|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
صَدى الأندلس في الشّعر العَربي ـــ محَمود فاخوري الأندلس، وما أدراك ما الأندلس؟ فحديثها ذو شجون، وكيف تغيب عن البال حضارة عربية إسلامية دامت نحو ثمانية قرون، منذ أن فتحها القائدان موسى بن نُصير وطارق بن زياد سنة 92 هـ إلى أن سقطت في يد الإسبان سنة 898 هـ /1492م. وخلال تلك القرون قامت حضارة عظيمة خالدة في وقتٍ كانت فيه أوربة غارقة في ظلمات العصور الوسطى، وكانت عالةً على تلك الحضارة المشّعة في مختلف العلوم وألوان الثقافة، والتي لم تندثر معالمها حتى اليوم بل تزداد تألقاً وثباتاً. آيةُ ذلك تلك الصّروح العمرانية والأوابد الأثرية التي لا تزال شامخة حتى يومنا هذا، وتلك الشوارعُ التي تحمل أسماءً عربية في بعض المدن الرئيسية، وتلك التماثيلُ التي أقيمت لأعلام الأندلس من العرب. والمسلمين. وهي أكبر دليل على تقدير الإسبان في عصرنا هذا لأولئك الأعلام. في سنة 1963م أقيم احتفال كبير في قرطبة تكريماً لذكرى العالم الأديب ابن حزم الأندلسي، شاركت فيه الحكومات العربية وعدد من المستشرقين وسفراء الدول، حيث أقيم لابن حزم تمثال عظيم بجوار سور قرطبة مسقط رأس هذا الرجل. ثم أقيم تمثال آخر للفيلسوف ابن رشد في قرطبة أيضاً سنة 1967م، ورافق ذلك احتفال كبير شاركت فيه هيئات كثيرة عربية واستشراقيّة وأوربيّة، وعزفت الفرقة الموسيقية النشيد الرسمي الإسباني تحية للمواطن العربي الأندلسي الكبير، وألقى عمدة المدينة خطاباً قال فيه: "يسّر إسبانيا أن تهدي هذا التمثال إلى ابن رشد العظيم، وإلى أهله العرب الأمجاد، وإلى أهل العلم في كل مكانٍ وبلد". وفي إحدى ساحات مدينة قرطبة، وعلى مقربة من الجامع الكبير، أقيم سنة 1970م أطرف تمثال تحت قبّة عالية، وهذا التمثال يقوم على قاعدة من الرخام الأبيض، ويتكوّن من يدين اثنتين متقاربتين تكادان تتصافحان. إنهما يدُ امرأةٍ ويدُ رجل، وقد نُقش على جدران القاعدة بيتان من الشعر باللغتين العربية والإسبانية، وهما على لسان ولاّدة تقول لصاحبها ابن زيدون:
(ولاّدة) كما نُقش تحت هذين البيتين بيتان آخران أيضاً بالعربية والإسبانية، مذيّلان باسم "ابن زيدون"، وفيهما يقول لولادة:
(ابن زيدون) يضاف إلى ما سبق أن كثيراً من الأُسر الإسبانية لا تزال تحمل حتى اليوم أسماءً وكُنى عربية، وهي تتباهى بأنها سليلة أجداد عرب قدماء عاشوا في الأندلس منذ قرون خلت. ولعلنا نذكر تلك القصة الطريفة التي حدثت للشاعر الكبير عمر أبو ريشة حين كان مسافراً بالطائرة وبجانبه إسبانية حسناء، واتصل الحديث بينهما وامتدّ الحوار، وكانت الإسبانية تحدثه عن أمجاد أجدادها العرب القدامى، دون أن تعرف جنسيته:
قلت في البدء: إن حديث الأندلس ذو شؤون وشجون. وهذه الشجون بدأت تسري في أعطاف الشعر العربي على ألسنة شعراء الأندلس أنفسهم، الذين فُتنوا بجمال الطبيعة في تلك الربوع، ورأوا فيها جنّة الله في أرضه، ونظروا إليها نظرة محبّ عاشق، فقال ابن خفاجة الأندلسي:
وسرى هذا الافتتان بطبيعة الأندلس وجمالها الساحر إلى الموشحات الأندلسية التي حملتْ هوية الأندلس بنعيمها وترفها، ورغد الحياة فيها، على اختلاف مُدنها وأرباضها وضواحيها المضمّخة بالأريج الفوّاح، والشذا العطر، ومما يروي في ذلك قولُ لسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر، ملوك غرناطة في مطلع موشحه المشهور:
حقاً، إن رياض الأندلس عامة، والحمراء خاصة جنّات واسعة جداً، تتماوج أغصان أدواحها مع تموّجات الهواء، ويفوح أرجُ زهورها فيملأ الأرجاء وتنسابُ بين رياحينها السّواقي والغدران، وطالما سًحر بها وبجمال غرناطة شعراء الأندلس فتنافسوا في وصفها. وكأننا نسمع اليوم شاعرها ابن زَمْرَك يقول من موشح له:
وأقوال الشعراء والوشّاحين في هذه المدينة وفي حمرائها الفاتنة كثيرة. وكلُّها يدور على جمال هذا الفردوس الأرضي، وما كان يتمتع به أهلُه قديماً من أنسٍ وترف ونعيم. هذا النعيم السابغ الذي عمّ الأندلس العربية، بدأ الكدر يعبث به، حين ذرَّ قرنُ التفرقة والتنابذ بين الأمراء والملوك الأندلسيين، وراحوا يتنافسون على الزعامة والعروش وحيازة الألقاب الرنّانة، حتى قال فيهم ابن شرف القيرواني:
وهكذا بدأ الوهن يدبّ في أوصال الإمارات العربية والدول الأندلسية، وتتساقط مدنها وربوعها شيئاً فشيئاً، بعد أن كانت دولة واحدة:
ومن هنا شاع في الشعر الأندلسي رثاء الممالك والبلدان منذ وقت مبكر، على لسان الملوك أنفسهم حيناً، ولسان غيرهم حيناً آخر. فالمعتمد بن عباد ملك إشبيلية تألّب عليه الإسبان يهدّدون مُلكه، فاستنجد بيوسف بن تاشفين رئيس دولة المرابطين في المغرب وتمكن هذا من دحر الإسبان في معركة الزلاّقة سنة 474 هـ /1086م، ومعه المعتمد بن عباد وجيشه. لكن ابن تاشفين استأثر بالسلطة وأودعه السّجن أسيراً في بلدة "أغمات" في المغرب يعاني مع أفراد أسرته البؤس والفاقة، وينظم الشعر الكثير في وصف محنته، ورثاء مجده الضائع. ومن ذلك قوله يناجي نفسه وقد أقبل عليه العيد، وهو في تلك الحال التاعسة:
واشتهرت في هذا السياق قصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس، مُدنِها، وملوكها وأهلها، وكل ما كان فيها من نعيم وقوة وسلطان. ومطلعها
ومنها قوله:
ووقفتنا مع الشعر القديم وحال الأندلس فيه قد تطول، لأن هذا الشعر غزير ومتنوّع، وقد يلتقي مع الشعر المعاصر في بعض الجوانب، كما قد يبتعد عنه تبعاً لما يمّس نفوسَ الشعراء من مختلف المشاعر والأحاسيس، وفي مقدمتها ما يعتري الشعراء المعاصرين من أسى وحزن على مجد الأندلس الغابر، وما يمرّ بخواطرهم من ذكريات مرّة وصورٍ مكدّرة عن انهيار تلك الحضارة العظيمة، وذلك الشقاء الذي خيّم على تلك الربوع التي ازدهرت في غفلة من الدهر. ويتجلّى ذلك في تذكّر الشخصيات القيادية الفذّة التي يحلمون بوجود أمثالها، كالمنصور بن أبي عامر، أمير الأندلس (ت 392هـ) وهو أحد الشجعان الدّهاة، غزا بلاد الإفرنج ستاً وخمسين غزاةً لم ينهزم له فيها جيش. يقول الشاعر السوري عمر يحيى:
كما يتجلّى ذلك الحزن في عرض أشرطةٍ من الذكريات الأسْيانة، والخواطر الموجعة لدى عدد من الشعراء المعاصرين، سواء في ذلك من أُتيحت لهم زيارة الأندلس، ومن لم تُتَح لهم تلك الزيارة. وفي مقدمتهم أمير الشعراء أحمد شوقي أيّام نفيه إلى الأندلس. وله في ذلك قصيدتان طويلتان: الأولى سينيّة يعارض فيها سينية البحتري، ومطلعها:
وفيها قوله:
والشوقيّة الثانية عارض فيها قصيدة ابن زيدون التي مطلعها:
وقد نظم شوقي قصيدة الثانية في منفاه أيضاً بالأندلس، ومطلعها يشير إلى "وادي الطّلْح" بظاهر إشبيلية:
ومنها قول شوقي يذكر ما أصاب الأندلس في الماضي. بعد العزّة والسلطان:
ومثل هذا الشعر عند المعاصرين كثير جداً، لأنهم قرؤوا عن عظمة أجدادهم في الأندلس، تلك العظمة التي امتدت بضع مئات من السنين، وراحوا يتأملون في ماضيهم المجيد وأهله، وكيف عصفت بهم عواصف الأيام، وثارت في نفوسهم الشجون، ولم يتمالك كل منهم نفسه إلا أن يستعيد ذكريات ماضٍ عزيزٍ على كل عربي، ويندفع تحت تأثير تلك الذكريات إلى قول الشعر، كما فعل أنيس الخوري المقدسي حين قال، من قصيدة طويلة:
ويتبع ذلك كثير من التباهي بماضي العرب المجيد في الأندلس، والاعتزاز بما قدّموه للأندلس من صروحٍ حضارية، ومن قصور ومساجد وزراعات كثيرة لم تكن معروفة. يقول الشاعر المهجري أبو الفضل الوليد:
ولم ينس أولئك الشعراء المعاصرون أن يقفوا عندما أصاب العرب في الأندلس من تفرّق وشتات، ومن استكانة إلى الدّعة وصفاء العيش، في حين أن أعداءهم، كانوا لهم بالمرصاد، يقظين ساهرين، يتحفّزون للوثوب عليهم. وفي ذلك يقول الشاعر السوري فوزي الرفاعي:
ومع ذلك كله ستبقى زيارة الأندلس مطمح كل عربي، وأمنية كلّ حيّ، يردّد مع الشاعر زكي المحاسني قوله في قصيدة أندلسية طويلة:
وأمّا من زار تلك البقاع والربوع فلن ترتوي نفسُه أبداً، ولن تُنقع غُلّتُه البتّة، وسيبقى في شوقٍ دائم، إلى أن تكتحل عيناه بمرآها ثانية، وينشد مع الشاعر فوزي الرفاعي الذي زار الأندلس، وكان لتلك الزيارة في نفسه بالغ الأثر:
لقد أقام العرب والمسلمون في الأندلس حضارة راقية، نَعِمَ العالم كلّه بخيراتها في أيامها وبعد أيامها، وبقيت آثار هذه الحضارة تراثاً عمرانياً خالداً، وفكراً واسعاً نيّراً، وأدباً غنياً بشعره ونثره. وشهد لها بذلك أعلام الغرب والشرق على اختلاف مشاربهم. وعوداً على بدء أقول: إن حديث الأندلس ذو شؤون وشجون، وهي جديرة بدواوين غزيرة تتحدث عنها بقصائد تحلّق في تلك الفضاءات الغنية، وتسلك مسلك العظمة والعبرة، والعمل على النهوض واليقظة من جديد، ليكون في ذلك حافز ودافع لأجيال أمتّنا الأصلية العريقة في مدنيّتها وعمرانها وتراثها، ولتقف هذه الأمة في وجه ما سموه بالعولمة تارة، وبالنظام العالميّ الجديد تارة أخرى، وما إلى ذلك من أسماءٍ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||