جريدة الاسبوع الادبي العدد 923 تاريخ 11/9/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الدكتور عبد الله أبو هيف ـــ نزار نجار

بدأ عبد الله أبو هيف مسيرته الأدبية مبكّراً، والذي يطالع صُحفنا ودورياتنا السورية نهاية الستينات، ومطلع السبعينات، سيعرف أيّ نشاط أدبيّ ملحوظ كان عليه هذا الشاب الأسمر المتحمّس القادم من الرقّة، حاملاً أشواق الفرات إلى بردى. وأنّات البادية إلى الغوطة الفيحاء..‏

لقد عمل عبد الله أبو هيف في الصحافة الأدبية، ولكنّه استطاع أن يحوّل هذا العمل المبكّر إلى منبع للخبرة، لأنه أدرك أنّ لعبة الصحافة وحدها غول يتهدّد الفنّان ـ الكاتب من الداخل، فتجاوز ذلك كلّه ونهض في كتابة القصّة، وكأنّما أراد ـ منذ البداية ـ أن يخطّ مساراً مختلفاً في تجربة القصّة السورية كانت القصة وقتئذٍ بالنسبة إليه فنّاً أثيراً، فظهرت باكورة أعماله القصصية في مجموعته "موتى الأحياء"، التي صدرت عام 1976، وأذكر أنّها قوبلت ـ في ذلك الحين ـ بوجهات نظر متباينة، حتّى أنّ أحد النقّاد قال:‏

ـ إنّ عبد الله أبو هيف أشبه بموسيقي يحاول العزف على البيانو دون استخدام مفاتيحه كلّها..‏

وأذكر أن قصّته المعروفة "الرجل الذي نسي عيد الميلاد" أثارت جدلاً طويلاً، ومناقشات حادّة، حين نشرت في العدد الخاصّ عن القصّة في سورية في مجلة المعرفة عام 1971..‏

وأذكر أنّ الدكتور عبد السلام العجيلي استنكر أن تكون هذه القصّة "قصّة" ضمن ملف المعرفة ذاك تندرج جنباً إلى جنب مع قصّة له جديدة بعنوان "حكاية مجانين".‏

وأذكر أنّ كاتبنا أبو هيف قدّم في أمسية قصصية له في حماة، قصصاً رسمت الدهشة على الوجوه، وكانت المفاجأة أنّ هذه القصص لم تكن مألوفة لأنّها لا تدين بكتابتها إلى التقليدية الواضحة.‏

فالتبس الأمر على بعض الحضور.. أية قصص حداثية جديدة هذه؟‍‏

لكنّ عبد الله اندفع أكثر في الطريق الصعب، وأطّر حدود تجربته بعدئذٍ في مجموعته "ذلك النداء الطويل الطويل" التي صدرت عام 1984، وأسهم عبر قصصه في التصدّي لجملة التحدّيات التاريخية المفروضة على المجتمع ولا سيّما قضايا الصراع الطبقي، وقضية القمع العشقي التي ترسّخها التقاليد الموروثة..‏

لقد ظلّ القاص عبد الله أبو هيف يحسّ أنّه يحمل إمكانات كبيرة لإيجاد شكل فنّي متطّور وخاص للقصّة العربية. وهو على الرغم من أنه خرج من الرقّة وعاش في دمشق لكنه لم ينس صوته على الإطلاق..‏

اهتمّ كاتبنا بأدب الأطفال، وأعطاه الكثير متابعةً وجهداً، دراسة وتقصّياً، وكتابة (أدب الأطفال ـ نظرياً وتطبيقياً) مرجع هام للباحثين، ولعلّه استفاد من تجربته الغنية والمباشرة في منظمة طلائع البعث باعتباره رئيساً لمكتب الثقافة والإعلام فيها. كما استفاد من قبل من تجربته في رئاسة تحرير الموقف الأدبي، ورئاسة تحرير الأسبوع الأدبي أخيراً..‏

والذي يعجبني في عبد الله أبو هيف هدوء طبعه، ومناقشته المتّزنة التي تخلو من الانفعال، وكم من موقف رأيته فيه متروّياً هادئاً، يقلّب الأمور على وجوهها قبل أن يُصدر حكمه..‏

إنّ تجربته الأدبية طويلة، وقد ركّز في الآونة الأخيرة على نقد القصّة، والأدب أيضاً، وكتاباه "فكرة القصّة" و"التغير الاجتماعي في الأدب" ماثلان للعيان، ولعلّ عنايته بالمسرح أيضاً تشير إلى مجموعة اهتماماته في ميدان النقد، وكتابه "الإنجاز والمعاناة" شاهد على ذلك..‏

قرأت لعبد الله أبو هيف كلّ ما أصدره أو نشره تقريباً، وتلمّست ملامحه العربية الأصيلة، التي تؤكد على إمكاناته الإبداعية والفنية، إنّ كتاباته مجتمعة تنحو إلى تغيير الواقع من أجل صياغة علاقات أكثر تلاؤماً، أكثر جديّة، أكثر مسؤولية مع طموح الإنسان العربي في الحرية والازدهار، في التقدّم والعدالة الاجتماعية..‏

لقد نال عبد الله أبو هيف شهادة الدكتوراه أخيراً، ليُثبت استمرار تواصله مع مسيرته الأدبية المتقدّمة (شهادته في القصّة العربية). ليثبت استمرار عطائه في الطريق الطويلة الطويلة، وإنّ كتابته ـ المتعدّدة والغزيرة ـ هي قوس قزح يرتفع في السماء يمتدّ ويمتدّ، ليشيع في النفوس الأمل والتفاؤل والرجاء، فيثري دنيانا، ويعزّز ثقتنا بالكلمة المبدعة والحرف المتوهّج والثقافة الأصيلة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244