|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ذكرياتي (12) حسين مردان (3) ـــ عبد الرزاق عبد الواحد كثيرة
دعاوى أولادنا هذه الأيام!.. كثيرة كُناهم، كثيرة ألقابهم.. وكثيرة أسماء وأوصاف
ما يكتبون، وما لا يكتبون!. في
أيامنا كان المبدع، حتى ولو أتى خرقاً مذهلاً في الإبداع، لا يتجرّأ على وضع تسمية
مشعّة على ما فعل خشية أن يستخفّ به الآخرون!. الجواهري بقضّه وقضيضه.. استكثر
عليه بعضنا أن يسمي نفسه ـ في جريدته ـ شاعر العرب الأكبر!. في
أيام أولادنا، صار كل شيء ممكناً! .. حتى أن يُسمَّى طفل من أطفالنا شاعراً
عالميّاً.. وآخر شاعراً كونياً!.. ثم نبحث عن هذا بين الدول.. وعن ذاك بين
المجرّات، فلا نجد لهذا دولة، ولا لذاك كوكباً!. قبل
أربعين عاماً، كتب حسين مردان، رحمه الله، ما يسمونه اليوم بقصيدة النثر.. ولكن
حسين لم يجرؤ على تسمية ما كان يكتبه (قصائد)، بل استمرّ ينشر كتاباته تلك في جريدة
(الأهالي) على ما أتذكر، تحت عنوان (من النثر المركّز). وياما كنا نتندّر مع أبي
علي، الذي عرف مراكز الشرطة، والمحاكم.. ودخل التوقيف آنذاك، بسبب (قصائده
العارية).. ياما كنا نتندَّر معه بتسمية كتاباته تلك: "من نثر المركز"!.
ولو رجع أي باحث الآن إلى جريدة (الأهالي) في أواسط الخمسينات لرأى نماذج من أجمل
الشعر المنثور، تتضاءل أمامها معظم دعاوى "قصيدة النثر" في هذا الزمان،
ومع ذلك لم يجرؤ صاحبها على تسميتها شعراً!. لم
يكن أبو علي متواضعاً. كان شديد الاعتداد بنفسه. لقد كان حتى آخر أيامه يطلق على
نفسه لقب (الإمبراطور)!. كان يقول: "أنا إمبراطور الأدب" ماذا
جَنَيتَ ابنَ مردان؟ طفلاً
لَهَوتَ بدُميَةِ عمركَ طفلاً
سئِمتَ فحَطَّمتَها حُلُماً
عشتَ أن صرتَ مُستَوظَفاً حُلُماً
كان أن تشتري بَدلَةً حُلُماً
أن غَدَوتَ، ولو مرّةً دائناً
لا مَديناً ولكنّهُ
يا بنَ مردان دَقَّ ولم
تَتَّسِخْ بَعْدُ أكمامُ بدلَتِكَ الحلم دَقَّ، ومازال
دَينُكَ ما حانَ موعدُ إيفائِهِ دَقَّ
ناقوسُ مَوتِكَ يا
أيُّها الإمبراطور يا
أيُّهذا الموظَّفُ من قبلِ شهرَين...(*) ***
كان
حسين يستدين من جميع أصدقائه.. وكانوا يقرضونه وهم يعلمون أنه لن يعيد إليهم
شيئاً. بعد
ثورة تموز 1968، صدر الأمر بتعيين حسين مردان ـ الذي كان لا يجد مكاناً يعمل فيه ـ
معاوناً للمدير العام للإذاعة والتلفزيون، براتب قدره مائة وخمسون ديناراً، بعد
احتساب مدّة عمله في الصحافة خدمة فعلية له. ذُعِرَ
أبو علي، ورفض التعيين!. كان يطوف بيننا وهو يتساءل متوجساً: "أنا؟.. أنا
أتقاضى مائة وخمسين ديناراً في الشهر؟؟!.. كيف؟.. ولماذا؟؟". وظلَّ
أبو علي رافضاً. أبلغ الدولة أنه إما أن يُعدَّل راتبه إلى ثمانين ديناراً فقط،
ويوافق على العمل... أو لا، فيرفض التعيين!. وكان
لأبي علي ما أراد!.. وحُدِّدَ راتبه بثمانين ديناراً. وما إن تقاضى أبو علي أول
راتب، إلا وراح يدور بين أصدقائه متوسلاً إليهم أن يستدينوا منه!. واشترى
بدلتين جديدتين.. وقبل أن تتسخ أكمامهما مات أبو علي!. ***
مرة
كان قطار المربد يطوي بنا الطريق إلى البصرة. قال سعدي يوسف: "كانت الساعة قد
جاوزت الثانية بعد منتصف الليل.. خرجت من كابينتي، فرأيت حسين مردان في الممرّ،
ملصقاً وجهه بزجاج نافذة القطار وهو يحدّق في الظلام.. وكانت أصوات كلاب سائبة
تُسمع من بعيد. قال سعدي" فسألت أبا علي عن سرّ وقوفه وحيداً هنا.. فأدار إلي
وجهه، وإذا بعينيه تملؤهما الدموع، وهو يسألني: ترى، أين تذهب هذه الكلاب في هذا
الليل؟!." ذات
مساء شتائي غائم، كنت أتمشى مع حسين في الباب الشرقي.. قال: "كتبت قصيدة
جديدة، أيعجبك أن تسمع؟." قلت: بالتأكيد. فشرع أبو علي يقرأ:
.. ومع معرفتي
بمزاجية أبي علي... ركبتني روح المشاكسة. قلت له مقاطعاً حال انتهائه من قراءة
البيت: "شنو.. أنت مخبَّل؟!ّ." فثارت ثائرة أبي علي.. وأنحى باللائمة
على نفسه لأنه يقرأ شعره لأمثالي!.. وعبثاً حاولت أن أسترضيه ليكمل قراءة
القصيدة... لقد تركني ومضى..!. في
مساء يوم من أيام الصيف، في أواسط الخمسينات، كنا نتمشى أنا وحسين في منطقة
(السّنك) حين ظهر أمامنا، وبشكل مباغت، صديقنا النحات خالد الرحال. وكان من عادة
خالد ـ رحمه الله ـ أن يتباهى أمام أصدقائه بمشاريع عمله.. فما كدنا نسلم عليه،
حتى فتح حقيبته اليدوية، وأخرج مجموعة من الأوراق، كانت كلها صيغ عقود موقعة بينه
وآخرين على مشاريع نحتية سيقوم بتنفيذها.. وكان، مع كل ورقة، يعرض علينا رقم
المبلغ المتفق عليه وهو يقول: "شوفوا.. هاي بأربعين دينار.. وهاي.. شوفوا هاي
بتلثميت دينار.."، وما كاد يكمل حتى فاجأه حسين قائلاً: "لك أنت ما
تستحي؟؟. شكد تحصّل فلوس؟. فد يوم إغلّط واعزمنه على ربع عرك".. فما كان من
خالد إلا أن انتخى في الحال.. واتجهنا إلى الباب الشرقي.. واختار لنا خالد مشرباً
يعرفه هو، قائماً على سطح إحدى دور السينما هناك. لم
يكن معي، ولا مع حسين فلس واحد. جلسنا، وطلب خالد ربع عرق لكل واحد منا.. ثم وضع
حقيبته الجلدية على ركبته، وفتحها.. وراح يخرج منها أوراقها.. يفرّقها، ويقلّبها
ويقرأ ما فيها.. وجاء
العرق والمزّة.. وملأنا كؤوسنا.. وشرعنا نشرب، أغلق خالد حقيبته، وأنزلها إلى
الأرض، بعد أن أخرج منها مجموعة من العقود والاتفاقيات المبرمة معه.. ثم شرع،
وبزهو الطاووس، يقرأ علينا تفاصيلها.. وإذا بحسين ينتفض مقاطعاً الرحال:
"لَكْ أنتَ علِمْ؟.. فهِمْ؟؟. كل هاي الفلوس دتحصّلهه بالكلاوات!". ما
كان من خالد إلا أن جمع أوراقه، ووضعها في حقيبته، ثم انتفض واقفاً وهو يقول:
"آني رايح. إنتو إدفعوا حسابكم!". وتملَّكنا
ذعر حقيقي. وتشبّثنا بخالد مقدّمين له جميع فروض الاعتذار.. وخالد مصرّ على
المغادرة. بعد جهد جهيد استطعنا أن نهدّئ ثائرة الرحال، وأن نعيده إلى مجلسه..
واستمرّت عمليّة ترضيته بمديح مبالغ فيه، حتى دفع الحساب. وما تجاوزنا باب المشرب،
حتى التفت أبو علي إلى الرحال قائلاً: "خو ما صَدَّكتْ كلْ هذا الحجي
الكلناه؟؟.. تره إنتَ كل شي ما تفتهم!.. وإذا ما يعجبك، أنا مستعد أكتب هذا الرأي
بالجرائد!." وانصرف
الرحال غاضباً من جديد!. الهوامش (*)
المقطع من نفس القصيدة السابقة (تنهض بين الحقائق) لصاحب الذكريات في رثاء حسين
مردان، وهي منشورة في ديوانه (الخيمة الثانية). | |||||||||