جريدة الاسبوع الادبي العدد 930 تاريخ 30/10/2004
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التحليل النفسي للشخصية اليهودية ـــ محمد سليمان حسن

قبل البدء في الحديث، نود تأكيد عدة مقاربات مفهومية، تؤكدها هذه الدراسة وتشكل جزءاً من المنهجية الوظيفية في البحث، وهي:‏

1ً ـ إن دراسة الجماعات الإنسانية في تشكيلها العام، ليست قضية حديثة، بل هي قديمة قدم التشكيل الاجتماعي البشري. إذ يلاحظ وجودها منذ ظهور مفهوم الطبقات أو الشرائح الاجتماعية في المجتمعات، الذي دعته ضرورة التطور الاقتصادي في جدل العلاقة مع حامله البشري. واتخذت هذه الدراسات أشكالاً متعددة ومتباينة: من فن المراقبة والملاحقة، إلى دراسة الأثر، إلى دراسة التشكيل العرقي والأقوامي، ومنه إلى دراسة التشكيل الاقتصادي لحامله الاجتماعي وصولاً إلى ما سمِّي حديثاً بالانتربولوجيا بتخصصاتها.‏

2ً ـ لا بد من التفريق بين مفاهيم في بحثنا هذا، من مثل: اليهودية، الإسرائيلية، الموسوية، العبرانية، الصهيونية، التوراتية. فلكلٍ من هذه المصطلحات مدلوله المعرفي وتشخيصه الوجودي، فالتأكيد عندنا جارٍ على مفهوم اليهودية، لاعتقادنا، أن الإسرائيلية ليست سمة واحدة عرقياً ولا ثقافياً. والموسوية لا تفي بالغرض، إذ تتضمن وجوداً جزئياً لليهودية، يقف عند حدود الطائفة الواحدة من الطوائف اليهودية المتعددة، وكذا العبرانية والتوراتية. وتقع الصهيونية في تصنيفنا نفسه للإسرائيلية، مع الإفراط في انحسار مفهوم الدمج في الشخصية اليهودية نحو التفكك.. مع العلم أن التشكيل المعرفي لكل هذه المفاهيم، يتماهى أو يتحايث مع مفهوم اليهودية، وهو موضوع بحثنا.‏

3ً ـ إن النماذج المقدمة لا تفي بالغرض، وما هي إلا نماذج تقدم على سبيل المثال، باعتبارها حالات معرفية قدمت فيها أبحاثاً لدراسة الشخصية اليهودية، وهي نموذج فقط. إذْ أنّ هناك الكثير من الدراسات في هذا المجال، وخاصة في الوقت الحالي.‏

4ً ـ لقد توخينا تقديم نماذج في دراستنا، تستند إلى تصورين معرفيين: غربي أوروبي، وعربي معاصر. وإنْ كنّا لا ننكر التقاطعات بين التصورين، والاتكاء المعرفي بين التأثر والتأثير في جدل العلاقة المعرفية.‏

1ً ـ إسهامات فرويد في تحليل الشخصية اليهودية: اليهودية وتزوير التاريخ:‏

ينطلق (فرويد) في دراسته بعامة من منطلق الفهم النفسي الداخلي للاشعور، باعتبار اللاشعور بالنسبة إلى فرويد، هو المهيمن لسلوكات الأفراد، وبالتالي لسلوكات الجماعة. فالأساس بالنسبة إلى (فرويد)، أن اللاشعور: هو كل ما يرغب أن يقوم به الفرد، ويمتنع عن ذلك، لاعتبارات ذاتية، قد ترتبط بعوامل خارجية من مثل: انعدام الفاعلية في المجتمع، تحريمات دينية، قانونية، عادات، تقاليد... الخ. ولكن، في المسار العام، فإن الإنسان يمارس لا شعوره تحت تجليات كثيرة. فهو تارة يقونن شعوره لصالح قضايا لا شعورية، باعتباره إياها قانونية وواجبة. وتارة أخرى يَضْعَفْ الشعور ليخرج اللاشعور ويشكل محور الشخصية الأساس، وهي هنا (شخصية مرضية ). وأحياناً، يحاول الفرد أن يأخذ المشروعية للكثير من القضايا اللاشعورية، تحت دعاوى معرفية عدة، وخاصة إذا لاقت هذه الدعاوى اتفاقاً عاماً بين الأفراد كما في الأيديولوجيات بعامة.‏

درس (فرويد) اليهودية في العديد من مؤلفاته، وهي: كتاب (الطوطم والمحرم). ومقالته المعنونة (موسى ومايكل أنجلو). ثم كتابه (موسى والتوحيد).‏

في دراسته الشخصية اليهودية، يرى أن هذه الشخصية تتميز بسمات عامة، يمكن توحيدها بوصفها سمات في كل الشخصية اليهودية. وهذه السمات هي: الكذب، وجنون العظمة، والقتل والإرهاب، وتزوير التاريخ.‏

وقد حدد فرويد هذه السمات سالفة الذكر على النحو التالي، في كتابه (موسى والتوحيد)(1).‏

1 ـ من خلال دراسته للرواية التوراتية لقصة (موسى)، يرى، أن هذه الرواية مختلقة، وفيها الكثير من الكذب والتدليس، وتخالف منطق العقل. فالأصح في قصة (موسى): أنه لأسباب سياسة، وخوفاً على الملك، دفع ذلك بالرغبة الكامنة في لا شعور (الفرعون) أن يحلم "بأن ابن ابنه سيكون خطراً عليه". لذلك "أمر بإلقائه في النيل، فوجده اليهود وتعهدوا بتربيته". وليس العكس كما تقول الرواية التوراتية. وهنا يظهر عنصر الكذب.‏

2 ـ إن موسى بحسب التحليل الفرويدي السابق لحلم الـ(فرعون) يعني، أن (موسى) مصري الجنسية، وثني الدين، وليس يهودياً ـ توراتياً. وبالتالي (لا عبراني). ويقول فرويد، إن ذلك يجب ألاّ يكون مدعاة للاستغراب. فالوثنية المصرية هي الطريق إلى التوحيد (الموسوي). ولكن الأهم أن نفي صفة العبرانية عن (موسى) يعني، نفي (أسطورة الشعب المختار) التوراتية اليهودية، وهو ما سيؤدي باليهود إلى جنون العظمة والاضطهاد في آن.‏

3 ـ لأن اليهود يعلمون أن (موسى) مصري وليس عبرانياً قاموا بقتله. أما لماذا قتل اليهود موسى؟ فلأنه لا بد لكي يستمر موسى في زعمهم بأنه يهودي ـ عبراني، أن يكون من صلبهم. وعند هذا الحد، بقتل (موسى) يتم تنصيب رجل من اليهود خليفة لـ(موسى)، وتبقى (الموسوية) جزءاً من اليهودية ـ التوراتية، ويأخذ اليهود مشروعيتهم بأنهم شعب الله المختار. وهنا تبرز صفة القتل والإرهاب.‏

4 ـ نظراً إلى السمات السابقة من التزوير إلى القتل إلى جنون العظمة، وافتقار اليهود إلى أدنى مقومات الدين، فقد دفعهم ذلك إلى تزوير التاريخ اليهودي، وبالتالي الدين اليهودي. فـ(فرويد) يشكك في سلامة النص التوراتي، إذ يقول: "... إن النص التوراتي الذي بين أيدينا يحتوي على معلومات تاريخية مفيدة، بل لا تقدر بثمن. لكن هذه المعطيات تم تحريفها بفعل مؤثرات مغرضة قوية، كما تم تجميلها شعرياً". وبهذا، يرفض فرويد قراءة التوراة انطلاقاً من الروايات التوراتية.‏

نتيجة لذلك يرى فرويد أن الشخصية اليهودية القائمة على الشعور بتزوير الدين والكذب وجنون العظمة والقتل، لا بد وأن تصاب بمرض (البارانويا). وهي برأي فرويد سمة أساسية توجه معظم سلوكات هذه الشخصية. وبالتالي يرفض فرويد فكرة حاجة اليهود إلى الشخصية (النازية) لتبرير سلوكهم الإجرامي. فالنازية لم تفعل أكثر من كونها مؤثراً ومحفزاً عاماً لإخراج هذه (البارانويا) من داخل لا شعور الشخصية اليهودية، وهو ما دفع اليهود إلى تصور أن (فلسطين بلد اليهود) (2).‏

2ً ـ زيور وتحليل الشخصية اليهودية: جدل العلاقة بين المعامل النفسي ـ الاجتماعي(3):‏

في الوقت الذي أكد فيه "فرويد" معامل الارتباط "الحلمي" عبر "اللاشعور" في دراسة الشخصية اليهودية، يؤكد "زيور" معامل الارتباط "السلوكي" بين الطرفين الاجتماعي والنفسي. إذ يرى في حياة اليهود في "الفيتوات" انعكاساً على نفسية أفرادها، تبدى في أشكال عنيفة جسدية برزت في (الاستكانة، الذل، الاختناق)، مما دفع بهذه الشخصية إلى سلوكات اتسمت بالشراسة والعنف، وأعطى أمثلة على ذلك في سلوكات جمعية تعبر عن نفسية موحدة في عصابات: شتيرن، آراغون، الهاغاناه.. وغيرها..‏

أما قضية الأسر في السجون النازية كما تدعي المرويات التاريخية والتي يقبلها (زيور) على الرغم من هشاشة هذه المروية التاريخية، باعتبارها موجهة لليهود دون غيرهم من الأقليات والأمم الأخرى، فيرى فيها (زيور) الحافز على تشكيل مجموعة من السمات المرضية من مثل (الحذر، الريبة، الشك) في التعامل الاجتماعي، والوثيق الصلة بمرض (البارانويا).‏

ويؤكد (زيور) ذلك عملياً، في عدم قدرة اليهود على التعايش الاجتماعي مع الأمم الأخرى وخاصة الفلسطينيين من العرب، مما أدى إلى تفريغهم هذه النفسية الاجتماعية (الحبس النازي) بصورة التوجس والريبة من الآخر، متمثلة في مذابح (دير ياسين) وغيرها.‏

كما يقدم (زيور) أمثلة على ذلك في نماذج من القادة الصهاينة. فقد كان (مناحيم بيغن) أبرز الشخصيات التي اكتملت فيه معالم شخصية السفاح، ليكون أبرز أمثلة (التوحد بالمعتدي النازي) (4). أما (موشيه دايان) فكان خير متقمص للعسكرية النازية. فالشخصية اليهودية تفقد تماسكها الاجتماعي إذا ما تخلت عن العدوان.‏

3ً ـ حفني والشخصية الأشكنازية: دراسة في الفوارق النفسية(5):‏

ينطلق "حفني" في رؤيته للشخصية اليهودية من زاوية (نفسجية) أي (نفسية ـ اجتماعية)، متخذاً من (اليهود الأشكيناز) نموذجاً في دراسته. معتمداً المحاور البحثية المثالية بوصفها استمارة بحثية: الاضطرابات الطفلية، القدرات العقلية، الاضطرابات السلوكية، العدوانية، الانطوائية والتمركز حول الذات، التشاؤم والتشكيك، انعدام الانفعال. وبالتالي مزج "حنفي" في استمارته البحثية بين النفسي والاجتماعي في شخصية "الأشكنازي" باعتباره جدل العلاقة بين الطرفين في السلوك.‏

ورأى "حفني" في دراسته في النتيجة عدم وجود فوارق ذات دلالة لدى أفراد المجتمع الأشكنازي، إلا في المحاور السلبية سالفة الذكر. وهي في مجموعها تفسر اضطراب الشخصية الأشكنازية وتشككها في الانفتاح على بقية اليهود الإسرائيليين.‏

4ًـ خاتمة:‏

ما تقدمنا به من نماذج بحثية حول الشخصية اليهودية، ليس إلا النزر اليسير من الدراسات العديدة التي قدمت في هذا المجال. ولم يكن تقديمنا هذا، إلا مدخلاً أولياً للبحث، إذ باعتبارنا أن مضمون البحث المقدم هو التفعيل الفعلي للشخصية اليهودية في الممارسة العملية على أرض الواقع. فالنصوص المقدمة هنا، هي مداخل مفهومية أولية.‏

الهوامش:‏

1 ـ فرويد "موسى والتوحيد"، نقلاًعن: محمد أحمد النابلسي، "النفس المغلولة"، مركز الدراسات النفسية، بيروت، طبعة أولى، 2001، ص 19.‏

2 ـ محمد أحمد النابلسي مرجع سابق،ص 21 ـ 22.‏

3 ـ المرجع السابق نفسه، ص 19 ـ 20.‏

4 ـ التوحد في المعتدي: يقصد به بالنسبة إلى اليهود والإسرائيليين، اتخاذ عنف النازي وقسوته مثالاً أعلى. ونعني به في الوقت نفسه الاقتداء.‏

5 ـ محمد أحمد النابلسي مرجع سابق،ص 21‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244