جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

خواطر عن الجنادرية ـــ د. خالد محي الدين البرادعي

يبدو أن الأخوة العرب في المملكة العربية السعودية جادون في تحقيق العودة المركزة لسيرة الإنسان العربي التي بدأت سطورها الأولى من أوراق الجزيرة العربية ومداد تاريخها الضارب في القدم.‏

ولعلهم يفكرون -عبر المنجز والمحقق- بتحويل المملكة إلى منطلقات حضارية تشمل الشعر والنثر والدراسة والتعليم الجامعي ومراكز البحوث والثقافة المعاصرة. وليس غريباً وإن كان صعب التحقيق. فعندما تتوفر الإرادة الصادقة والوفرة المالية المريحة ويتاح المجال- وهو متاح- أمام من يريدون التغيير والتطوير. يتحقق كل شيء.‏

فالمملكة بما توفر على أرضها من التمسك بالأصول والتطلع إلى آفاق المستقبل والرغبة في التجديد- التجديد الذي لا يمس المقدس بالطبع. وبما توفر لها من خير مادي وعبر كل ما تفعله عاماً بعد عام من خدمة الإنسان العربي تضع الركائز الحضارية للانطلاق. بحذر وحيطة بدون طفرات وبدون قفز فوق المراحل. نحو الزمن المقبل بثقة بالنفس واطمئنان إلى صحة الخطأ وسلامة المسيرة. وليس مهرجان التراث والثقافة الذي بدأ منذ خمس عشرة سنة باسم الجنادرية، إلا شاهداً حياً متطوراً على الحركة التصاعدية التي تحققها المملكة. كما يحققها هذا المهرجان بتطور وتصاعد عاماً بعد عام. وقبل سرد الخواطر حول المهرجان الخامس عشر وهو آخر ما شاهدناه وشاركنا في فعالياته أرى ضرورة التوقف ولو على عجالة مع فعاليات المهرجان الرابع عشر الذي خصص للاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية والذي صادف تاريخ المهرجان بسنة الاحتفال بتلك الذكرى التي ينظر إليها السعوديون بشيء من التقدير يصل إلى حدود القداسة. لأنها الذكرى التي تعكس بين أيديهم بداية عصر الضوء والخروج من ظلمات التفكك السياسي والتخلف الفكري والقصور الديني والنزوعات القبائلية الضيقة. إلى طريق الحضارة وبداية الحياة في ظل الدولة بكل ما تحمل كلمة الدولة من معاني ومعايير وثقل حضاري معاصر. في ذكرى التأسيس المئوية اطلعنا على مائتي دراسة تقريباً. لمائتي متخصص من مثقفي المملكة ومن مثقفي العالم الذين شاركوا في تلك المناسبة. ما أغنى وأثرى الذاكرة العربية والعالمية بكل ما يتعلق بالجزيرة العربية بظل صقرها الملك الخالد عبد العزيز آل السعود. وأغنى الذاكرة والوعي بتاريخ هذه البقعة المقدسة التي منحها الإسلام كل خصائص التفرد وعلامات القداسة والخلود. حتى كأنها مركز الأرض أو سرة الوجود. وكانت مناسبة أكثر من ضرورية ومهمة لتطلع الأجيال ليس على تاريخ الأرض وما تحقق فوقها من منجزات وحسب. بل كانت سجلاً خاصاً لشخصية عبد العزيز آل سعود وعلاقته بمن حوله من أهل ومواطنين وأناس وجهات خارج المملكة، ومع العالم والذي استطاع أن يقتني مجموع الدراسات والبحوث التي نوقشت. يتمكن من حيازة عصر عبد العزيز ونضاله وخصائص شخصيته وكل ما يتعلق بعصره وما كان له الآثار الأولى في نشوء المملكة.‏

إضافة إلى تعرفه على شخصيات ما كان له علم بها قبل هذه المناسبة. من رجال سياسة ومؤرخين ومصلحين وشعراء وعلماء وقادة وفرسان.‏

كما قرأنا وشاهدنا ما أخفق الإعلام بتوصيله إلى الآخرين ونشره خارج حدود المملكة. من بدايات نهضة علمية وأدبية وتعليمية بدأها وأرسى دعائمها الملك المؤسس عبد العزيز. لتتفتح وتؤتي أكلها من بعده. وتزرع نعمة الأمن والاستقرار في البلد الذي شاء له الله أن يبقى مثابة وملاذاً للإسلام ولغته وتعاليمه وحَجِّه وزيارة مقدساته. ولا يستطيع الذين أسهموا في إحياء تلك الذكرى أن ينسوا الحدث الأكبر أهمية وجدية فيها. وهو مشاركة المرأة مشاركة فاعلة فيها. حيث اطلعنا على عشرات الدراسات الأدبية والتربوية والسياسية والعلمية التي شاركت نساء مثقفات من خلالها في إثراء تلك الذكرى وإغناء فاعلياتها. لتسجل المرأة السعودية حضوراً حضارياً فاعلاً كنقلة نوعية في الحياة الثقافية السعودية. ومعظم تلك الدراسات كانت لسعوديات.‏

* * * *‏

حتى إذا ما وصلنا إلى المهرجان الخامس عشر لمسنا ألواناً متعددة من الزخم الفكري والحضور الثقافي النوعي تتحقق عبر بضعة عشر يوماً هي زمن أيام المهرجان. فإلى جانب الحضور الشعبي من إحياء تقاليد الفروسية وسباق الإبل وإعادة فنية للصناعات التقليدية التي كانت سائدة في أزمنة سابقة. يجيء الفعل الثقافي الذي خصص هذا العام لدراسات معمقة نظرية وميدانية حول علاقات الإسلام بالشرق. وجاءت هذه الندوة توأماً لشقيقتها السابقة التي خصصت لدراسات وأبحاث الإسلام والغروب. واهتمام السعوديين بترسيخ أصول الإسلام والبحث عن طرائق انتشاره وشرحه وتفسيره للعالم. يجيء ضمن تحقيق بصمتهم وخطوط هويتهم وتحقيق الموقع الملائم لشخصية العربي المسلم في هذا العصر. ولا يشك من عاش هذه الندوة عبر جلساتها المتتابعة والعديدة. وما حققته على أيدي مفكرين من أقطار الشرق والغرب والوطن العربي. أن يراه فتحاً ثقافياً جديداً يغسل صورة الإسلام التي انتابتها الزوائد والشوائب والألوان المصطنعة من العنف السياسي الذي يمارسه بعض الإسلاميين اليوم ويقدمون إلى العالم صورة مزورة عن الإسلام من خلاله. كما يغسل صورة الإسلام من حالة القصور وعدم القدرة على مسايرة ضرورات العصر. ليثبتوا للعالم أن الإسلام قادر على أن يكون نظام الإنسان الكامل عبر الأزمان.‏

وأمتعنا الدارسون والباحثون بالجيد والجديد من الأبحاث والمداخلات. وهم ينتمون إلى عدد من الأجناس والأمم والبلدان. ويقدمون اجتهاداتهم الفكرية المعمقة. بدون أن ننسى القيم والجيد من الدراسات التي قدمتها السيدات السعوديات والتي تتعلق بقضايا المرأة والأسرة في ظل الإسلام. مما يقدم للجنادرية بعداً حضارياً جديداً وزخماً ثقافياً مثقلاً بالفرادة والخصوصية.‏

* * * *‏

وقبل الإشارة إلى الأمسيات الشعرية التي تشكل الجانب الأعلى- كما هو مفترض في الأسواق الأدبية- أجد ضرورة الإشارة إلى نبتة جديدة عبق أريجها في دوحة الجنادرية وهي المسرح. وأن الأخوة السعوديين يسهمون في دفع هذا الفرع أو الجنس الإبداعي ليتواكب مع المسيرة الثقافية كجزء من المسيرة الحضارية. وأدخلوا المسرح في أنشطة الجنادرية. لنقرأ أو نشاهد عدداً من الأعمال المسرحية التي نترك الحكم النقدي عليها مؤقتاً ريثما يستوي هذا الفن على عوده ويحتفر مجراه إلى جانب الرواية والشعر والدراسة الأدبية في حقول الإبداع.‏

ويكفي أن ينال المسرح جزءاً من الاهتمام لدى الأحبة في الجزيرة العربية. ويعترف به كرافد إبداعي قادر على إحداث التغيير في الشخصية العربية المعاصرة. وإن كان لابد من لفت النظر إلى أن خلو المسرح من حضور المرأة يظل عملاً ناقصاً ومشروعاً غير مكتمل. وأود هنا أن أشير إلى حضور المرأة وهي محجبة على المسرح تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً. وكيف أن أصدقاءنا الإيرانيين تمكنوا من تجاوز هذه العقبة. وحضرت المرأة الإيرانية في المسرح بصورة مشرفة ومشوقة وملآى بالحشمة والوقار بدون التخلي عن الحجاب. لكن استطاع المخرج الإيراني أن يحول الحجاب إلى ضرورة فنية لا إلى غطاء يستر الشَّعر وحسب مما لفت أنظار المراقبين. بدون أن ينقص المسرح شيئاً من فنيته وأدواته. هذا إذا كان الحجاب هو العائق الذي يحول بين المرأة السعودية وبين حضورها في المسرح. علماً أن نسبة تعليم المرأة في المملكة بلغت حدود تعليم الرجال تماماً واحتلت النسوة السعوديات أمكنتهن اللائقة في التعليم والطب خاصة. ولا ينسى المتتبع ورشات الرسم والفن التشكيلي التي رافقت أيام المهرجان إلى جانب المسرحيات التي عرضت يومياً. مما قدم لغير السعوديين مشهداً عن تطور الفنون التشكيلية التي اتخذت لها مكاناً ملائماً ومتميزاً في المشهد السعودي المعاصر إلى جانب الفنون الأدبية. وقد رسخ الأخوة عرب السعودية تقليد الغناء الهادف في افتتاح كل مهرجان. حيث يقدمون لوحات شعرية مغناة ترافقها عروض شعبية راقصة ترسم تقاليد المناطق والأقاليم. وتروى بالشعر والموسيقى تاريخ توحيد المملكة وإنجازات المؤسس وقصة التطور الحضاري الشامل. وكانت واقعة جديدة أعطت المهرجان رونقاً خاصاً وثراءً متميزاً هي اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية والتي أعلن عنها مع أيام المهرجان الأولى لتثبت للعالم مكانتها في المسيرة الحضارية المعاصرة. كما كانت مسألة اختيار ضيوف المهرجان تحمل بعد النظر والرغبة في الإفادة من تجارب الآخرين قد تحققت فعلاً بنوعية الضيوف وانتمائهم إلى كافة التيارات الفكرية المعاصرة من انتماءات دينية إلى انتماءات عرقية إلى انتماءات قومية إلى انتماءات مذهبية وعقائدية شتى. فرأينا أقصى اليمين وأقصى اليسار الفكريين إلى جانب ما يعج به الوسط من تيارات فكرية معاصرة. وبقدر ما قدم المسؤولون في المملكة من تنظيم وإدارة وحسن استقبال ومعاملة ودية لضيوف الجنادرية، كانت الصورة المشرقة التي حملها الضيوف إلى بلدانهم عن المملكة، وخاصة غزارة التعليم وكثافته. فإلى جانب الجامعات الكثيرة التي تغص بها مدن المملكة. والنشاط المتعاقب صعوداً للأندية الأدبية وهي بضعة عشر نادياً يلاحظ الضيوف العناية الخاصة بمراكز البحوث وتطويرها، وبخاصة تعليم البنات الذي أنشئت له مؤسسات متطورة مما أوصل المرأة السعودية إلى مواكبة الرجل في تحصيل العلم والمرتبة الثقافية.‏

* * * *‏

ويبقى الشعر:‏

لا نبالغ إذ قلنا إن حضور الشعر في كل لقاء ثقافي عربي عبر تاريخنا المعاصر، يعد أحد الضرورات والأركان والأسس لذلك اللقاء. لا لقاء ثقافي عربي بدون شعر. والجنادرية طبقت هذه القاعدة لاعتبارها أولاً سوقاً تراثيةً تغص بما كانت تغص به أسواق العرب قبل الإسلام وبعد. ونعلم -ربما منذ المهرجان الأول- أن الشعر هو معيار نجاح تلك الأسواق وفشلها. فكان للشعر في الجنادرية منذ البدايات مثل هذا الموقع الخاص. أليس الشعر هو بصمة الإنسان العربي في التاريخ؟ وهويته في هذا الوجود؟‏

لكن الذي نراه ونعيشه يجيء أقل بكثير من توقعاتنا كعرب نشارك في مهرجانات الجنادرية. وليس مقبولاً ولا معقولاً أن يقتصر مهرجان الجنادرية. على أمسيتين شعريتين على امتداد أربعة عشر يوماً هي أيام المهرجان. ويشارك في الأمسيتين سبعة شعراء عرب من خارج المملكة. وهنا أضع سؤالاً بصوت مرتفع؟ لماذا يتم حصار الشعر. الشعر ديوان حضارتنا والحافظ لغتنا إلى جانب القرآن الكريم.‏

وميزتنا الحضارية وبصمتنا في التاريخ؟ فمنظمو المهرجان يوجهون دعوات إلى شعراء من: سوريا. ولبنان. وفلسطين. والأردن. ومصر، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا، وموريتانيا، والجزائر، والمغرب، إلى جانب شعراء من الخليج العربي عبر أقطاره: البحرين، الكويت، قطر، دولة الإمارات، ويجيء من قبل هؤلاء جميعاً عدد من شعراء المملكة، وإذا قرر منظمو المهرجان دعوة شاعرين على الأقل، وأربعة على الأكثر من كل قطر عربي، يكون مجموع الشعراء المدعوين إلى الجنادرية حوالي أربعين شاعراً عدا شعراء المملكة.‏

وأظن أن الدعوات توجه إلى مثل هذا العدد كل عام، وليس هذا بكثير على أمة الشعر، لكن السؤال الأهم: لماذا لا يطلع مثقفو المملكة على تجارب أربعين شاعراً عربياً لكل منهم بصمته وقاموسه الشعري وتجربته الذاتية؟ وكيف يختزل حضور هذا العدد في ستة أو سبعة شعراء؟ ويظل العدد الأكبر من الشعراء العرب والسعوديين مجرد متفرجين لا غير، وفي أفضل الأحوال يناقشون قضايا الشعر وتطوره في ردهة الفندق.‏

هنا أود أن أجدد اقتراحاً أبديته قبل سنتين هو توسيع الأمسيات الشعرية وتوزيع الشعراء على عدد من المراكز الشعرية والثقافية لكي يتسنى لهم نشر تجاربهم وتوصيلها إلى السعوديين كما يستطيع شعراء السعودية توصيل تجاربهم إلى ضيوفهم من العرب لتحدث حالة المثاقفة.‏

وأضرب لكم مثلاً، هو ما حققناه نحن في سوريا في اتحاد الكتاب العرب في آخر مؤتمر أدبي تم عام 1997 وانعقد على هامشه مهرجان الشعر فشارك في هذا المهرجان حوالي سبعين شاعراً وشاعرة من العرب، واستطاع هؤلاء توصيل أصواتهم برحابة ويسر عندما أقيمت الأمسيات الشعرية في دمشق وريف دمشق، وحمص، وحلب، والرقة، ودير الزور، وطرطوس، واللاذقية، والقنيطرة، ودرعا، والسويداء، وتوزع الشعراء المدعوون ومعهم شعراء من سوريا على هذه المدن وأحيوا أماسيهم الشعرية خلال ثلاث ليال. وكان مهرجاناً من أهم وأنجح المهرجانات الشعرية في تاريخ سوريا والعرب. فإذا اقتنع المثقفون السعوديون بهذا الاقتراح أرجو أن يشارك من شعراء المملكة عشرون شاعراً على الأقل، ليتمكن العرب من الاطلاع على المشهد الشعري السعودي كاملاً، وإدخاله في الحركة النقدية المعاصرة، فمن خلال مشاركاتي الشعرية في بعض مدن المملكة خلال السنوات الماضية قرأت وسمعت نصوصاً شعرية سعودية لا تقل توهجاً وجدية وأصالة ومعاصرة عن أرفع النماذج الشعرية العربية المطروحة في مشهدنا الشعري، وهي تحتاج إلى مواكبة نقدية وإعلامية ومتابعة، وهذا لا يتم إلا عن طريق مشاركة هؤلاء الشعراء بأماسي شعرية توصل أصواتهم إلى زملائهم العرب شعراءً ونقاداً.‏

ولا حاجة لنشير إلى اهتمام السعوديين بالشعر الشعبي فهذا من حقهم بالتأكيد ومن حقنا الاستماع إلى شعراء هذا اللون كنمط ثقافي له جمهوره ونقاده ومؤيدوه، بدون أن يطغى على المشهد الشعري الأصيل.‏

أما تكريم الكبار من المثقفين السعوديين في كل مهرجان وتقديم وسام الملك عبد العزيز لهم -وهم أحياء- فهي سُنَّةٌ حسنة مفعمة بالروح العربية الأصيلة التي تقدر العلم والعلماء من كل لون وفرع. وأرجو أن لا يقتصر التكريم على اختيار مثقف واحد كما نرى بل أن يتم اختيار كوكبة من هؤلاء لتكريم دفعة واحدة عبر أيام المهرجان، وكل جنادرية وأنتم والعرب بألف خير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244