|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
الأمة العربية ووعي الذات ـــ عدنان عويّد إذا كانت القومية كمفهوم لم تزل تشكل مسألة خلافية عند العديد من الكتاب والمفكرين الذين تناولوا دراسة هذه المسألة، فإن حالات الخلاف أساساً برأينا لم تتعدَ حدود الاختلاف أو التطابق بين مفهوم الأمة والقومية من جهة، أو بين الرؤية الطبقية تجاه الأمة والقومية في حالتي اختلافهما أو تطابقهما أيضاً عند هذا الباحث أو ذاك من جهة أخرى. ومع ذلك لابد لنا من الوقوف عند هذه المسألة والتعريف بها، مع اعتقادنا أن التعريف يعني التحديد، والتحديد يعني في المحصلة الثبات، والثبات يعني الصنمية والتحجر ورفض التجديد والتجاوز، أو إعادة البناء.. إن المسائل أو الظواهر في عمومها تظل في جوهرها ذات طابع نسبي، والنسبية هنا ليست خاصة في الظاهرة ذاتها فقط، على اعتبارها تتعرض دائماً للحركة والتطور والتبدل في الشكل والمضمون معاً، بل إن النسبية تتجاوز الظاهرة نفسها، لتحل بالضرورة في الأداة التي تتعامل مع هذه الظاهرة، أي مع الإنسان على اعتباره أيضاً ليس ثابتاً هنا، فمعارفه ورؤيته للأحداث وطبيعة ثقافته، واهتماماته، ومصالحه الخاصة والعامة هي بدورها تتعرض للحركة والتطور والتبدل، إضافة إلى اختلافها من شخص لآخر، أو من طبقة لأخرى، في الزمان والمكان معاً. لذلك نستطيع القول في إطار هذه/ النسبية النسبية/: تظل الظاهرة في سياقها العام تقوم على معرفة ناقصة دائماً وأبداً، و الكمال لله على حد تعبير المثل الشعبي الشائع. من هذا المنطلق المنهجي، نود الولوج إلى مسألة الأمة العربية ووعي الذات، منطلقين من اهتمامات ورؤية ومعارف تؤمن كل الإيمان بالأمة العربية، وضرورة تحقيقها لذاتها، وتجاوزها لكل المعوقات التي تمظهرت بالتجزئة والتخلف والاستعمار. إذا كانت الأمة هي الحقيقة التاريخية لجماعة من الناس. أو بكلمة أخرى، هي تلك الكتلة البشرية التي حققت وجودها التاريخي علىمساحة جغرافية محددة، وفرضت عبر هذا الوجود تمايزاً حضارياً عن الآخر تمثل في اللغة، والعادات، والتقاليد، والبنية النفسية والقيمية والأخلاقية....الخ. فإن القومية/، أو الأمة في حالة وعي الذات، تعني في نهاية المطاف، إدراك هذه الأمة لذاتها، أي لمقومات وجودها، وحالة تمايزها عن الآخر عبر هذه المقومات، وبالتالي العمل على تأكيد هذه الذات أمام كل محاولات الإلغاء من قبل الآخر. إذاً إن الأمة التي حققت وجوداً أنطولوجياً ومعنوياً، ـ أي وجوداً تاريخياً حقيقياً ـ لم يعد من السهولة بمكان إلغاء هذا الوجود، بيد أن هذا الوجود ذاته ليس ثابتاً، بل هو وجود خاضع للحركة والتطور والتبدل، مثلما هو خاضع أيضاً للنكوص أو التراجع. وذلك يعود إلى جملة الظروف الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية التي تحيط به. وعبر التاريخ البشري، هناك كثير من الأمم نمت وتطورت وحققت حضارات متمايزة عما يحيط بها من أمم، مثلما حققت أيضاً غلبة على بعض الأمم الأخرى، ولم تزل في خط نموها المتصاعد. وهناك بالمقابل أمم أخرى لم تزل في مرحلة متدنية من المستوى الحضاري، ولم تسنح لها الفرصة بعد للنهوض والترقي ومواكبة الأمم الأخرى المتقدمة. وهناك أمم استطاعت أن تحقق في فترات زمنية سابقةحالات حضارية متميزة في التاريخ العالمي، إلا أنها لم تستطع أن تحافظ على تمايزها وتماسكها، فأخذت تتراجع إلى الوراء لتفقد الكثير من قيمها الحضارية وخصائصها وثقافتها التي كانت في فترة سابقة محط أنظار الآخرين ومنهل معرفة لهم. ومع ذلك فهي لم تنته كلياً أو تتلاشى، واستطاعت عملياً أن تواجه كل محاولات الأمم الأخرى التي هدفت في يوم من الأيام إلى النيل من وجودها أو نفيها. يقيناً أن الأمم التي حققت وجوداً تاريخياً لها، لا يمكن أن تزول أو تتلاشى، ولا تستطيع أية قوة أخرى أن تلغي هذا الوجود، يمكن لهذه الأمة أن تضعف وتتراجع مكانتها في التاريخ، ويمكن أن تندمج مع أمم أخرى تجمعها معها قواسم مشتركة أو بعضها، لتشكل وجوداً آخر أكثر قوة وشمولية من السابق، ولكن من المستحيل أن تذوب في أمم أخرى لها خصائص ومقومات وجود تختلف عن خصائصها ومقومات وجودها. إن مقومات وخصائص الأمة التي تشكل حالة التمايز عن الآخر، هي التي تشكل بدورها المضاد الحيوي للأمم التي تتعرض لمحاولات الإلغاء والنفي أو التذويب. وهذاما نستطيع هنا تسميته بـ/وعي الذات/، أي وعي الأمة لذاتها، بغض النظر عن وضعيتها التاريخية التي تدرك من خلالها بأنها أمة لها وجود قومي خاص بها. والأمة التي تعي ذاتها رغم كل التحديات التي تحيط بها. تبدأ عملياً باستخدام كل الوسائل المادية والمعنوية المتاحة لها في الفترة الزمنية المحددة، من أجل تحقيق هذه الذات وتطويرها، بدءاً من الحفاظ على العادات والتقاليد، وانتهاءً بالنضال السياسي والكفاح المسلح، وهذه كلهاتتطلب إجراء تغييرات جوهرية في الوعي الاجتماعي والسياسي لدى أبناء هذه الأمة أو تلك، والتي يأتي في مقدمتها ـ أي هذه التغييرات ـ التركيز بشكل مكثف على مسألة تكوين الوعي القومي ونشره بين أفراد الأمة، على اعتبار أن هذا الوعي يعني في المحصلة عند الشعوب المقهورة والمضطهدة والمستعمرة، الاحتجاج على واقع القهر والاضطهاد والاستعمار المعاش، والسعي لاستعادة الكرامة القومية المنتهكة، والشعور بالاعتزاز القومي، مثلما يعني أيضاً التعبير عن الكيان الاجتماعي المعين لأمة معينة، ومؤشراً على درجة أو مرحلة تطورها التاريخي. وهو في الوقت ذاته، تعبير عملي عن الاحتجاج على كيان اجتماعي ملموس، وطموح لبلوغ حالة جديدة من التطور والرقي. وذلك كله يعني في المحصلة/ نفي ذات، وإثبات ذات/ في الآن ذاته. فوعي الأمة لذاتها حسب هذه العلاقة الجدلية، يعني بكلمة أخرى، نفياً لواقع متخلف وضعيف وقاصر، ومعرض للتذويب والإلغاء، وإثباتاً لواقع، أي إعادة بناء واقع متطور وقوي وناضج، لأمة تعتز بماضيها وتخلص له في الحاضر والمستقبل.(1). على العموم تظل القومية في واقع أمرها مفهوماً اجتماعياً ذا دلالات اجتماعية، والوعي القومي في كل تمظهراته، هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، وهو موضوعي وذاتي على حد سواء، ففي اتجاهه الموضوعي، يشكل انعكاساً لكيان الأمة عبر سيرورتها وصيرورتها التاريخية وهو وعي قابل للتحفيز والتطوير،مثلما هو قابل للعرقلة والتهميش والتذرير أيضاً، بيد أنه غير قابل للاقتباس، أو الإعارة، أو التفريغ بشكل مجرد، أو الإلغاء. والوعي القومي لا يحدد سماته وخصائصه، ودرجة قوته أو ضعفه، وبالتالي تجلياته ووسائل ممارسته، الفلاسفة والمفكرون، أو إرادة الشخصيات، أو المجموعات المعنية، سواء كانوا زعماء أو أيديولوجيين أو أحزاباً حاكمة إن الذي يحدد عملياً هذه المسائل في الدرجة الأولى، هي تلك الترسبات الاجتماعية التاريخية الضخمة التي تصنع نفسية المجتمع، أما دور الأشخاص والمؤسسات والأيديولوجيات، ليس أكثر من تنظيم وتنسيق ونشر وتحريض تلك المسائل والعمل على ممارستها في الواقع المعاش. نعم إن الذي يقرر في النهاية متى يبرز هذا العامل من مقومات وعي الأمة لذاتها أو ذاك، لمواجهة الأخطار المحيقة بالأمة، ثم ماهي درجة قوة هذا العامل أو ضعفه، وبالتالي ماهي سماته وخصائصه، هو العامل الملموس في الزمن الملموس. فالمرحلة التاريخية المعاشة لهذه الأمة هي التي تقرر في النهاية كما قلنا الحقائق التاريخية تلك، مدفوعة بعفويتها لا بالعوامل التي تحددها الشخصيات بشكل مجرد، أما دور الشخصيات والأيديولوجيات، والأحزاب، فهو رعاية هذه المقومات وتفسير آلية عملها، وممارستها عبر الواقع، أو العمل على محاربتها وعرقلة حركتها، وعدم السماح بممارستها في الواقع. أما الوعي القومي في اتجاهه الذاتي، فهو وعي يعبر عن إرادة الأمة في تغيير موقعها ونفسها، وتحقيق ذاتها التي تكونت أو في طريقها إلى التكوين، وهو ذاتي أيضاً على اعتبار أن الأمة ذات تاريخية. والأبعد من ذلك، أن الوعي القومي نفسه يتحول إلى وسيلة ليكوِّن الأمة بمعنى من المعاني،وذلك بفعل العلاقة الجدلية بين الواقع والفكر. فالوعي لا يعكس العالم الموضوعي فحسب، بل يساعد على خلقه. ولكون القومية تعني وعياً للذات، فهي حسب قانون الانعكاس هذا، تعيد إنتاج ذاتها وتبلورها، مثلما تصبح قادرة على التكيف مع الصورة التي ابتدعتها هي عن نفسها وتقبلتها عبر حاملها الاجتماعي. هكذا نرى أن كل أمة من الأمم تشكل وجوداً مادياً /انطولوجياً/، مثلما تشكل وجوداً معنوياً ـ روحياً وثقافياًـ أيضاً. والأمم التي استطاعت عبر تاريخها أن توجد حضارة، لا يمكن لأية قوة أخرى أن تقضي عليها أو تلغيها أو تذوبها فيها. فالأمة قد تضعف وتستعبد وتجزأ وتحاصر مقومات وجودها وشعورها بذاتها، كأن يسعى الآخرون لمحاربة لغتها وثقافتها وانتمائها لماضيها وعاداتها وتقاليدها وقيمها، إلا أنها لايمكن أن تتلاشى وتذوب، وهي دائماً بأفرادها ومؤسساتها السياسية والاجتماعية والثقافية، تعمل بهذا الشكل أو ذاك وفقاً للظروف التاريخية المعاشة، على تأكيد ذاتها، وفرض حالة تمايزها عن الآخر، والسعي للمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية وفقاً للمكانة التي تتمتع بها. انطلاقاً مما تقدمنا به نعود الآن للنظر في واقع الأمة العربية، على اعتبارها أمة حققت عبر تاريخها الطويل وجوداً تاريخياً حقيقياً، أي شكلت أمة وجودها المادي والمعنوي المتميز في فترات طويلة من تاريخها قبل أن تتعرض لتلك النكسات الحادة من قبل الآخر، مثل محاولات إلغائها وتذويبها، أو تذريرها وتهميشها وإبعادها عن ممارسة دورها الحضاري. إن ما تعانيه أمتنا العربية الآن من تخلف وتبعية وتجزئة، يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا التردي من جهة، مثلما يدفعنا أيضاً للتساؤل في الوضعية التاريخية الراهنة لمقومات القومية وبالتالي، عن درجة وعي الأمة العربية لذاتها، وماهي الآفاق المستقبلية لهذا الوعي في مضمار التحولات العالمية الجديدة ونظام العولمة... الخ. على العموم نقول هنا: إن قدر أمتنا العربية هو وجودها في بقعة من العالم شكلت منذ قدم التاريخ، ولم تزل تشكل، محط أنظار الأمم الأخرى وسعيها للسيطرة عليها. إن مما تتمتع به الأمة العربية من موقع استراتيجي معروف، إضافة إلى موقعها الحضاري /الديني/، وما تمتلكه من ثروات طبيعية، كان وراء جملة الصراعات الداخلية الداخلية بين أبناء الأمة العربية مع بعضهم بعضاً، مثلما كان أيضاً وراء الصراعات الداخلية الخارجية التي ابتدأت منذ مئات السنين قبل الميلاد، ولم تزل دائرة حتى تاريخه. ورغم هذه الصراعات التي كانت في بعض مواقعها تصفوية من قبل هذه الدولة لتلك، وخاصة في حقلها الداخلي، إلا أن المجموعات البشرية العربية التي عاشت في هذه المنطقة الجغرافية استطاعت عبر سيرورتها وصيرورتها التاريخية، أن تشكل مجموعة سمات وخصائص /مقومات/ خاصة بكل مجموعة على حدة، إضافة إلى تلك المقومات العامة المشتركة بشقيها السائد والمتنحي التي فرضتها الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في فترات زمنية سابقة، قبل أن تتشرذم هذه المجموعات وتتحول إلى دول متناثرة هنا وهناك كما هو معروف تاريخياً. نقول رغم حالات الصراع وماترتب عليها من تفتيت وتذرير لهذه الأمة، وبالتالي ما استطاعت أن تفعله أيضاً حالات الصراع وتجلياتها من تفتيت وتذرير للسمات والخصائص المشتركة المشكلة للوجود الحقيقي لهذه الجماعات في صيغة /أمة/، عبر تاريخها، إلا أن هذه الجماعات في وضعيتها المشخصة أعلاه، غالباً ما كانت تتجاوز حالات صراعاتها لتعبر عن مواقف مشتركة لها تجاه الأخطار التي تتعرض لها بين فترة وأخرى. وبتعبير آخر، كانت هذه الجماعات المتفرقة عندما تتعرض لخطر مشترك تعمل على إعادة إنتاج وعيها لذاتها بشكل عفوي تحدد طبيعته ودرجة قوته أو ضعفه المرحلة التاريخية المعاشة آنذاك، وهذا ما جرى في ذي قار، أو في عام الفيل، على سبيل المثال لا الحصر. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |