|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
الحفل ـــ د. عفاف البطاينة ــ دولة الإمارات العربية بعد حفل لا أعرف كيف أصفه هذا المساء، أجلس مع نفسي وقد ثارت السنوات الماضية في خلاياي، تحلق حتى آخر سماء وتهوي حتى أسفل أرض، تفيض مشاعري فخراً بهؤلاء اللذين شاركوا في الحفل، وتتمزق في شريان دماغي ذكريات وآهات ما أن استمع إليها حتى أتحول إلى كرة من حمم بركانية لا تستطيع إلا أن تثور وتغلي. أسأل نفسي في لحظات الصمت والضياع عن ضعفي كامرأة وهل أنا حقيقة ضعيفة؟ أم أنني برمجت لأصدق أنني امرأة، وأنني ضعيفة! هل الرجل قوي أم أنه بني ليكون قوياً! هل أنا إنسانة، أم أنني مجرد جسد وروح تلاحما وسميت لذلك بشراً؟ هل مشكلة الأمم المتخلفة أنها متخلفة أم أنها سلبت إمكانيات تقدمها، وهل يمكن للمرأة والأمة أن يسلبا حقهما في التقدم والوقوف أم أنهما، وعن تخلف وجهل، تتقبلان بوصفهما كذلك؟ إن الأمم والنساء عجينة واحدة، تخبز بأشكال وطرائق مختلفة، فيصبح هذا الرغيف أشهى وذاك الرغيف أفخر، وهذه الأمة أقوى وتلك الأمة أنذل: أشتاق لبلاد لم أزرها ولم أعرفها ولم أنتمي إليها، ولكنها شاغلي ودمي، تستنزف كل قطرة دم فيّ، وتستوطن في كل خلية من خلايا دماغي، وكأنها أمي وأمتي، أصبحت أسير دون أن تتحرك قدماي، وأسافر دون أن أعد حقائب سفري، وأعود والذهن ما زال غائباً، أخالط أناس تلك البلاد، وأجلس على مرتباتهم، وأشرب شايهم، وأرتدي زيّهم، وأتلذذ بموسيقاهم، وأشاركهم همومهم، وأبكي على ضحاياهم وبعد دقة قلب واحدة وإشارة من دماغي لا أجدهم، ليس لهم تاريخ وليس لهم أرض وليس لهم بنات وليس لهم شجيرات وليس لهم وجوه، وليس لهم أسماء، ليس لهم إلا أصوات عالية، تصرخ في عوالم الفضاء يرسلها ميتون ويستقبلها ميتون، ويسجلها ميتون، ويرددها ميتون! وعندما رجعت من عالم الموت، فتشت عنهم، سألت عنهم، حاولت أن أتذكر ملامحهم أو ديارهم أو أولادهم، حاولت أن أسترجع رائحة بساتينهم وشايهم، نقبت عن آثارهم فلم أجد لها أثراً، وعن حاضرهم فتضاحك الناس، وعن مستقبلهم فأدخلوني إلى مصحة نفسية، لعلي ما زلت أعاني من بقايا ذاكرة الموت، ولم تنبعث فيّ الحياة حتى الآن! وبعد قرون لا أعرف عددها، يقال إنها أزلية، تكرموا عليّ بشهادة تسمح لي أن أسير في الشوارع وأن أقرأ الصحف والمجلات وأن أشاهد محطات التلفاز، وأتنقل بحرية عبر صفحات ومواقع شبكة الاتصالات، وأن أتكلم وأكتب، وأن أكون أكثر النساء أناقة وانطلاقاً، وأن أحلم، وأن أذكر، رأيت الشوارع نظيفة واسعة مستقيمة، والجرائد تناقش موضوعات البشر والحضارات والأديان، وشبكة الاتصالات مكتنزة بالمعلومات والأخبار، وجدت الكتب في أيدي الأطفال وكبار السن والشباب، نظرت إلى نفسي في الزجاج الفضي الأملس، فرأيت قداً أعجز قيساً ونزاراً، وعندما أردت أن أحلم وأن أذكر وجدت أنه من المحظورات، لم أستطع أن أجد تلك المنطقة في رأسي التي تتأرجح بي بين الماضي والحاضر والآخر، أردت أن أعرف ما هو المحظور فلم أجد تعريفاً، حاولت أن أتعبد عليّ أجد ذاكرتي، والحمد لله وبعد لحظات نجحت. وجدت ذاكرة امرأة، ترعرعت في كنف النعامات، وأرضعت حليب الأبقار، وتعلمت في مدارس الفحولة، وأكلت طعام الجاهلية، ولبست ثياب الخزي والعار، وجاورت خلايا بكتيرية بدائية لم تتشكل وتتلائم مع المحيط بعد، وخالطت طحالب وعفونة زقوميّة، ولعبت بهياكل أطفال أموات، وبنت بيتاً من قمامة القردة، وعاشرت مخلوقات جلدية لزجة، وأنجبت أشجاراً ليس لها شرايين، وليس لها أوراق، تتنفس السم، وتزفر الغضب، وتفتك بكل ما هو بشري، بحثت عن تلك المرأة فأخبروني أنها ذات تاريخ قديم، لم يتمكن عميان الآثار من تحديدها بعد، ولكن الحمد لله أن أصحاب الأرض قرروا أن يتخلصوا من الشؤم والماضي النتن، فباعوا كل أراضي المرأة إلى قوم آخرين، تفهموا أمرهم ورغبوا في مساعدتهم حباً لهم فاشتروا الأرض، ودفعوا ثمنها بالعملات الكلامية. عفواً، أعتذر، فقد نسيت أن موضوعي كان عن حفل للشباب شارك فيه الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، وقدم عروضاً شيقة عن الحضارات المختلفة من عربية وهندية وفارسية، وإفريقية، وأوروبية وأمريكية، استمتعنا بالرقصات الشعبية والدبكة والغناء من كل الحضارات، إلا أن الفلسفة والأدب اللذين قدمهما الأوروبيون والأمريكيون بشكل خاص لم يجدا قبولاً عند الجمهور، فانصرف المشاركون من أبناء الحضارات الأخرى للاستمتاع بموسيقاهم وفلكلورهم غير عابئين!! |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |