|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
الاكتشاف الجديد ـــ اسكندر نعمة ليس من قبيل النكتة قولُنا.. أنّ العرب في هذه الأيام، ومنذ عقود قليلة خلت، يعيدون اكتشاف أميريكا. إلاّ أنه اكتشاف غير جغرافي.. فدول الخليج تتزاحم لإبداء العرفان بالجميل، بدءاً من إطلاق الأسماء الأميريكية على بعض الشوارع، وانتهاء بالإعراب عن الاحترام الجزيل الذي يكنّه الغريق تجاه المنقذ الذي منحه الحياة من جديد.. وبعض الجنود العراقيين الأسرى أظهروا ميلاً عميقاً للبقاء في أغلال الأسر عن العودة إلى بلادهم، وتحمُّل مختلف أنواع المظالم والاعتقال والتحقيق الذي تدخل نتائجه في رحم المجهول.. الأكراد في شمال العراق ينامون تحت الخيام الأميريكية وهم يحلمون بطرود الطعام الأميريكية التي تدغدغ أحلام المعدة بعد معاناة طويلة من الجوع والتشرّد والنزيف.. المعارضة العراقية غاضبة لأن واشنطن بكل جبروتها لم تخطّط بعدُ لإبادة نظام صدّام حسين الدمويّ حسب رغبتها، وبما يتّفق مع مصالحها المتناحرة والمتعدّدة الأطراف.. بعض أطراف القيادات الفلسطينية التي راهنت يوماً على السلاح الجبّار، و "الكيماوي المزدوج" و "الباطش الأكبر" الذي كان سيحرق ثلاثة أرباع إسرائيل وينسفها من الوجود، أصبحت الآن تبحث عن صيغة جديدة لمُراهنةٍ جديدة من شأنها انتظارٌ مرٌّ لغضبٍ أميركي يحرق مراكز القوى اليهوديّة الصهيونية ويلغيها من الوجود في القدس وتل أبيب.. محادثاتُ بيكر ومن بعده أولبرايت المكوّكيّة، التي غطّت الساحة الدولية بعد حرب الخليج وحتى الأيام الراهنة، بعثت شيئاً من الارتياح والطمأنينة في روع بعض زعماء الضفّة الغربية وقطاع غزّة، كما في روع بعض المخيّمات الفلسطينية التي أخذت تعيد حساباتها بأسلوب جديدٍ بعد سلسلة النكبات المدمّرة والويلات التي أحاطت بها.. كما أن تلك المحادثات المتكررة والمطوّلة في العديد من العواصم العربية، السريّة منها والمعلنة، تمخضت عن نتائج كان من شأنها تصحيح كثير من الآراء الخاطئة التي زرعها اليهود وإسرائيل في ذهن قادة الغرب وساسته عبر سنوات طويلة.. وأخيراً وليس آخراً، الأردنيّون يعيشون حالة قصوى من الضَّياع تتمثّل بانهماكهم بإصلاح الجسور التي حطّموها مع أميريكا والغرب من جهة، ودول الخليج والبترول من جهة أخرى... كل الأمور.. وكل ما يجري على الساحة العربية والدولية، تشيرُ إلى أن العرب يعيدون اكتشاف أميريكا من جديد.. سواءٌ أكان ذلك من موقع الفاعل أم المنفعل. المؤثّر أم المتأثّر.. وهم -أي العرب- ينظرون بأمل كبير إلى ما سوف تفعله أميريكا في واشنطن وغير واشنطن، وإلى ما سوف تتخّذه من مواقف حيال القضية الفلسطينية والعربية.. إسرائيل كانت وما زالت وستبقى الطفل المدلَّل والأثير على قلب أميريكا وحكّامها وإيديولوجيّتها وسياستها.. ولن نُتَّهم بالمبالغة أبداً إذا قلنا إن أميريكا كانت وما تزال المسؤول الأول والأخير عن كلّ مآسي الشعب الفلسطيني، وكل تعقيدات قضية الصرّاع العربي الإسرائيلي عبر عقود القرن العشرين الأخيرة.. إلا أن هذا الموقف يمثل لوحةً ذات وجهين. فأميريكا والغرب اعتقدوا دائماً أن العرب إرهابيّون أبداً، ولا يفهمون غير لغة القوة.. ولا شكَّ أن هذا العداء الأميريكي المُطلقَ للعرب، ساهمَ في ترسيخه عاملان اثنان: الموقف الأيديولوجي للرأسمالية الغربية من جهة.. والنشاط المحموم للجمعيات والمنظمات الصهيونية من جهة أخرى، ببثّه وتحويله إلى عقيدة فلسفية راسخة.. ويُضاف إلى هذين العاملين، عاملٌ ثالث، يتجلّى في تقاعس العرب عن اعتماد إيديولوجية عربيّة موحّدة ثابتة، تُبشّر بقضيّتهم وتوضّح أبعادها الجغرافية والتاريخية والاجتماعية.. العرب في بعض أقطارهم محكومون بزعامات وقيادات هي دون مستوى الوعي العام للقضايا المحليّة والدولية، أسيرةُ تخلّفها وعزلتها، ورهينة شعارات وتصورات أصبحت لا تتفّق ومعطيات العصر وتطوره، ولا تُبالي مطلقاً بوتائر مستجدّات الرأي العام الداخلي والعالمي.. هذه الزعامات ستجد نفسها إن عاجلاً أم آجلاً مُجبرةً على العودة من عالم الأحلام الفردية والذاتية لمواجهة الحقائق في عالم يتغيّر دوماً، ويفرض عليها التخلّي عن مواقفَ وتصوراتٍ أصبحت بالية ولا تتّفق ونماذج العصر المتطوّر.. أخطرُ ما في مواقف هذه الزعامات والقيادات، الوقوعُ في حبِّ أميريكا، والسقوط في مستنقع الإعجاب بها.. فهي الدولة الأقوى والأكبر والأكثر مهارة في الحرب والسياسة، وهي رُبَّان العولمة، وقبطان توجيه دفّة العالم كله نحو النظام الدولي الجديد المتّسم بأحاديّة القطب. إن أميريكا عبر العقود الأخيرة من القرن العشرين، وخاصة بعد انهيار النظام السوفييتي، تركبُها حالةً من العنف والغرور لم تشهد مثله خلال تاريخها الحديث كله.. فهي قد حقّقت نصراً ساحقاً في الحرب الباردة على الساحة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتقدّم التّقني.. وهي من خلال هذا الغرور، راحت تنتظر من العالم كلِّه وخاصة الدول الصغيرة منه أن تنظر إليها بأنها رُبّان السفينة الوحيد، والمنقذ الفرد في مختلف القضايا والأمور الدولية المعلقة. وبمثل هذه النظرة راحت تسوسُ العالم كلِّه... إن العرب كلّ العرب بحاجة إلى الثقة والموقف المقنع وليس إلى الحبِّ والإعجاب. إنّنا بحاجة إلى الثقة ونحن ننتظر خطوات أميريكية كفيلة بكسرِ التعنّت الإسرائيلي، وإرغام إسرائيل على الاعتراف بالقرارات الدولية، والكفِّ عن تعميق سياسة الاستيطان، كأساس للمفاوضات.. إلا أنّ تلك الثقة، وذلك الموقف الإنساني المنتظر، ليس له ما يدلُّ عليه وما يبرّره. إن بعض المواقف الصادرة عن حكومات إسرائيل المتعاقبة والتي تتّسم بالحد الأدنى فقط من المعقولية والبعد عن الشراسة الصهيونية المعهودة، وبعض المواقف المماثلة الصادرة عن الهيئات الدولية والدول العظمى، لا تشكّل مطلقاً أيّة كوّةٍ أو منارة على طريق هذه الثقة، لأنها تظلُّ مواقفَ سياسية مرحليّة. ولا يزال ماثلاً في أذهاننا نحنُ العربَ، كيف ألغَتْ جمعية الأمم المتحدة قراراً تاريخياً يصنّف الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وقد تمَّ هذا الإلغاء تحت رعاية واشنطن وإصرارها.. على أميريكا أن تضع الحلمَ الصهيوني الاستيطاني التوسعي في حجم دولته. وأن تُغضبَ مائة ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل كسب ثقة مائتي مليون عربي... وهذا يتطلُّب انتهاج سياسة جديدة. كما يتطلّبُ شجاعة وعدلاً وجرأةً في حسم المشاكل المتراكمة على ساحة الصرّاع العربي الإسرائيلي... عندئذ يكون العرب قد بدؤوا فعلاً باكتشافهم الجديد، إعادة اكتشاف أميريكا... |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |