية الحركة السابعة والأخيرة. يبدو أن هذه الحركة في الرباعية الوترية تشبه الخيل الجامحة التي ترفض أي ترويض إنها ثورة فارس يرفض الخنوع أو الاستسلام يضرب بسيفة يميناً وشمالاً ، يُلوح بالحربة بثقة وجرأة وبطوله ويشق طريقه نحو المجد يقول الكاتب عن هذه الحركة إنها زئير أسد غاضب يزجر كل من استباحوا حرمة عرينه وجواد جامح يخترق المدى، يعدو نحو النصر الأكيد وتتسارع الحركة في صعودها رافضة كل محاولة موسيقية لتهدئتها أو إقامة هدنة معها إنها تظل في تصاعد مستمر كفارس يلقي جانباً كل من يحاول أن يعترض طريقه إنه في أوج غليانه، مصمماً إلى مواصلة التقدم وصولاً إلى قمة النصر ليغرس عندها راياته خفاقة هناك وهنا تنتهي رباعية بيتهوفن بلحن صاخب يهدر قوياً حتى عنان السماء معبراً عن عظمة النصر وشموسه الأبدية الخالدة وبها ننهي قراءتنا المتواضعة لكتاب روح الموسيقى ومن وحي عظمتها نوقع تلك النهاية. إن روح الموسيقى برأيه هو خطاب موجه إلى الروح إلى أبعد نقطة فيها تلك التي يصعب علينا إدراكها، إنه انفتاح على عوالم جديدة، وتوسيع لآفاق معرفية نشعر ونحن نقرأه كم كنا بحاجة لتوسيعها إنه يؤكد لنا بأهمية الموسيقى ودورها في الحياة، ويدفعنا لمراجعة مكانتها لدينا للتأكد من صحة موقعها في حياتنا الثقافية. يتميز كتاب روح الموسيقى بلغة خاصة لغة فلسفية موسيقية مركبة تتمتع بزخم فكري وإبداعي متميز وقد استطاع الكاتب فيها المزاوجة بين الفلسفة والموسيقى فكانت لغته مطواعة، ومؤثرة، تغني الفكر، وتشحذ الخيال، ويجد فيها المتلقي ضالته سواء أكان يميل إلى الموسيقى أو إلى الفلسفة وإذا كان هناك ثمة إسهاب في شرح فكرة ما هنا أو هناك، يميز الكتاب ويبعدنا عن الشعور بالإطالة والملل هو ذاك الزخم والكثافة في الأقوال المأخوذة عن كبار الموسيقيين والفلاسفة وكبار الكتاب والباحثين. إن كتاب روح الموسيقى برأيي مفتوح لأكثر من قراءة لزخمه الفلسفي والمعرفي المتميز. وأخيراً وبنهاية هذه القراءة المتواضعة لابد لنا أن نهبط تدريجياً إلى عالمنا الأرضي على أجنحة تلك الروح ومن وحي فكرها السامي محتفظين في الذاكرة بحكمة صافية هي أشبه بالأغنية العذبة التي تقول: إن الموسيقى هي التي توصلنا إلى أسمى هدف للإنسان إلى الحرية الباطنية إلى الصفاء والكمال، وإذا بنا قد اغتسلنا من أكدارنا، وتحررنا بالانعتاق الكامل في ذواتنا عندها نُطلق العنان لأرواحنا لتُحلق في المدى الرحب، وننطلق دون أن ننظر إلى الوراء وكأننا نسافر إلى بلاد مجهولة حيث أي احتمال ممكن، وأي وعد قابل للتحقيق طالما أن هناك مستقبل وأن بوابة الأمل مُشرعة على المجهول. الهوامش: (1) ـ سمير الحاج شاهين: كاتب لبناني مهاجر باحث في الموسيقى والفلسفة من مؤلفاته أناشيد مالدورو ـ قراءات في الشعر الفرنسي ـ لحظة الأبدية ـ رامبو ـ روح الموسيقى ـ صعلوك المدينة. (2) ـ الفوغه: كلمة لاتينية تعني الطيران. والمقصود بها هنا مقطوعة موسيقية حيث تردد عدة أصوات وأدوات موسيقية عدداً من الميلودي وتعتمد على تقنية معينة ومتشابهة يسمى الجزء الأول من الميلودي عرضاً ثم تأتي الميلودي الأساسية وتسمى الموضوع والميلودي الثالثة تسمى الإجابة، ويظهر الموضوع كأنه يطير من الميلوديات الأخرى التي تطارده وهكذا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |