|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نصٌّ مشترك ـــ يوسف عبد العزيز- الأردن قد تبدو فكرة القطيعة مع الماضي الشعري ـ كما يحلو لبعض الشعراء العرب أن يتغنّى بها ـ فكرة ذهبيّة بامتياز. غير أنّ وِقفة تأمُّلٍ قصيرة أمام هذا الطّرح، سوف تجعلنا نكتشف أنّ تلك الفكرة ما هي إلا قفزة في الهواء. على العكس من ذلك فإنّ الفنّ يتراكم عبر العصور، وبالتّالي فإنّه ينهض في كلّ مرّة ويتأسّس بناءً على طاقة الماضي الخالدة. في الشعر ثمّة زمن دائري، يشتبك فيه الماضي مع الحاضر والمستقبل ويتداخل معهما في نسيج واحد. بهذا المعنى يُمكن للماضي أن يبرز ويحتلّ الواجهة ويصبح بجدارة مستقبلاً للشعر. وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك الطبيعة المُخاتلة لأرض الشعر وعبث التّكهٌّن بمصيره، لأمكننا القول إنّ المُنجَز الشعري الذي تحقّق والذي يتلألأ في خزانة الماضي هو حصيلة البشرية الحقيقية من الشعر. يُعزّز هذه النتيجة الصّادمة عصر كامل من البهرجة ولجه الإنسان، عصر توارى الشعر فيه عن الأنظار مفسحاً المجال لسطوة التكنولوجيا ولما يُسمّى بثورة المعلومات أن تتقدّم. ثمّة غربة كاسحة يعيشها الشعر إذن. وكلما ارتفعت وتيرة التقدّم العلمي (الذي غالباً ما يُجيَّر لمصلحة رأس المال) كلّما خَفَتَ صوت الشعر واندسّ في الزوايا والظلال. فالشعر ابن عتمة في الدرجة الأولى لا ينبت ولا يتعافى في ظلّ هذه الفضائحية الطّاغية التي تشيع في كل مكان. حين تولد هناك موهبة شعرية مهمة، فإنّ أوّل شيء ينبغي على صاحبها أن يفعله هو الذهاب باتجاه تجارب الآخرين. من أجل استيعابها وتشربها، وبالتالي محاورتها ومحاولة الإضافة إليها ما أمكن. في هذا المجال يؤكد الشاعر "ت. س. إليوت" على ضرورة أن يستوعب الشاعر الحديث المُنجَز البشري بأطيافه المتنوعة من فن وثقافة وفلسفة وتصوّف. ولهذا كانت قصائده مليئة بكل تلك الأصداء المبدعة والقادمة من أمكنة وعصور مختلفة. دون هذا الذهاب ستبقى تلك الموهبة محكومة بالاضمحلال والتلاشي. فلا كتابة ترفع على الفراغ، إنها تأخذ من بعضها البعض، تختلط، تتداخل وتتعانق في نهر الشعر. ليس معنى هذا الكلام اللجوء إلى تقليد الآخرين والتّماهي مع منجزهم الشعري، بل البحث عن حيّز خاص أو رقعة في هذا الفضاء المحروق من قبل الشعراء الذين كتبوا في كلّ شيء، ولم يتركوا ورقة يابسة، أو حصاة إلا وغسلوها بنارهم الزرقاء. حين يعثر الشاعر على هذا الحيّز فإنّ عليه أن يعمل بأناة ومهارة فائقتين على إنجاز كتابة تكون له وحده. كتابة تجعل المتلقّي يشعر بتفرّدها واختلافها عن الكتابة السّائدة. طبعاً سوف لن يتأتّى له ذلك إلا من خلال تلك الحفريات المتواصلة التي يقوم بها على تلك المساحة الصغيرة التي وجدها. ذلك هو مشروعه: مزيد من الحفر، ومزيد من التوغل في أرض روحه. إنّ تواصل التجارب بعضها بالبعض الآخر من جهة، والانفراد بملامح شعرية خاصة من جهة أمران لا يتعارضان فثمة نصّ عظيم مشترك يكتبه الشعراء بغضّ النظر عن أسمائهم أو قومياتهم أو أزمنتهم. إنّه نصّ الحياة المتصاعد من جيل إلى جيل، ونص الإنسان الحالم المكسور منذ ملايين السنين على ظهر هذا الكوكب. وحين نطالع هذا النص فإننا سنقع على تلك التموجات المهيبة التي تتحرّك من زمن إلى زمن ومن أرض إلى أرض، وسيفتننا في الوقت نفسه ذلك التناغم القائم بين أصوات الشعراء إلى الحدّ الذي تبدو عنده تلك الأصوات كأنها أجزاء من سيمفونية مدهشة. هكذا رأينا حركة الشعر الجاهلي وهي تنبثق من أعماق الصحراء محملة بأسئلة الوجود لترتطم على حوافّ السنوات والمدن البعيدة. رأينا أيضاً ظاهرة الحب العذري في الشعر العربي، وظاهرة (النؤاسيين) الذين يحتفلون بالحياة وينهبون مسرّاتها مفتونين بغبش اللحظة الحاضرة. أمّا في العصر الحديث فلقد شهدنا بروز ظاهرتين مهمّتين: انطلاق حركة الحداثة الشعرية العربية، ودخول قصيدة النثر أجواء الكتابة واستقرارها جنباً إلى جنب مع الأشكال الشعرية السائدة. ظهرت قصيدة النثر في فرنسا في الثلث الأخير من القرن الماضي، وما هي إلا عقود قليلة حتّى انتشرت في البلاد العربية، وأصبح لها ممثّلوها ونقّادها وجمهورها. إن دخول هذه القصيدة إلينا واستمرارها كان أشبه بمعجزة في أرض تترنّم وترقص على الأنغام منذ آلاف السنوات. تلك الظواهر والحركات السابقة ما كان لها أن تنضج لولا ذلك العمل الدؤوب الذي قام به الشعراء على اختلاف لغاتهم وأعراقهم. إنّ هذا العمل يتعدّى الأفكار التي تقدّمها الترجمة ويؤشر إلى ما يمكن أن نسميه بوحدة الوطن الشعري. وطن واحد للشعراء إذن هو الكوكب. حيث لا حدود، لا مطارات تمنع أولئك المشغولين بجمرة الحلم من العبور. وطن حيث الصخور خفيفة والتراب شهي والأمواج تتسكّع في السفوح، وحيث الشعر يتصبّب من خاصرة الأرض ويجري حتّى نهايات الأبد. وطن واحد للشعراء من أجل أن يُكملوا كتابة نصّهم الشّامل الخرافي المُربك، ذلك النَصّ الذي بدأ بكتابة أسلافهم في عتمة المعابد وعلى جدران الكهوف، حين كان الظلام ما يزال سيّداً والطين يلثغ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |