|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
وقفة مع شيخ المجاهدين عز الدين القسام وثورته الكفاحية المتجددة ـــ عبد الوهاب زيتون سورية مشهود لها عبر التاريخ بالغيرية الوطنية على الأمة العربية دون تمييز بين شبر وشبر من الوطن العربي الكبير. فمن سورية انطلق القائد التاريخي العظيم يوسف بن نجم الدين أيوب المعروف بصلاح الدين فحقق أروع الانتصارات في حطين على أرض فلسطين. ومن حلب في سورية خرج الثائر سليمان الحلبي فأغمد خنجره في صدر الاحتلال الفرنسي ورمزه الجنيرال كليبر في القاهرة إثر حملة نابليون.. فكان شهيد سورية على أرض مصر الكنانة. كذلك الشهيد البحار جول جمال ابن مدينة اللاذقية في التصدي للعدوان الثلاثي في بور سعيد عام 1956م. ومن سورية عبر الشهيد الشاب البطل خالد محمد الأكر ابن مدينة حلب الأجواء جاعلاً من جسده شراعاً لانتفاضة أطفال الحجارة عام 1987م عندما انقض نسراً من السماء بطائرته الشراعية على معسكر الاحتلال الصهيوني في قرية أم فحم قرب تل أبيب فجعل منها أماً للنور. وإن كان الحديث اليوم عن البطل الشهيد الشيخ عز الدين القسام له دلالته ووقعه الخاص المميز: 1 ـ لأن المجاهد القسام كان أول ثائر عربي قدم رؤية ثورية كفاحية واضحة الأبعاد والمعالم عن الخطر الاستيطاني الصهيوني في أيامه الأولى، كاشفاً ومحذراً في حينه مما نعاني منه اليوم، وقد ربط بين الاستيطان الصهيوني والاستعمار البريطاني لفلسطين، في كلٍ واحد لا يتجزأ، وانتهج أسلوب الكفاح المسلح ووضع أسسه النظرية والعملية، وربط بين الفكر والممارسة والواقعية، مقدماً من نفسه الدرس والبرهان. 2 ـ وفي الوقت الذي نشهد فيه حملة شعواء على العرب والمسلمين مع نعتهم بالإرهابيين والأصوليين، يبرز اسم الشيخ القسام مثل الشيخ البطل الشهيد عمر المختار.. مثل الشيخ المجاهد صالح العلي ممن مزجوا مزجاً ثورياً بديعاً بين الإسلام العظيم والوطنية الصادقة بين العروبة والإسلام معاً، فقدموا صورة مشرقة عن الإسلام العظيم وأن الإسلام كان وسيبقى ثورة إنسانية شاملة ورفضاً بالمطلق للظلم والقهر بكل أشكاله وفي كل مكان. 3 ـ وقد برهن القسام بالممارسة بنفسه أن العرب في مواجهة أعدائهم يملكون أقوى سلاح وأعظم سلاح في إرادة الشهادة وعقيدة الاستشهاد وأمام هذا السلاح تتحطم كل أسلحة الغزاة والطغاة مهما بلغت وتعاظمت. 4 ـ شكلت التجربة القسامية وهي تجربة قومية عربية، وإسلامية إنسانية، شكلت جسر العبور إلى نهج مقاومة الاحتلال خياراً كفاحياً وحيداً لا يعرف الهزيمة ولا يعرف طريقاً آخر غير المقاومة المسلحة ورفض الواقع الانهزامي مع تغيير الواقع، ممّا أينع في تجربة المقاومة الإسلامية الرائعة في جنوب لبنان لحزب الله وانتصارها العظيم في الخامس والعشرين من أيار لعام 2000م، كما في انطلاقة انتفاضة الأقصى الشريف في 28 أيلول للعام نفسه وقد ترسّخت وما زالت مستمرة، وقد أربكت العدو الصهيوني وحماته، وجعلت مجمل وجوده وكيانه المهزوز قاب قوسين أو أدنى من عدم الوجود وهو ما تحمله الأنباء كل يوم من فلسطين، كما من أرض العراق الشقيق في مقاومة الاحتلال الأمريكي.. ولا فرق بين احتلال واحتلال في أي مكان. من هو المجاهد الشيخ عز الدين القسام؟ ولد في مدينة جبلة على الساحل السوري عام 1882م كما هو مسجل في دائرة السجل المدني والأحوال الشخصية فيها. استشهد يوم الاثنين في العشرين من تشرين الثاني لعام 1935م عن ثلاثة وخمسين عاماً في أحراج قرية يعبُد منطقة جنين قرب نابلس. والده الشيخ عبد القادر القسام، ووالدته حليمة القصاب من جبلة، وإخوته أمين، وفخري وفاطمة القسام. أولاده محمد (توفي عام 1996م رحمه الله) وعائشة وميمنة وخديجة. لقد شهد في السابعة من عمره اقتياد شقيقه الأكبر أمين من قبل الأتراك إلى اليمن ثم ذهب ولم يعد مثل الكثيرين آنذاك. في الرابعة عشرة من عمره أوفده والده مع شقيقه فخري إلى مصر لتلقي العلوم الشرعية في الأزهر الشريف بالقاهرة، حيث أمضى فيها ثماني سنوات عاد بعدها عام 1903م وكان من أساتذته الشيخ محمد عبده والشيخ محمد بخيت، ومن رفاقه الشيخ الدمشقي عز الدين التنوخي. عمل بعد عودته إماماً وخطيباً وواعظاً في جامع المنصوري في جبلة، وكان صوتاً جريئاً في مواجهة الاستبداد العثماني بالإكثار من ترداد الآيات القرآنية الكريمة: )ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، ومالكم من دون الله من أولياء، ثم لا تُنْصَرون ( سورة هود ـ (13)، )والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون(الشورى (39). وعندما قامت إيطاليا باحتلالها الهمجي لليبيا في 30/9/1911م قاد الشيخ القسام مسيرات الغضب الإسلامي في جبلة والساحل السوري، ومازالت كلماته أدناه راسخة في الذاكرة الشعبية لمدينة جبلة حتى الآن، ومنها:
وقد قاد القسام جيشاً من المتطوعين للجهاد في ليبيا من ألف شاب من الساحل السوري، وجمع الأموال اللازمة لذلك، واستحصل بعد عناء طويل على موافقة الباب العالي لمغادرة البلاد بحراً على إحدى السفن، ومكث مع أتباعه المجاهدين قرابة ثلاثة أشهر في الإسكندرونة لهذا الغرض، ولكن الأتراك لم يأذنوا بالمغادرة إثر صفقة بينهم وبين إيطاليا لقاء التنازل عن ليبيا. عام 1913م قام الأتراك بإعلان النفير العام في سورية، والجزيرة العربية وسيق الشاب القسام إلى إحدى الثكنات في الكسوة قرب دمشق مما زاد من فرصته على اكتساب المهارات العسكرية، كما في توثيق صلاته مع رجالات الفكر والفقه والوطنية أمثال رفيقه الشيخ عز الدين التنوخي، والشيخ كامل قصاب مفتي دمشق، والشقيقين سعيد وعبد القادر الجزائري. وإثر حملة التنكيل بالوطنيين الأحرار التي قادها جمال باشا السفاح، على أعواد المشانق لبَّى الشيخ القسام دعوة المفتي العام الشيخ كامل القصاب بإعلان الجهاد، فشارك وقاد الهجمات على الأتراك ومعسكراتهم على الساحل السوري مردداً قوله تعالى: )والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون(. وللأمانة حتى تاريخه يعرف أهل جبلة ساقية جنوب بلدتهم باسمها هكذا (نهر الشُهدّا) إلى جانب ساحة (المشنقة). وفي عام 1918م شغل الشيخ القسام في عهد الحكومة العربية بدمشق قاضياً شرعياً لجبلة وريفها. وأمام ما عرف بلجنة (كينغ) عن عصبة الأمم المتحدة آنذاك لاستبيان آراء المواطنين في سورية وقف الشيخ القسام وقفة شموخ وكبرياء بقوله: (نريدها حكومة وطنية مستقلة بلا وصاية ولا حماية) وعندما سأله رئيس اللجنة مندهشاً من جرأته بقوله: (ما هي قوتكم يا شيخ في حماية دولتكم؟) فأجاب الشيخ القسام رافعاً القرآن الكريم بقوله: (هذه هي عقيدتنا لحماية بلادنا ودولتنا). وفي الوقت الذي اتخذ فيه الشيخ صالح العلي من بلدة الشيخ بدر وقراها الجبلية منطلقاً لغارات الثوار على الفرنسيين، كان الشيخ القسام قد اتخذ من بلدة الحفة وتلالها قواعد لمهاجمة ثكنات الفرنسيين في اللاذقية وحولها. لقد أصدر الديوان الفرنسي باللاذقية حكماً غيابياً بإعدام الشيخ القسام في شهر آذار لعام 1920م بسبب دوره البطولي مع الثوار بتدمير ثكنة جيش الاحتلال في قرية بابنا وقتل حاميتها.. مما دفع بالقسام إلى متابعة رحلته الكفاحية من موقع آخر.. من فلسطين لا خوفاً من الفرنسيين، بل مهاجراً في سبيل الله والوطن متخذاً من هجرة النبي العربي محمد بن عبد الله e المثل والقدوة. لقد رحل إلى جسر الشغور، ثم إلى دمشق ونزل ضيفاً على رفيق دربه الشيخ عز الدين التنوخي، وكان له شرف المشاركة والمواجهة في ميسلون.. وبعدها رحل إلى لبنان ومن ميناء صيدا أبحر على قارب إلى حيفا ووصلها يوم الجمعة في العشرين من تشرين الثاني لعام 1920م وكان جامع الجرنية (جامع البحارة) بحيفا محطته الأولى ثم عمل مدرساً للتربية الإسلامية في مدارس حيفا، مازجاً بين التربية الروحية، والتربية الوطنية الكفاحية، جاعلاً كل همه في الوصول إلى الجماهير ومخاطبة عقولها وملامسة قلوبها. وفي عام 1925م أصبح خطيباً وإماماً لجامع الاستقلال في حيفا بعد أن أشرف بنفسه على إرساء حجر أساسه واستكمال بنائه، وهو الذي سماه بجامع الاستقلال، وجعل منه مدرسة كفاحية وطنية لإعداد الثوار وشحنهم بعقيدة الجهاد وإرادة الاستشهاد، تماماً كما كانت الجوامع منطلقاً لجيوش المسلمين إلى التحرير في عهد النبي محمد e وصحبه الكرام. وحسب شهادة من عاصروه ورافقوه في مسيرته الجهادية ومنهم ابن عمه الشيخ عبد المالك القسام، فقد كان المجاهد عز الدين القسام في صلواته، وخطبه ومواعظه يكثر القراءة من آيات قرآنية محددة، مذكراً بها أصحابه ومستمعيه إلى ما يتوجب عليهم القيام به من موقع الإيمان بالله والوفاء للوطن، من ذلك قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليا تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق( (سورة الممتحنة ـ 1) )قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر( )كيف وأين يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم، وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون( (سورة التوبة8) )ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( (التوبة 13) )ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57)( (سورة المائدة) )الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76).. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة، فإن العزة لله جميعاً( (39سورة النساء) )إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين( (140 سورة آل عمران) )فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين( (8 سورة الزخرف) )الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل( (173 آل عمران) وكثيراً ما كان يردد جهاراً من على منبر جامع الاستقلال: [بريطانيا أصل الداء، ورأس البلاء، المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين.. حذار.. حذار.. ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم؟] وفي عام 1926م قامت الجمعية الشرعية بتعيين الشيخ القسام قاضياً شرعياً لمدينة حيفا ومنطقتها، مما سمح بذلك له إلى مزيد من الحركة والالتصاق بعامة الشعب وملامسة أوجاعهم، لقد كان يتحرك بين الصبية في أزقتهم وساحات لعبهم، ويلتقي مع البحارة على مراكب صيدهم وهم يلملمون شباكهم، وكان لا يفتر عن الحركة بين الحوانيت في أسواق حيفا، متلمساً هموم الناس فيها، كما مع عمال الحجارة في مقالعهم، ومع الفلاحين في حقولهم وعلى بيادرهم ومراعيهم، ومع عمال السكك الحديدية في عرباتهم ومحطاتهم.. كل ذلك قربه من أوسع فئات الشارع الفلسطيني، وجعل منه معلماً جماهيرياً محبوباً.. وبقدر تعلق الشارع الفلسطيني بشخص القسام، كان الشيخ القسام مرفوضاً من قبل أصحاب السلفية المتزمتين، كما من قبل الأفندية والسماسرة والإقطاعيين وقد رأى القسام في البهائية والقاديانية في فلسطين زندقة على الدين فكان القادياني صنيعة إنجليزية، وداعية لولاء الطاعة لهم، وكانت البهائية وما زالت وجهاً آخر للماسونية اليهودية الماكرة. لقد شكلت تجربة الشيخ القسام في جامع الاستقلال في حيفا، على قصرها جسر العبور إلى جبل الكفاح الفلسطيني الذي مازال قائماً متجدداً، كما إلى ساحات المعارك في مواجهة المحتلين الإنجليز والمستوطنين اليهود معاً.. وقد عرف القسام لدى معاصريه وفي الأوساط الشعبية الفلسطينية والإعلامية بـ [شيخ المجاهدين، داعية الجهاد وإمام البلاد]. الشيخ القسام قائداً للثورة المسلحة: في آذار عام 1928م أنشأت بريطانيا تنظيماً سياسياً باسم [جمعية الشبان المسيحيين] حضَّرت له إثر مؤتمر تبشيري للأسقف موط رئيس المجلس التبشيري العالمي آنذاك. وكان هذا التنظيم مرفوضاً من قبل المسلمين والمسيحيين على السواء. وفي نيسان عام 1928م اختير القسام إثر مؤتمر جماهيري رئيساً لـ [جمعية الشبان الفلسطينيين]، وهنا انتقل القسام إلى ممارسة العمل السياسي، وتنظيم المتطوعين في خلايا جهادية، وقيادة أعمال التدريب على السلاح وفنون قتال حرب العصابات. مستفيداً من خبرات ومهارات من وثق بهم من أعوانه ومؤيديه ومنهم السوري والفلسطيني والمصري.. وكان التدريب العسكري يتم في تلال جبل الكرمل، وأحراج نابلس وجنين ونحوها.. وانتشر اسم القسام في أوساط الشعب، وأصبح نهجه الجهادي يعرف بـ [القسامية] وأتباعه هم [القساميُّون].. مما دفع بخصومه من الإنجليز وسماسرة الدين إلى تدابير كيدية انتقامية بدءاً من عزله من مهامه ووظائفه كافة، إلى توقيفه وسجنه واستجوابه من قبل الحاكم البريطاني اللورد بلومر بنفسه.. الذي خاطب القسام بقوله: [أليس عندك يا شيخ ما تقوله غير الجهاد، الجهاد؟] فأجاب الشيخ القسام بالقول:[ ألم تتعهد حكومتكم بريطانية في صك الانتداب بحرية الدين في فلسطين؟.. هذا هو ديننا، وقرآننا يأمرنا بالجهاد لطردكم من بلادنا].. وزُجّ الشيخ القسام على إثرها بالسجن في حيفا. كان ذلك عام 1935م وترافق ذلك مع انتفاضة شعبية واسعة، قام خلالها أنصاره بتحطيم سجنه وتحريره، فخرج مع كوكبة من المجاهدين إلى الأدغال والتلال، مع مواصلة الهجمات والغارات على ثكنات الإنجليز وعصابات المستوطنين اليهود معاً، إلى أن عزمت بريطانيا على إنهائه تماماً وحشدت لذلك جيشاً من الدبابات والطائرات والمدافع مع جيش من العملاء والجواسيس لمتابعة تحركاته وهمساته.. وكان القسام مع نفر من أنصاره الثوار لم يتجاوزوا العشرين شخصاً في أحراج قرية يعبُد، حيث تحولت القرية إلى ميسلون أخرى، ممن رفضوا الاستسلام وقاوموا حتى الرمق الأخير.. الإنجليز لجؤوا إلى مكبرات الصوت بالإنذار الأخير: [سلَّم يا قسَّام، سلِّم] والقسَّام مع رفاقه الثوار رددها مقاوماً بصوت جهوري، [لن نستسلم، لن نستسلم]، وما تزال حتى اليوم ترددها معه فصائل المقاومة المسلحة في فلسطين ولبنان والعراق وكل بلد محتل. واستشهد القسام مع ثلة من رفاقه بعد أن نفذت ذخيرتهم، وهو يردد أمام من بقي حياً: [هذا طريقي في الجهاد، يا رفاقي أتموا جهادي وكونوا شهداء]. كان ذلك يوم الاثنين في العشرين من تشرين الثاني لعام 1935م. لقد أعطى القسَّام مع رفاقه الشهداء ومنهم المصري حنفي عطية، والفلسطيني يوسف الزيباوي (فلاح من قرية الزيب شمال فلسطين) درساً نادراً عن وحدة الأمة العربية ورسالتها الخالدة، وكان ذلك بالدم المهراق الطهور، وكانت جنازته مع رفاقه الشهداء حدثاً مميزاً بارزاً في تاريخ حيفا وفلسطين، ودفن الشهداء الثلاثة في قرية الياجور شرقي حيفا بأربعة كيلو مترات، فجاءت أضرحتهم المتلاصقة مُشَكِّلةً علماً بديعاً من أعلام الوحدة العربية وكفاح العرب المصيري من أجل حريتهم. لقد أضحى اسم الشهيد القسام رمزاً للكفاح الوطني الفلسطيني ليومنا هذا، وكتائب المقاومة المسلحة تحمل اسمه بكتائب القسام، مع صواريخ القسام.. ومع أن القسام ثابت في نسبه إلى مسقط رأسه في مدينة جبلة في سورية، فإنه مازال ينسب إلى فلسطين وأبنائها وهو ما أشارت إليه صحيفة تشرين في عددها رقم 7597 ليوم الثلاثاء 4/1/2000م على صفحتها الأولى تحت عنوان: [المستوطنون الصهاينة يعتدون على ضريح المجاهد الفلسطيني عز الدين القسام ويلطخونه بالدهان الأحمر والصلبان المعكوفة]. ومما يجب الإشارة إليه أن استشهاد القسام في تشرين الثاني عام 1935م قد شكل إيذاناً لاندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م، التي تحمل اسمه في التاريخ الكفاحي الفلسطيني وتعرف هكذا بثورة القسام وقد قادها القسام وهو شهيد باستشهاده مما يشكل ترجمة للآية القرآنية الكريمة )ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون(. بعض الملامح الثورية في التجربة القسامية من الثابت عن الشيخ القسِّام قوله لرفاقه: [إن تحرير فلسطين لن يتم من خلال الأفندية والسماسرة. إن أصحاب المصلحة الحقيقية في تحريرها هم الفلاحون الذين اقتِلُعُوا من مزارعهم وأراضيهم كي يشغلها مستوطنون يهود، والعمال الذين أخرجوا من معاملهم كي يشغلها عمال يهود] [كل من يقطع يهودياً شبراً من الأرض، يقطعه الله ذراعاً من جهنم]، مُحَرَّماً بذلك بيع الأرض أو تأجيرها لليهود. أما ثورية القسام في الفقه الإسلامي فتجلت في رفضه المتاجرة بقشور الدين والشعائر وإقامة الزينات والاحتفالات تحت الاحتلال، بل بجمع نفقاتها من أجل الجهاد وتحرير وتامين مستلزمات ذلك، وفي ذلك قوله في إحدى خطبه من جامع الاستقلال: [فإذا خسرتم أرضكم وبلادكم، عندها كيف ستنقذكم الزينة وهي على جدران الجوامع والمآذن والفنادق؟]. وطالب وأفتى بأن يكون الحج إلى تحرير فلسطين من الاحتلال أولاً وأن تجمع نفقات الحجيج لمصلحة الدفاع عن فلسطين ودرء الخطر الأكبر عملاً بالمبدأ الفقهي القائل: [دفع الأشد بلاءً بالأخف بلاءً، والضرورات تبيح المحظورات]. ومن الثابت عن شيخنا القسام أنه كان غيوراً على العروبة كما كان غيوراً على الإسلام. لقد لقَّن أبناءه أبجدية العروبة صباح مساء، كما حدَّث بذلك نجله محمد رحمهما الله بقوله: (العرب هم قومي، وهم فصلي، وهم أصلي إذا أُنْسَبْ) وبهذه الكلمات القليلة أدناه، قد كشف لنا القسام عن عمق رؤيته الثورية بقوله: [قد لا نحرر فلسطين اليوم أو في بضعة أشهر، ليس هذا هو المهم بل الأهم أن نعطي من أنفسنا الدرس للأمة، الدرس للأجيال القادمة]، وقد صدق بذلك واستشهد من أجل ذلك. ترى أو ليست رحلة القسام إلى فلسطين واستشهاده فيها هي الدرس والبرهان والممارسة الثورية الفاعلة لحقيقة الأمة العربية ووجودها الحضاري الإنساني؟ ألم يشكل القسام في ذلك مدرسة كفاحية رائدة للوحدة في مواجهة التشرذم والتجزئة وقطعان الاحتلال الاستيطاني مما نعانيه اليوم؟ وفي كل الأحوال سيبقى القسام رمزاً من رموز كفاحنا العربي الفلسطيني والإنساني معاً، وعلماً من أعلام الفقه الإسلامي، ومنبراً ثرَّاً في مخاطبة الجماهير وقيادتها، وقامة شامخة في مواجهة الطغاة والمحتلين.. لقد كتبوا فيه أبحاثاً كثيرة، أورد منها ما كتبه في مقدمة كتابه الباحث الفلسطيني يوسف رجب الرضيعي المعنون بـ (الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 ـ 1939م ـ بيروت 1982م) بقوله: [لقد كان الشيخ القسام عنصراً مرفوضاً في الحياة السياسية الفلسطينية، إنما كان عنصراً تريده وتتطلع إليه الجماهير الفلسطينية، وكان همه الوصول إليها وقيادتها في معركة خلاصها.. واستشهاده زاد المشاعر الوطنية تأججاً، وقدم للجماهير البديل الثوري عن أساليب التملق والمفاوضات وعرائض الاسترحام، لذا من الخطأ النظر إلى حركته من خلال الفترة الزمنية القصيرة جداً التي قضاها في التلال في مواجهة الاحتلال، وإغفال الجذور العميقة التي غرسها بنفسه في مجمل حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة التي لم تنته بعد، وهي ما تزال تحمل اسمه]. وقد أورد المناضل الفلسطيني موسى أبو مرزوق في محاضرته بمدينة جبلة في نيسان عام 2002م أن أطفال فلسطين في غزة يرددون اليوم أنشودتهم المحببة صباح مساء بكلمات:
لقد كان شهيدنا القسام رحمه الله مناضلاً عنيداً غيوراً على العروبة والإسلام معاً، وداعية إلى الجهاد المقدس لتحرير فلسطين، وكل أرض عربية من المستعمرين والمحتلين. الشيخ الشهيد عز الدين القسام في الأدب الكفاحي: الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي المعروف بأبي سلمى في قصيدته (لهب العقيدة)، وجد في الشهيد عز الدين القسام ورفاقه الأنموذج الكفاحي الذي يحتذى في مواجهة المتخاذلين الجبناء:
أما الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الذي لحق بقافلة القسام ورفاقه الشهداء بعد فترة وجيزة منهم، فقد أنشد فيهم بقوله:
وقد كتبوا على شاهدة ضريحه هذه الأبيات المعبرة:
ومع انطلاقة انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987م أنشد نجله الأستاذ محمد عز الدين القسام في المركز الثقافي العربي في جبلة من موقع الوفاء لوالده:
مصادر البحث: مقابلات وجاهية أجراها الباحث مع ذوي الشهيد القسَّام الثقاة ورفاقه ومعاصريه في أمكنة عديدة. انظر كتابنا [من ثورة المجاهد عز الدين القسَّام إلى ثورة أطفال الحجارة] منشورات دار المعرفة دمشق لعام 1989م للباحث عبد الوهاب زيتون | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||