جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب ـــ عبد الله الشاهر

يتجه الباحث عدنان عويد في كتابه هذا إلى قراءة معاصرة قامت على تصور معرفي واسع حاول أن يسلط الضوء على مفهوم شغل الناس كثيراً وترك آثاراً سلبية لا زالت نتائجها قائمة إلى يومنا هذا، وبالرغم مما كتب في هذا المجال فإننا نلمح رؤية جديدة وقراءة نص تاريخي بشكل مفتوح ترك أثراً في المتلقي بحيث استطاع الكاتب أن يترك مجالاً للقارئ بأن يقف ويحلل وهي ميزة استطاع أن ينجح بها الكاتب بجدارة إذ أشرك القارئ وحرضه على المشاركة مما أدى إلى خلق حوار ذاتي في النص الواحد.‏

الكتاب تضمن خمس دراسات هي التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب وهي التي اعتمدت عنواناً شاملاً للكتاب والثانية الحركة الوهابية قراءة للحاضر في ضوء الماضي أما الثالثة فقد جاءت في الاستبداد والاستبداد المنير والدراسة الرابعة هي قراءة في تجربة محمد علي باشا مستبد أم مستبد عادل ويختم الكاتب كتابه في الدراسة الخامسة حول الإصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر والمشروع النهضوي المفوت.‏

وبالرغم من أن الكاتب طرح عناوين واسعة تفوق حجم الكتاب إلا أنه استطاع أن يحشد أفكاراً كثيرة بحيث كثّف أفكاره إلى درجة كبيرة سمحت لأن يكون الكتاب قابلاً للتشكل مرة أخرى، ومع أننا نلمح أن الكاتب وفي حالات كثيرة قد تعاطى مع الوقائع والأحداث بالتزام مسبق بموقف أيديولوجي أو قناعات خاصة يذهب به بعيداً في تفسير وتأويل بعض الأحداث وبغير ما يشير به ظاهرها أو يؤكده مضمونها ليظل دوماً في السياق الذي اختطه لنفسه وألزم به نفسه مما حمّل النص بعض المغالاة في إصدار أحكام قد لا تحتمل.‏

إذن فالكتاب مجال رحب للحوار لغناه بالأفكار ولتداخل المفاهيم فيها ولذا سأقصر قراءتي هذه في جملة من النقاط التي أراها تمثل محور العمل إذ أن القراءة تطول لو أردنا أن نتعرض لمجمل الأفكار الواردة في الكتاب بداية لقد حقق الكاتب عرضاً تاريخياً منطقياً في مسألة التبشير وعلاقة الكنيسة وانقساماتها وتأثيرها على الدولة العثمانية والوطن العربي بشكل خاص مما جعل القارئ يستنير بركائز تاريخية كان لا بد منها وإن جاءت تحليلية في غالبيتها إذ طغى فيها رأي الكاتب وشواهده مما أضاع الروح التاريخية فيها لتتحول إلى تصورات استنتاجية بروح الكاتب وهي ميزة جمعت بين النص التاريخي وقراءة الباحث مما أتاح للقارئ أن يخرج برأي ثالث إضافة إلى أنه استطاع أن يكسر تقريرية النص التاريخي وجموده الممل في كثير من الأحيان، مع تحفظنا على جوانب كثيرة من هذا البحث وخصوصاً في جانب الأقليات الدينية وعلاقتها بالقوى الخارجية، علماً أن الكاتب أوضح أهداف التبشير ومراميه وأن التبشير أوجد الحركة الصهيونية وهي أخطر ما قام به التبشير، فالتبشير كان يرمي إلى محو إلى كل ما في الشرق وبهذا يمكن إعادة الرؤيا على هذا المبحث انطلاقاً من نتائج الأحداث والوقائع، وهنا يبدو الكاتب قد أزاح شيئاً من معقولية الحدث إلى آثار الحدث وبقراءة ارتجاعية استطاع من خلالها أن يرتب النصوص ليصل إلى النتائج.‏

في الحركة الوهابية يبدو الباحث أكثر انفتاحاً لأنه انطلق من قراءة للحاضر في ضوء الماضي فحلل أسباب تشكل الحركة الوهابية وانتشارها وتوسعها إلا أنه وقع في متاهة الربط بين أهداف الحركة النظرية وتطبيقاتها العملية فأصدر أحكاماً متفاوتة مما أوصله إلى نتائج كانت المقاربات فيها لا تصل إلى الحدود المطلوبة مع أننا نلحظ جهداً مكثفاً في تحليل الرؤيا الفكرية للحركة ومواقفها السياسية وإن الباحث اعتمد في نشر نصه التحليلي على مقدمات سليمة لكن الأحكام جاءت غير مطابقة للمقدمات مما يحيلنا إلى حوارات واسعة في هذا الجانب وخصوصاً في مسألتين أساسيتين الأولى أنها قامت على تجسيد مصالح الوجهاء والقهر والتفاوت الطبقيين والثانية أنها دعوة تتجه إلى الوئام الاجتماعي علماً أن الباحث كانت رؤاه واضحة من الناحية السياسية وموقف أوربا من الحركة الوهابية.‏

وفي كل الحالات لقد أجاد الباحث في لفت انتباه القارئ إلى الخروج من دائرة النص التاريخي والبحث عن قراءة تحليلية موشورية تسمح برؤى متعددة، فالحركة الوهابية جديرة بالدراسة وقد تبنى الباحث آراء على قدر كبير من الأهمية.‏

ويبدو الباحث في الاستبداد والاستبداد المستنير أكثر وضوحاً فقد استطاع أن يصل إلى مكاشفة تاريخية بين الاستبداد الأوربي ونتائجه وبين الاستبداد العربي وآثاره وإن مقولة المستبد العادل وقع فيها العرب لاختلاف الظرف التاريخي والمادي عن أوربا فكانت النتائج عكسية، وفي هذه الدراسة يحلل الباحث الأسس التي اعتمد عليها مفكرو عصر النهضة محاولاً إيجاد نواظم مشتركة فيما بينهم ليصل إلى مقولة أساسية هي أنهم آمنوا بنظرية المستبد العادل لعجزهم من الخروج عن مأزق التخلف وهنا يبدو لي أن الباحث قد جارى الحدث التاريخي بمصالحة غير مبررة لأن ما حصل هو عجز في مواجهة المستبد فأضفوا شرعية العدل على الاستبداد لعجزهم عن إزالة الاستبداد لا الخروج من مأزق التخلف ومع هذا فإن الكاتب أيقظ فينا روح الحلم والعودة إلى منابع المأساة وخرق رتابة الحياة فينا ليزجنا مباشرة في مواجهة مع قراءة جديدة حرّكت الراكد في ذواتنا. إن هذا البحث إيقاظ لذاكرة غفت على عادة التلقي دفعنا فيه الباحث إلى مواجهة نصية فيها من المعارضة أكثر مما فيها من المصالحة.‏

ويطرح الباحث في دراسته الرابعة تجربة محمد علي بسؤال واسع وكبير مؤداه أن محمد علي هل هو مستبد أم مستبد عادل، وقد تمخضت الدراسة عن رأي للباحث على قدر كبير من الأهمية بقوله أن محمد علي هو مستبد ديكتاتوري وما قام به من إصلاحات كانت خدمة لمصالحه الشخصية. إن هذا الرأي يقيم أفكاراً وينحي أخرى في كثير من الدراسات التي سبقت وبالتالي يمكننا القول إن هذا البحث حول تجربة محمد علي هي إسقاط لمفهوم المستبد العادل الذي يتضمن في داخله معنى التناقض لأن محمد علي لم يعلن أي بيان سياسي للحقوق ولم يجر أية إصلاحات حقيقية، وهنا يتفق الباحث تماماً مع منطق الحدث ويطابق الأحداث بسياقاتها دون تعميم أو مصالحة ليصل إلى نتائج صحيحة.‏

ويختم الباحث كتابه بدراسة شملت الإصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر والمشروع النهضوي المفوت ففي هذه الدراسة يسعى الكاتب إلى إيضاح صورة تفاوت القوى بين الصعود الأوربي والهبوط العثماني مما أدى إلى خلل لم تشعر به الدولة العثمانية إلا بعد أن أصبحت أوربا قوة تتدخل في شؤون الدولة العثمانية، ويرى الباحث أن العثمانيين حاولوا الحدّ من الانهيار بمشروع نهضوي مفوت نتيجة للسبق الذي حققته أوربا ولطبيعة النظام العثماني وخصوصاً في طبيعة الإنتاج وعلاقات الإنتاج مما أتاح لبروز ملامح تمايز تجسدت في الواقع العربي آنذاك منها بروز التيارات الفكرية ذات الاتجاه العقلاني وبروز الفكر القومي بصيغته الإسلامية ثم انتقالها إلى الصيغة العلمانية وفي هذه الدراسة تركزت جهود الباحث على رفع التناقض بين العقل والعمل في مواجهة صريحة بين ما قامت به أوربا وما بقيت عليه الدولة العثمانية واضعاً تحرك المشروع العربي نصب عينيه وسط زحام الضغط من الطرفين الأوربي والعثماني بآن معاً.‏

بشكل عام أظهر الباحث بوضوح تام وعلى امتداد أقسام كتابه الخمسة أن المواجهة بين العرب والغرب قد بقيت بين استراتيجية أوربية غربية تتمحور حول السعي للوصول إلى الاختراق المادي والروحي للإنسان العربي عبر مفاهيم دينية مذهبية تفتيتية ومحاولة إدخاله وإدماجه بالمنظومة الرأسمالية كتابع وبين نضال عربي يكابر ويقاوم ليس لنفي وإلغاء أشكال الهيمنة ولكن للحفاظ على الهوية ومقومات الشخصية والبعد عن الصراعات الدينية وفي أقصى الحالات المطالبة بالإصلاح وما التبشير في أساسه إلا ذلك الاختراق الكلي للشرق.‏

بعيداً عن كل تدخل يبقى الكتاب رؤية جديدة ومحاولة متميزة على مستوى تحليل النص بلغة قريبة من المتلقي ولم تكن صعبة الفهم، ونحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه القراءات التي تحاول تقويم الحدث التاريخي الذي كتب بدوافع خاصة ورغبات دفينة تماهت فيها الحقيقة إلى أن غابت في كثير من الأحداث.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244