|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
من حديقة السفير الأمريكي إلى شاشة الحُرَّة ـــ باسم عبدو كان
النصف الثاني من شهر آب حاراً، وارتفعت الرطوبة في بعض الصحف الدمشقية (تشرين،
الأسبوع الأدبي)، وحرارة الكلمات، وذاب ثلج الصيف. انفقأت "دُمَّلة"
الدكتورة ناديا خوست، التي تخبّئها منذ سنوات. وتناثرت نُتفاً تفعيلات الخليلي.
بَدَت الأجواء مشحونة، مُرْتبكة، مُهدّدة، متوعّدة ببروق ورعود. وكادت لولا أصحاب
الحكمة أن تجرف الماضي والحاضر، وكلّ سنوات العزّ والشموخ لشوقي بغدادي، أحد مؤسسي
رابطة الكتاب العرب. وتحوَّل التوافق الأيديولوجي بينهما، من التجانس الفكري
الانسجامي، إلى التنافر اللاّتجانسي، مع العلم أنَّهما أمضيا عقوداً من الزمالة،
بل الصداقة، مع الأوراق والأقلام والكُتب، والإبداع، وفي المكتب التنفيذي لاتحاد
الكُتَّاب العرب أيضاً. إن
التغيرات والتطورات المتسارعة التي جرت في مطلع القرن الحادي والعشرين. لا تطال
الوضع الإقليمي والمحلي والدولي فقط، بل وصلت إلى الرؤوس والنفوس. وهذا ما دعا
خوست التي تقف بالمرصاد، وتتحيّن الفُرص المناسبة لكل حركة يقوم بها شوقي،
إلى أن جاء الوقت الملائم، لفتح صفحات لم تكن منسية، من مذكراتها، وأخرجت ماجمعته
من "صندوق الرصد"، وقالت ما قالت في مقالتها (التَّوبة عن الوطنية)
المنشورة في (الأسبوع الأدبي) 14/8/2004. وتوافق
صدورها، وفي العدد نفسه، مع الزاوية الأسبوعية لرئيس التحرير حسن حميد، الذي
أشار "عمَّم" تحت عنوان (سقوط لا يُطاق) إلى أنَّ (ما يُحيّر حقّاً أنَّ
حالاً هي أشبه بـ"حالة" الغيبوبة اللا وطنية تجتاح تفكير بعض المثقفين
وعقولهم في الوطن العربي، فتحول دون رؤيتهم للواقع... الرؤية الصَّائبة.... أقول
هذا وأنا أرى بعض الكُتَّاب والمثقفين العرب يتسابقون جَرْياً، وزحفاً، وركوعاً
نحو فضائية "الحُرَّة" لكي يقدّموا آراءهم وأفكارهم... ناسين أنَّ هذه
الفضائية أنشئت بأموال الاستخبارات الأمريكية....). إنَّ
ظهور بغدادي على شاشة "الحُرَّة" وتصريحاته المتناقضة مع
"ماركسيته" قد فجَّر المواقف المناهضة لهذه "الخَرْبَطات"،
وكادت النيران تلتهم كلّ الأوراق، وتحوّلها إلى رماد، لولا وساطة مامن صديق قديم
لشوقي واسم كبير في الساحة الأدبية "دَبَّر" الأمر، وأطفأ الحريق. وهذا
ما دعا شوقي إلى الرّد على خوست في زاوية "آفاق" بجريدة تشرين
23/8/2004. تحت عنوان "التَّوبة". ويعبّر هذا العنوان عن الاعتراف
العلني بالأخطاء... يقول شوقي: (لاشكّ أنني ارتكبت بعض الأخطاء أحياناً، مثل تمجيد
زعماء سياسيين خيّبوا ظنّي فيما بعد، ودفاعي عن أفكار متطرفة، ثبت بُطلانها مع
الزمن...). أتصَّور
أن (بغدادي) يقصد من (تمجيد زعماء سياسيين)، القصيدة التي أنشدها في عام 1959،
عندما كانت السجون تمتلئ بالشيوعيين والتقدميين (عهد الوحدة السورية المصرية) فقال
مادحاً مُتشفّياً: جمال
يا جمال أُحيّيك
باسم النضال بشوق
السنين الطوال بحلم
قديم قديم يجيء
بخير زعيم لقد
تناولت خوست "العَصَب" الرئيسي في شكل ومضمون حديث شوقي للحُرَّة. وتطرّقت
إلى مسائل كبيرة (الصراع العربي الصهيوني). قالت: (هل كان ذلك الكاتب ممثّل ضمير
شعبه، أم قنّاص الفرصة لإعلان التّوبة عن المُثل الوطنية، والباحث عن موطئ قدم على
عتبات المنتصرين الجُدد؟). وتبيّن
مقالة خوست أنَّ الشاعر شوقي بغدادي غير متجانس في مواقفه، وكلَّما تقدَّم به
العمر، يتردّى فكرياً وسياسياً، وتنعكس هذه المواقف سَلْباً على الوطنية والقومية
والأدبية والشخصية، وهو رجل سريع التحوُّل، يقول ما يقول، بعيداً عن الدقّة،
وتشويهاً للماضي وللحزب الشيوعي الذي احتضنه ورفعه. تساءلت
د.ناديا خوست: (كيف يجرؤ كاتب عربي على القول إنَّ أرض فلسطين لمن يفيدها..؟).
ويعترف شوقي أنّه قال (الأرض لمن يحرثها) ثمَّ في مكان آخر في مقالته يزيد عليها
كلمة (يفيدها).. ولا مجال هنا للتبرير. فالعبارة واضحة ولا تحتاج إلى فُقهاء.
فالفلاح الذي يحرث ويزرع الأرض، تصبح ملكاً له. وبما أنَّ "إسرائيل"
تحتل الجولان، فالجولان ملك لإسرائيل، حيث أقامت /22/ مستوطنة يسكنها /20/
ألف مستوطناً. هذا هو التفسير لهذه العبارة. لقد
ظهر شوقي ضعيفاً، وكتب كلاماً هزيلاً، وشعرت وأنا أقرأ مقاله أنّه يقف في هيكل
الاعتراف، وتناوله ناديا قُربان الغفران، ويريد الخروج من هذا المأزق بأقلّ
الخسائر. ولم تكتفِ خوست بكشف ما جرى على شاشة "الحُرَّة" بل أعادت إلى
الأذهان (حديقة السفير الأمريكي). ولم يكن شوقي وحيداً في هذه الحديقة. بل تمتّع
غيره من الأدباء برائحة الأزهار والورد، وأصغوا بانتباه التلاميذ إلى حديث
السفير. ومن المفيد أن تشير إلى هؤلاء الزائرين أيضاً. وفي
هذا المجال أريد أن أتوقّف قليلاً، عند موقف للشاعر شوقي بغدادي الذي يتنقّل بين
(السفارة الأمريكية) و(الحُرَّة)، والذي انسحب من (الماضي) الذي يجب عليه أن يفخر
ويعتز به، وهو الذي زار بكداش لأول مرة عام 1954، عندما خاض بكداش الحملة
الانتخابية البرلمانية ـ بوساطة يوسف الفيصل، وأنشد قصيدة طويلة، منها هذه
الأبيات:
هذان
موقفان لأديبين تخرَّجا من مدرسة واحدة، ينتميان إلى أيديولوجية واحدة (الماركسية
ـ اللينية)، أضف إلى ذلك أنَّ الروائية د.ناديا خوست هي من المدرسة نفسها، وهي
نالت حصّتها من "الاتهامات" نتيجة خلافات بينها وبين قيادة حزبها قبل
سنوات، فاتّهمت اتهامات خطيرة وهي صفة مُكْتسبة "ستالينية" المصدر،
يُنفّذها بعض القادة والمسؤولين، عندما لا تعجبهم تصرّفات رفيق ما... وأنا كعارف
بالبئر وغطائها أقول بصراحة إنَّ خوست تفيض بالصدق والوطنية الصادقة، وهي اتهامات
فقط! إذا كان شوقي بغدادي (الانتهازي بجدارة) نفّذ طلب السجَّان، وأنشد قصيدة
مَدَح فيها عبد الناصر، كما جاء في مقالة خوست: (وقد لمح سامي جمعة في كتابه عن
مفرزته في الطلياني، إلى أحد الشعراء المعتقلين، تطوَّع لنظم قصائد شعرية في
السياق الذي طلبه السجَّان...). فلماذا تأخّرت د.ناديا في فتح أبواب المحكمة؟.. هل
هي تصفية حسابات؟... ولماذا تظهر في هذا الوقت؟... من
الطبيعي جدّاً أن يوجد في الحياة وعلى مرّ العصور مَنْ يتصدّى بصدره للعاصفة، ومن
تنحني هاماتهم مع أوّل هبّة. ومن غير المرغوب أبداً توسيع الدائرة وإيصالها إلى
حدود القطيعة بين أبناء المدرسة الواحدة التي خرّجت (ستالينيين) أشداء. منهم
مَنْ دخل (حديقة السفير الأمريكية) وخرج سالماً، ثم لمع وجهه على شاشة (الحُرّة).
ومنهم مَنْ قطع الثمانين وما يزال يتصلَّب أكثر ولم ينحنِ، ومنهم مَنْ يدافع عن
دمشق القديمة، وعن عروبة فلسطين، ويتّهم الآخرين بأنّهم (لم يثقّفوا أنفسهم). ومن
أمثالهم كُثر ارتفعوا وترقّوا وشمخت قاماتهم على أكتاف الحزب الشيوعي السوري، ثمَّ
تنكَّر البعض له، أو تنازلوا ووقّعوا وشتموا وندموا، ومنهم مَنْ أصبح مُعادياً
وعدوّاً لدوداً وكأنَّ انتماءهم للحزب كان خطيئة كبيرة.... أقول هذه هي الحياة،
وما يحدث عندنا، يحدث عند الآخرين وفي كلّ الأزمنة!... | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||