جريدة الاسبوع الادبي العدد 922 تاريخ 4/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

احذروا هذا الداعية الأميركي.. المختبئ بدموعه ـــ نزيه الشوفي

1‏

شاع في دمشق قبل قرون مثل يقول: "حكمة معاوية قتلت الغلام" ويشير إلى أن معاوية لما استتب له الحكم في دمشق، أخذ يستميل أهلها عن طريق صغارهم... فيخرج كل صباح راكباً حصانه (الأبجر) وقد ملأ "خُرجه" بالحلوى، ثمّ يبدأ بملاعبة الحصان، والأطفال يهرعون إلى الطريق للتفرج عليه وهو متأنق فوق الحصان ويرمي بقطع الحلوى للأطفال، وهكذا يكرّر المشهد كل يوم حتّى مات معاوية... وجاء دور ابنه يزيد الذي لم يرث من أبيه سوى المُلك... وفي أول لقاء له مع الأطفال لكز حصانه ليرفع قدميه ويلاعبه على غرار أبيه، فسحق جمجمة أول طفل خرج من بيته... وهنا أطلق أهل الشام قولتهم السياسية الشهيرة: "حكمة معاوية قتلت الغلام".‏

وشاع في دمشق في خمسينات القرن الماضي مَثَل مفاده: "بوسة خالد جنّنت شوقي"... يوم كان شوقي بغدادي يبحث عن مكان ينطلق منه ليؤدّي خدماته، وكانت مناسبة احتفالية كبرى للحزب الشيوعي السوري ـ الذي لم ينتسب إليه شوقي لكنه كان بين صفوف أعضائه، كيف ولماذا؟ ربّك أعلم... فقام في الحاضرين خطيباً وأخذ يشخّص وينفعل ويعلو ويهبط ويشدّ ويرخي حتّى حاز على اهتمام الحضور ومنهم أمين عام الحزب الراحل خالد بكداش، فشكر شوقي لتفوهه وقدرته الخطابية ومديحه وقبّله أبو عمار، وهنا بدأت أول فصول المسرحية وشاع من حينها هذا المثل... وأخذ شوقي يصول ويجول في دمشق التي تشكل متراسه للإطلال على الجمهور ولقضايا أخرى ربما تأتي لاحقاً... والآن يعتذر شوقي ـ في مقالته الأخيرة عن هذه الخطيئة أي مدحه الزعماء، أي بعد ستين سنة وبعد أن مات ممدوحه وبعد كل تلك الفوائد التي جناها، وبعد أن صار على حيطان الثمانين... ولله في خلقه شؤون!‏

وأذكر أنه وبعد مقالته "حديقة السفير" وعشبها النّدي وطعم الويسكي الأميركية... تقدّمت باقتراح إلى المؤتمر السنوي العام لاتحاد الكتاب العرب بفصل شوقي بغدادي من عضوية الاتحاد، وذلك لأنه أقدَمَ عن سابق قصد وإصرار على مخالفة بل مناهضة ونسف مبادئ الاتحاد القومية والوطنية بدعوته لتبرئة العدو وسياسته وادّعاء حُسن نيّة عند هذا العدو الذي أطعمه اللحومات وسقاه الويسكي، في الوقت الذي كان الدم العربي يُسفح على مدار الساعة، فجرح الأمة وطعن قضيتها في الصميم... إلا أن الاقتراح لم يحظ إلا بصوتي وصوت زميلنا من العراق الذبيح فايز العراقي... لماذا؟ لأن شوقي لم يكن مكشوفاً إلى هذا الحد السافر والمتجرئ على القيم والمبادئ إلى درجة نسف الحقوق التاريخية للأمة في فلسطين، ولم يكن العراق قد دمّر بقنابل أميركا المحرّمة، ولم تكن أرضه مدنّسة بجنود المحتلين، ولم يكن شارون وجدار الأبارتهايد العنصري قائماً بعد...‏

2‏

وبقي "شوقي" هذا يتحيّن الفرص ويتصيّد كل سانحة ليخرج خطمه والانقضاض على مقدّسات الأمة بالتدريج، فيُعلي صوته هنا ويُخفته هناك، ويستغل المنابر التي أعطيت إليه ليدس سمّه حسب المرحلة وشعاراتها والتوجيه القادم من واشنطن أو تل أبيب... إلى أن كشف عن وجهه الحقيقي [عندما ظهر على قناة المخابرات الأميركية المسمّاة زوراً وبهتاناً بالحرة، والحرية منها ومنه براء] فسقطت الأقنعة التي استخدمها هذا التابع بأشكالها الماركسية والقومية والدينية والليبرالية... و...الخ، وهي التي كان يختبئ خلفها عبر هذه السنين ومراحلها السياسية فيتقمّص الشعار الدارج بلا حدود... إلى أن جاء دوره بكشف أوراقه (كما أُمِر) فأعلن عن مكنون سره الذي يدفنه في صدره منذ عقود وهو إعطاء الصهاينة حق احتلال فلسطين وحرث أرضها، وهذا هو الدافع الحقيقي للقائه مع "الحرّة" بل وهذا هو محور اللقاء الأساسي وفي هذه المرحلة العصيبة التي تسيل فيها دماء أطفال فلسطين وأشقائنا العراقيين، وكأنه لا يرى ولا يشم رائحة الدم العربي كل ساعة في القطرين العربيين التاريخيين بل والمقدسين، وفي كل بقعة تطؤها أقدام طغاة القرنين العشرين والواحد والعشرين (اللذين أفتتحا بذبح العرب)...‏

*ففي مسيرته مع الشيوعيين يذكر معاصروه ومتابعوه أنه عندما ذهب إلى بيروت مع الأديب الراحل سعيد حورانية وسليم قندلفت، إذ كانت مخابرات السرّاج تحسبه عليهم وهو ليس شيوعياً، كان يصرف ما يأتي لسعيد وسليم وما يمنّ به عليه أناس طيبون خدعوا بكلامه وأساء إليهم... إلى أن أنتهى به الأمر في فترة السرّاج وهذا ما يعرفه القاصي والداني عمّا جرى في سجن المزة والذي ختم فصوله بقصيدته التي تبرأ فيها من الرجل الذي وقف خطيباً يمدحه واستغل قبلته حتّى النهاية، فوصفه بأقذع الأوصاف في قصيدته تلك (خالد الدجال) دون أدنى خجل ممّا يفعل ولم يرفّ له جفن... وقد عاد الآن ليقول في مقالته الأخيرة وكأنه لم يفعل شيئاً يخجل منه، إن من الأخطاء التي وقع فيها تمجيده للزعماء السياسيين ويقصد ههنا بكداش بالطبع... وإنه دافع عن الماركسية التي ثبت بطلانها كما قال في مقالته الأخيرة ـ بعد أن طبّل لها وزمّر ستين سنة بلياليها، وفي لحظة لم يمض على فترتها بعد أكثر من عقد من الزمن... فسبحان الله ما أسرع هذا الرجل في تحسّسه الأمور حتّى قبل أن تقع؟؟!!.‏

*وفي الإطار القومي (والفلسطيني بخاصة)، فأذكر أنه عندما دلف الشاعر الفلسطيني المناضل سميح القاسم إلى دمشق، وأقام أمسيته الشعرية فيها، حشر شوقي هذا نفسه وقدّم الشاعر الضيف بمقدمة نارية دامت نصف ساعة من التشخيص والتمثيل المفتعلين حتّى تململ الجمهور الذي غذ السير ليحضر أمسية سميح القاسم وليس شعر شوقي اللا طعم له ولا لون ولا رائحة، والمُغرق بالنرجسية والأنا المتضخمة وكأن الله لم يخلق غيره في هذا الكون ـ وهذا مرضه المستعصي... وقد ركّز هذا المشخّصاتي في مقدمته على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه، وعلى تحرير الأرض والإنسان بالدم... إلى ما هنالك من ألفاظ وعبارات هي دوماً جاهزة وسهلة الانسياب على حنجرته ولسانه لكونه تعوّد على تداولها بمناسبة وبغير مناسبة، كما تعوّد الناس أن يسمعوها منه منذ الخمسينات...‏

وفي نفس الوقت فهو شديد التغيّر وبدرجة 380 درجة عكسية بحيث يمكنه أن ينفي ما قاله إذا أحسّ أن بين الحاضرين واحداً من أتباعه يمكن أن يشهد معه باطلاً، أو أن يعتذر عمّا قاله لأنه أخطأ التقدير وخدع، أو أن يبكي وتنهمر دموع التماسيح مدراراً ويستعطف الآخرين ومنتقديه عمّا فهم خطأ أو لعصبية انتابته لمرض ألمّ به وهو سليم الجسم (بل هو دوماً سليم الجسم بغير حسد بالطبع) وهو مكشوف للجميع ولا يحتاج أي امرئ يعرفه لكثير عناء أو عبقرية لمعرفة موقفه الزئبقي، لأن الصدق بيّن والنفاق بيّن ولا تغطيهما القشة... وأن شوقي على الدوام هو جاهز ليكون في مقدمة المتداعين لطرح شعار المرحلة القادمة قبل أصحابها والمعنيين بها لكسب فوائدها، حتّى وإن كانوا الأميركان أو الإسرائيليين فهو دوماً أميركي أكثر وإسرائيلي أكثر من الإسرائيليين... وهو في نفس الوقت جاهز لأداء الموقف المعاكس في حال فشل هؤلاء فلديه أطروحة الاعتذار والتبرير جاهزة ومُصاغة ومُشكّلة دوماً... فمثلاً، قبل أن يفصل أدونيس من اتحاد الكتاب لموقفه المشابه لموقف شوقي هذا كتب مقالة في أحد المنابر بعنوان كيف تربح نوبل، أوضح فيها دون مداورة أو مناورة وشطارة بأن ما عليك إلا أن تكون عميلاً للصهيونية أو الأميركان فتربح جائزة نوبل... ولم يفت وقت طويل حتّى جاءت زيارة السفارة الأميركية ومقالته عن عشب السفير ولحوماته وخمره... وربما فلوسه وهذه الأهم لديه لأنه ـ منذ معرفتنا به ـ يشتكي الفقر والقلّة وضيق ذات اليد إلى حد العوز والحرمان، علماً بأنه مليونير... وكم رجا وتباكى ليرشحه أحد مسؤولي الثقافة أو جهة ما لنيل جائزة ما... وكم توسل أصحاب رؤوس الأموال لكي يخصصوا جائزة للكتّاب "لكونهم محتاجين و... وهو يتحدث عن نفسه بالطبع وليس عن الكتّاب، لأنه لا يمثل إلا نفسه والكتّاب ليسوا بحاجة له ولا لغيره كي ينقلوهم من الحاجة إلى الرفاهية والبذخ، كلا بل إن الكتّاب يحملون مبدأ هو تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها... ولا يستعطون أحداً ولا يطلبون من أي أحد كان على وجه هذه البسيطة على الإطلاق، وليكنز صاحبنا ذهبه وهو حتماً من الكانزين...‏

ورغم ما أقدَم عليه هذا التابع بل المرتبط بأسياد قناة "الحرة" فقد كتب في الصحيفة التي تستكتبه مقالة بعنوان "التوبة" وفيها رجاء وبكاء واستعطاف كي يكف الآخرون عن نقده وكأن ما قام به هو خطيئة طفل صغير كسر مزهرية البيت مثلاً وكفى؟!... أو أن ما فعله هو ليس الاعتراف بالاحتلالين الصهيوني والأميركي ومنحهما أرض الرسالات فلسطين ومهد الحضارات بلاد الرافدين، كلا، بل إنه فقط قال: "الأرض لمن يحرثها ويفيدها، وذلك لكي يحرض الحكام العرب لكي يفعلوا شيئاً ـ كما تفلسف في مقالته ـ ولكي يؤلف لوبياً عربياً.."؟! فعلى من يضحك هذا العجوز الذي يهرف بما يفيد العدو مقابل 1000 دولار فقط؟‏

4‏

والسؤال الذي يطرح الآن هو أن يُطرد شوقي من اتحاد الكتاب، وأن يُوقف عن الكتابة في الصحف التي يستكتب لديها، فبرأيي أن ذلك العقاب ليس عملياً، بل أن الأهم هو أن يبقى يستهلك نفسه بنرجسيته المضحكة وأن يتعرّى تماماً ويكسب الفلوس، وهو العاشق لها والمتيّم بها، ولن يكون وارثها... بل اقترح أن يًعلن الكتاب الوطنيون بكل أطيافهم ومشاربهم، براءتهم من هذا الداعية على الملأ وتوقيع بيان يوجه إلى الاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب عن طريق اتحاد الكتّاب العرب في دمشق لتنبيه أعضاء هذه الاتحادات وتحذير قراء العربية ممّا يكتبه وتبيان خطر كتاباته وقيمتها السياسية والوطنية والقومية والأدبية والاجتماعية، حتّى على اللغة العربية التي هي منه براء... والسموم التي ينفثها هذا الداعية الذي لا يمت للأدب بصلة بل أن الطبلة الفارغة هي التي جعلته يسرح ويمرح في دمشق مختبئاً تحت عباءة من ينكرهم الآن بعد أن تظلّل بظلّهم. بعد أن نبذوه... ونشير هنا إلى أنه خلال هذه العقود ومسلكه النرجسي (السيكوباتي أحياناً) كون له مريدين تمحوروا حوله تحت شعار أو بدع الحداثة الشعرية أو ما بعدها، وهم جميعاً من شاكلته: أنانيون نرجسيون يلتفّون حوله ويتبركون به، ومنهم من رافقه في رحلته إلى حديقة السفير... سواء في لجان الجوائز والحفلات والولائم التي لا يتمنى شوقي أن تفوته واحدة منها، أم المؤتمرات والأمسيات التي يقيمونها له... وهم جميعهم يدّعون التقدمية والديموقراطية وأن معظمهم كانوا ماركسيين "لكن بعد أخطاء الشيوعية" تركوا هذا التيار لأن ظنّهم خاب بصديق الأمس الذي علمهم ودرسوا فيه ونالوا شهاداتهم منه وتنكّروا له الآن تحت ذريعة فشله... أو، أو... وهم في غالبيتهم لا دخل لهم بالشعر ولا بالماركسية ولا بالثقافة... وقد طبّلوا وزمّروا فيما مضى لظاهرة الحداثة والعبارات المبهمة والغامضة التي لا يضبطها ضابط اللغة ـ وهم يجهلونها ـ ولا الوزن أو الموسيقى فكانت لهم ملجأ وأداة... وهو شاعر المناسبات داعية الحداثة والتجديد فيما مضى ينتهي إلى ما انتهى إليه كل دعاة الحداثة ونسف الهوية القومية والتراث في الوطن العربي وفي بلدان أخرى من هذا العالم... وفي هذا المجال (شعر شوقي المكوّر) لنا وقفة مع مجموعاته الكثيرة العدد قليلة القيمة...‏

أمّا في مجال القصة فيمكن القول بأن شوقي ليس قاصاً بارعاً، بل إن كل ما كتبه يندرج تحت تسمية القصة الذاتية المتواضعة جداً... أمّا أنه روائي فشوقي ليس روائياً على الإطلاق... وليس له أي مكان يذكر في مجال هذا الجنس الأدبي.‏

*وأخيراً نقول لمن وصفه بالأستاذ، كيف يمكن أن يكون أستاذاً وهو بلا موقف ولا فكر أو عقيدة أو أرضية أيديولوجية غير التبعية للصهيونية واللهاث وراء المنافع المالية؟! وكيف يمكن أن يكون أستاذاً ونحن جيل بلا أساتذة؟ ثمّ هل يُعقل أن الذي يبيع نفسه لقناة الحرة فقط بألف دولار يكون أستاذاً؟ فكم هو غال ثمن هذا الأستاذ؟... لقد كسب المبلغ الخسيس نعم لكنه خسر الكون كله...‏

إن الموقف القومي الذي يفرضه الواجب والظرف الراهن العسير يدعونا إلى توحيد صفوفنا ومواقفنا في جسد الاتحادات الثقافية وفي الساحة الثقافية الوطنية والقومية عبر الأنشطة الفكرية والأدبية والسياسية، كيلا نسمح لموجة الهجوم الأمروـ صهيونية الحالية أن تمر أو تخترق صفوفنا وثقافتنا التي استعصت على كل الهجمات عبر القرون والمراحل... وقد جاءت دعوة د. ناديا خوست والأديب حسن حميد في ما كتباه حول هذا الموضوع بمثابة التنبيه والإشارة إلى البدء بالعمل على حشد قوانا... فنحن قوميون وماركسيون ومتدينون (مسلمون ومسيحيون) وليبراليون، جميعاً، متمترسون ضد الصهيونية والإمبريالية والأميركية التي تحتل مساحة كبيرة وخطيرة من وطننا العربي... فلنكن جميعنا ذوي موقف واحد وصوت واحد بل صرخة حق قوية وموحدة... لأن عدونا شرس ولأن ثقافتنا ووجودنا هما الآن تحت القصف... وأن الذئاب لا تأكل إلا من الغنم القاصية...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244