|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
أسرار وقصص .. وراء أحداث أيار 1945 ـــ نصر الدين البحرة. ربما كان جيلنا، والجيل الذي سبقنا خاصة، من أكثر الناس شعوراً بمعنى الجلاء، ذاك أننا عشنا بعض النضال الذي خاضه شعبنا من أجل الاستقلال، وقدم سابقونا تضحيات أكبر، وأريقت منهم دماء، وسيقوا إلى المنافي والسجون، وشرد بعضهم خارج دياره، بعيداً عن أهله. ولسبب أدريه جيداً، لا أستطيع في مثل هذه المناسبة إلا أن أتذكر يوسف العظمة وأنا ـ ولست أذيع سراً ـ أزور ضريحه باستمرار، وأكاد أقف في حرمه كالجندي أمام قائده العظيم. آخر مرة تناولت غرسة صغيرة من المشتل الذي يجاور الضريح فغرستها في حديقة البناء الذي أسكن فيه.. وكلما رأيتها ذكرت ميسلون، وعادت إلى ذهني صورة البطل التاريخي الذي خرج لا... ليؤكد فحسب أن هذا الشعب يرفض الاستسلام، بل ليعلّم الأجيال الصاعدة معنى البطولة والفداء. كما قال أحمد شوقي، وهو يتحدث عن ضريحه: كأن بُناتَه رفعوا مناراً من الإخلاص أو نصبوا مثالا إذا مرت به الأجيال تترى سمعت لها أزيزاً وابتهالا تعلق في ضمائرهم صليباً وحلق في سرائرهم هلالا في الليالي الحالكات وأتذكر تلك السيدة الدمشقية الكهلة التي التحق ابنها بمجموعة حسن الخراط في غوطة دمشق، في خريف عام 1925، وأعرف هذه المرأة جيداً، وأعرف أيضاً أنها ـ خلافاً للصورة الشائعة عن نساء المدينة ـ شجعته وباركته، وكانت تذهب إليه في "الليالي الحالكات" ـ مثلما تقول كلمات النشيد ـ حاملة، في يديها الاثنتين سلتين نصفهما طعام ونصفهما الآخر... ذخيرة، مما قدرت أن تحصل عليه سراً في المدينة. وتقودني صورة ذلك الرجل الميسور ـ لا.. الغني ـ من حينا "مئذنة الشحم". كان لديه معمل صغير للحلوى، ينفق مما يجيئه منه على بيته وأهله، عن سعة ويسر... ويدّخر خلال ذلك قرشه الأبيض ليومه الأسود، كما يقول المثل. ولكن... عندما جاءت أخبار ثوار الغوطة، عرف الرجل أن هذا هو يوم القرش الأبيض فأخذ يقدم للرجال أقصى مايستطيع، على نحو لا يكشفه أمام المحتلين وعيونهم وعملائهم. تركوا العمل والتحقوا بالثورة .... ولقد أسعدني الحظ، فعرفت بعض أولئك الرجال وجهاً لوجه، من شيوخ الحي في أخريات أيامهم، وسمعت منهم ذكريات.. عن تلك الأيام... وحدثوني عن منفاهم الذي فروا إليه، عندما لم تحقق الثورة السورية هدفها، واستطاعت فرنسا الاستعمارية قمعها. كانوا أناساً أصحاب مهن يعيشون منها هم وعيالهم، غير أنهم وقد سمعوا نفير الثورة، هبّوا خفافاً، تركوا العمل، وأخذوا يتدبرون أمر سلاح يكون معهم... ثم مضوا إلى الغوطة.. مثلما فعل زملاء لهم في الثورة، إخوان في الوطن، في جبل العرب، وحوران والجولان وحمص وحماة وحلب واللاذقية ودير الزور.. والرقة والحسكة حتى القامشلي. لقد تمزقت شهور دراستنا تلك السنة ـ وكنت في الصف الخامس الابتدائي ـ نتيجة الإضرابات المتتالية، تطالب القوى الوطنية فيها بإنجاز الاستقلال الذي أعلن عنه عام 1943، وإنشاء الجيش السوري، والجلاء عن ربوع الوطن. وحدثت اشتباكات مباشرة كثيرة مع قوات الاحتلال الفرنسي. وأذكر بعضها في ساحة المرجة وشارع الملك فيصل، وشارع التجهيز ـ المؤدي إلى مدرسة التجهيز: ثانوية جودة الهاشمي حالياً، وقد أخذ الشارع اسم: المتنبي ـ وفي أحد هذه الأيام حوصرنا في هذه المدرسة التي كانت أحد معاقل الوطنية في سورية، وخرجنا منها بأعجوبة في الليل، وحين عدت إلى الدار في ذلك الوقت المتأخر وأنا ابن الحادية عشرة، فوجئت بنذر مناحة، كانت ستقام حداداً على روحي.. لو أنني تأخرت أكثر.... الأيام تمضي والكفاح يتصاعد كانت أيام أيار 1945 تمضي، ومع كل نهار تغيب شمسه، كان الكفاح يتصاعد، والدماء تزداد نزيفاً، والدمار والتخريب يلحقان بالمدينة، وأصوات الانفجارات وأزيز الرصاص ودوي القنابل تسمع في كل مكان في دمشق. الإضراب الكبير عام 1936 وترجع الأسباب الحقيقية للأحداث التي عاشتها سورية في هذا الشهر ـ أيار 1945 ـ وبلغت أوجها في التاسع والعشرين والثلاثين منه إلى اثنين من المفاصل الرئيسية في تاريخ سورية النضالي: 1 ـ الإضراب الكبير الذي شمل مختلف المدن السورية واستمر ستين يوماً عام 1936، ولم يتوقف إلا بإجبار المفوض السامي الفرنسي "دومارتيل" على إقالة حكومة تاج الدين الحسيني المتواطئة مع المحتلين، والإفراج عن الوطنيين المعتقلين، وعقد معاهدة مع فرنسا تقر استقلال سورية ووحدتها. وقد شكل وفد لهذا الغرض برئاسة السيد هاشم الأتاسي ضم خمسة آخرين من أعضاء الحكومة السورية حينذاك، سافر إلى باريس حيث خاض مفاوضات صعبة استمرت ستة أشهر، وانتهت إلى مشروع المعاهدة المشهورة، التي تحقق شكلاً مقبولاً انتقالياً من الاستقلال لسورية، بعد أن توافق عليها السلطتان التشريعيتان في البلدين. ولكن المشكلة أن المجلس النيابي في سورية وافق على مشروع المعاهدة، في حين ظلت فرنسا تسوّف وتماطل.. حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية عام 1939.... ولم تصادق الجمعية الوطنية الفرنسية على مشروع المعاهدة. "كاترو... والمصالح المشتركة".. 2 ـ اتفاق 23 كانون الأول 1943بين الحكومة السورية وبين الجنرال (كاترو) ممثل فرنسا الحرة، وقد نص على تسليم سورية (المصالح المشتركة)، مثل شركات المياه والكهرباء والجمارك والريجي، ومعاملات الخزينة، والبريد، والشؤون المالية.. والأمن العام، والقوات المسلحة. ونص الاتفاق أيضاً على أن يبدأ التسليم مع مطلع عام 1944.. ولكن فرنسا أرادت أن تلعب بورقة تسليم الجيش إلى أبعد مدى ممكن، بغية تحقيق هدف التوقيع على الاتفاق الذي يمنح فرنسا الامتيازات في سورية.. وهكذا راحت تتلاعب وتخاتل في تنفيذ البند الأهم في الاتفاق، وهو تسليم التشكيلات العسكرية السورية في الجيش الفرنسي (جيش الشرق)، وتشكيل جيش سوري. العودة .. من باب آخر ورغم ذلك فقد أصرت سورية على أن تغذ السير في طريق الاستقلال، فكان هناك مجلس نيابي ورئيس للجمهورية هو السيد شكري القوتلي عام 1943. .. وانجلى كل الغبار حين قدم الجنرال "بينيه" مندوباً عاماً وقائداً أعلى لجيش الشرق في سورية ولبنان، فقد أعلن هذا في تشرين الثاني عام 1944، أن شرط فرنسا لإعادة الجيش هو "توقيع معاهدة تعاون يُعترف لهم فيها بمركز ممتاز في سورية، أي إن فرنسا التي تصر على إخراجها من الباب، تريد البقاء، أو إعادة تشكيل دخولها من باب آخر... تحت اسم جديد... كان هذا في الواقع هو المغزى الحقيقي لكل ذلك الجيشان الوطني الذي عاشته البلاد مرة أخرى، ووصل إلى ذروته في أيار 1945. في موعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع أن يوم الثامن من أيار 1945 كان موعد إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن اليوم التالي، كان موعد هيجان الوحش الذي جرح جرحاً بليغاً، حينما هزمته الجحافل النازية الجرارة، مكتسحة الحدود والأراضي الفرنسية. تراها كانت تريد أن تثبت لنفسها أنها ما زالت قادرة على التصرف كدولة كبرى، متجاهلة هزيمتها الفظيعة أمام ألمانيا الهتلرية؟! مساء التاسع من أيار، استقل الجنود الفرنسيون سيارات عسكرية، وأخذوا يتجولون في شوارع دمشق، مطلقين الرصاص، على غير هدى.. من أجل إلقاء الذعر في نفوس الناس وإرهابهم.... وفي الليلة التالية، قام عدد من الضباط الفرنسيين بإلقاء متفجرات على مبنى المجلس النيابي السوري، فكان ذلك مما أجج الغضب والنقمة لدى أبناء الشعب.. فبدأت مظاهرات الاستنكار تجوب شوارع المدينة.. والمدن السورية الأخرى. أصيل 29 أيار 1945 لقد بلغ تصاعد الأحداث ذروته بعد ظهر ذلك اليوم: "29 أيار 1945" كان ذلك عند الأصيل. وقد بلغت مسامعنا، ونحن في ذلك البيت في دمشق القديمة، أصوات أزيز الرصاص والانفجارات المدوية. ولم يكن أحدٌ منا، بمن في ذلك الكبار يستطيع أن يعرف ما الذي يجري بالضبط، وإن يكونوا خمّنوا أن المعركة لاشك احتدمت بين قوات الاحتلال الفرنسي، والقوات الوطنية. في اليوم التالي، جاء أحد الأقرباء، ممن يعنون جيداً بشؤون السياسة ويتابعون الأخبار فروى لنا ماحدث بالأمس: فقد وجه الجنرال (اوليفا روجيه) إنذاراً إلى رئيس المجلس النيابي المغفور له سعد الله الجابري يهدد فيه بانتقام فرنسا من الوطنيين السوريين الذين يعتدون على الجنود الفرنسيين (كذا....!!)... ويطلب أن تقوم قوات الشرطة والدرك المرابطة حول المجلس بتحية العلم الفرنسي عند إنزاله في المساء عن دار أركان الحرب الفرنسية، المواجهة للمجلس النيابي ـ وكانت معروفة في دمشق باسمها الفرنسي: إتاماجور ETAT - MAJOR ورفض رئيس المجلس النيابي الإنذار. وأوعز، إلى قائد الدرك العام بألا تستجيب قوات الشرطة والدرك له. الجابري يدعو النواب إلى النضال .. من جانب آخر كان مقرراً أن يعقد المجلس النيابي ذلك المساء جلسة استثنائية لبحث تطورات الموقف، ولكن الرئيس الجابري، وقد علم بخطة أوليفا روجيه الرامية إلى ضرب المجلس بالقنابل والقضاء على نواب الشعب، في أثناء انعقاد الجلسة، بعث رسلاً إلى النواب أبلغوهم قرار الرئيس بألا يحضروا، وأن يذهب كل منهم إلى منطقته الانتخابية ليناضل مع أبناء الشعب. كانت الساعة تقترب من السادسة عندما أتم الفرنسيون تطويق مبنى المجلس النيابي بالمصفحات والدبابات. وبعد قليل ـ الساعة السادسة والدقيقة الخمسين مساءً ـ أخذ الجنود الفرنسيون المرابطون في شارع النصر يطلقون نيران رشاشاتهم على المتظاهرين، وكانوا في معظمهم من الأحداث والمراهقين. ولم تكد تمضي خمس دقائق أخرى، حتى كان الجنود الفرنسيون يقصفون مبنى المجلس النيابي بقنابل مدافع الهاون والدبابات والمصفحات المحيطة به. وقبل ذلك كان ضابط فرنسي قد اتصل هاتفياً برئيس حامية المجلس النيابي طالباً تحية العلم الفرنسي حين إنزاله، وعندما أبلغ رئيس المجلس بذلك صرح قائلاً: "لا يمكن أن تأخذوا التحية لهؤلاء الأنذال الكلاب.".. معركة المجلس النيابي وبدأت معركة المجلس النيابي فالمجزرة. فلقد ظل رجال الحامية يقاتلون حتى نفذت ذخيرتهم، وكانوا يتساقطون صرعى واحداً بعد آخر... وعندما دخل الجنود الفرنسيون مبنى المجلس كانوا يطلقون النار، على كل من يرونه... ثم لم يلبثوا أن مثلوا بالضحايا بالسواطير التي كانت في أيديهم والحراب. وهكذا استشهد أفراد الحماية جميعاً وعددهم ثمانية وعشرون.. ونجا واحد فقط بأعجوبة. لم يكتف جنود الاحتلال بالدماء التي سفكوها داخل مبنى المجلس، بل إنهم نهبوا مافي جيوب الشهداء وأيديهم.. من ساعة أو خاتم، وسلبوا صندوق محاسبة المجلس، ونهبوا أثاثه وأحرقوا مستنداته ووثائقه. ولم تقتصر أعمال النهب على المجلس النيابي بل شملت مختلف الدوائر الرسمية والمؤسسات العامة والمساجد، وسقطت قنابلهم على المشافي ودار التوليد ومراكز الإسعاف في المدينة.. حتى مركز نقطة الحليب. الحزن لم يشل قلب دمشق أو عقلها ونامت دمشق ليلة حزينة حمراء... لكن ذلك الحزن لم يشل قلبها ولا عقلها، وهذا ماكان يحدث في المدن السورية الأخرى والبلدات، ذلك أن معظم المتطوعين في الجيش الفرنسي من ضباط وضباط صف وأفراد، غادروا مواقعهم وانضموا إلى القوى الوطنية مع رجال الدرك والشرطة للدفاع عن البلاد، في وجه هذا العدوان الشرس، وتلك الهجمة اللئيمة. ... وأذكر ماحدث جيداً صبيحة اليوم التالي، فقد عايشته شخصياً، ذاك أن قصف الطائرات الفرنسية ضحى 30 أيار طال سجن القلعة.. فدبت الفوضى، واغتنم اللصوص والأشقياء الفرصة للنهب، فأقبلوا على مستودعات الذخيرة في القلعة، يسلبون ما تطوله أيديهم من بنادق ومسدسات وقنابل ـ رمانات ـ وقد رأيت بأم عيني كيف هرع رجال الشرطة والدرك، وأصحاب الشهامة في أحياء المدينة، لاستعادة تلك الأسلحة وإيداعها مخافر الشرطة، وقد شهدت ذلك النهار إصابة اثنين من رجال الشرطة، ومصرع رجل من حينا مايزال اسمه في القلب: "أبو شهاب".. .. في ذلك اليوم استطاع الرئيس الجابري أن يهرب إلى بيروت في سيارة البطريرك الروسي وهناك في ساحة الشهداء "البرج"، ألقى خطاباً لاهباً، تناقلته وكالات الأنباء الدولية، وعرف العالم كله وحشية العدوان الفرنسي.. على سورية. أفاقت دمشق في اليوم التالي 30 أيار 1945 على صباح كُحْلِّي حزين، ولم تكن قد عرفت كيف تنام في الليلة الفائتة، فإن أصوات القذائف المختلفة التي انطلقت في المساء نحو المجلس النيابي تواصلت فكانت أصداؤها تسمع في مختلف أحياء المدينة. الأقرباء يجتمعون في دمشق القديمة. وقبل أن يجيء وقت الضحى، كان معظم أقربائنا الأدنين قد أتوا إلى منزلنا في مئذنة الشحم ـ وهو في الواقع منزل جدي ـ وأصوات القصف وأزيز الرصاص التي ظلت تتردد في سماء المدينة في الليلة الماضية، عادت لتهز الفضاء بقوة، وقد أضيف إليها صعود الطيران الفرنسي الحربي الذي راح يسقط قنابله على أنحاء مختلفة من المدينة ـ وقد رأيت إحداها في فضاء المنزل.. غير الفسيح ـ جمعتنا جدتي أم رشيد في كبرى غرف المنزل، وطلبت إلينا أن نمسك "اللطيفية" أي أن نتوجه بالرجاء إلى الله تعالى، أن يلطف بنا مرددين القول "يالطيف! يا لطيف!".. كانت الغرفة معتمة، لا ترى الشمس على الإطلاق، وقد يكفي النور الواصل إليها كي يرى الواحد الآخر. انسللت من الغرفة، رغم تحذيرات أمي الملحة بألا أغادر الدار، انحدرت على الدرج الحجري الطويل، دون أن أحدث صوتاً، فيما الكبار من أهلنا غارقون في حديث طويل جداً حول مايجري. أبو شهاب يطارد اللصوص كان بين شبان حارتنا "أبو شهاب": عتال في سوق البزورية، طوال، أسود العينين، وسيم الوجه، طلق المحيا، تبوح قسماته بالشهامة والجرأة اللتين انطوى عليهما. ماكدت أصل إلى مصلبة الحارة حتى رأيته عائداً من شارع "مدحة باشا" وقد حمل على كتفيه عدة بنادق حربية، وتزنَّر بمسدسين كبيرين، وثمة رمانات، "قنابل يدوية" شكلها في زناره، كان منهمكاً تماماً، واشتعل في وجهه غضب شديد. تبعته فلم ينزعج، ذاك أنه كان يعرفني ويعرف أهلي جيداً، وإذا هو يتجه نحو مخفر شرطة الحي ـ وكنا ندعوه بالكلمة التركية: كركول، لكننا نجعل اللام نوناً ـ فيضع حمله هناك، ثم يعود من حيث أتى. كان رجال الدرك والشرطة، منذ أن أصدر المجلس النيابي في 24/5/1945 قانوناً بتشكيل حرس أهلي، قد انضموا جميعاً إلى القوات الوطنية، وكانت نواتها الضباط والجنود السوريين المنضويين في ماكان يدعى "جيش الشرق"، الفرنسي، ـ كما ذكرنا ـ ولقد أدار هؤلاء ظهورهم جميعاً في اللحظة الحاسمة إلى المحتلين وأعلنوا انتماءهم إلى الوطن، في وقت محنته، وأذكر أنني رأيت عدداً من قوات الشرطة والدرك، موزعين على نقاط في حارتنا ـ وبقية الحارات. بالطبع ـ لحفظ الأمن.. ومواجهة الطوارئ. كان معظم ذخيرة هؤلاء الرجال، مع كثير من سلاحهم مخزوناً في قلعة دمشق، وهي سجن، وفي الآن ذاته مركز أمني، ولاشك أن هذا هو الذي جعلها هدفاً لقنابل الطائرات الفرنسية. الأشقياء يغتنمون الفرصة وكما يحدث في مختلف أنحاء الأرض، في مثل هذه المناسبات، فإن الأشقياء اغتنموا الفرصة، وانهالوا نهباً على الأسلحة والذخائر، وقد رأيت بأم عيني رجلاً يقود حماراً وقد امتلأت الزكيبتان عن جانبيه، رمانات ومسدسات، وعندما تصدى له رقيب من الشرطة من أبناء الحي: "نوري الزيبق"، قصفه بإحدى الرمانات.... فأصيب إصابات بالغة.. كاد يلقى وجه ربه إثرها. هذه، إذاً المهمة التي انتدب أبو شهاب نفسه لها: استعادة الذخائر والأسلحة المنهوبة، وكنت أماشيه ذهاباً وإياباً مثل ظله، من قرب القلعة حتى مخفر الشرطة، يدفعني فضول محرق عجيب، واستهتار يميز من هم في مثل عمري يومذاك. ولقد شعرت بزهو كبير حين سمح لي أبو شهاب أن أتنكب إحدى البنادق ذات مرة. في طريق العودة. ... وترددت في الحارة ذلك النهار أخبار هروب السجناء من القلعة، وتبادل الناس ما تناهى إلى أسماعهم، عن المجزرة التي أقامها القتلة الفرنسيون لحرس المجلس النيابي.. بالأمس. ... وتتابعت الإضرابات حتى ساعة متأخرة من الليل، وشهدت حارتنا تظاهرات صاخبة رافقها إطلاق نار، قام به بعض الأهالي.. لكننا فجعنا حين علمنا أن أبا شهاب، قتلته رصاصة مجهولة تلك الليلة. أبو شهاب في ذمة الله أفاقت الحارة في اليوم التالي على صباح حزين آخر، فإن الناس جميعاً يحبون أبا شهاب ولم يكن أحد ليتصور أن يُغتال على ذلك النحو. شيع جثمانه في موكب مهيب، حتى تربة "الباب الصغير"، حيث ووري الثرى، وهناك وقف أحد وجوه الحي، مدرس اللغة العربية حسن العشي، يؤبنه.. وكان خطابه مؤثراً إلى درجة أنه جعل بعض الرجال يكفكفون دموعهم، وغضبوا كثيرا ًحين تأكد لهم أن أبا شهاب لم يقتله رصاص الاحتلال، فقد تربص له أحد الأشقياء ممن أخذ منهم ما نهبوه من مخازن الذخيرة والسلاح في القلعة... كنا جميعاً نعرف قاتل أبي شهاب، وهو ليس من أهل الحي الأصلاء، بل من الساكنين فيه، غير أن أحداً لم يره رأي العين.. وهو يصوب مسدسه نحو الشهيد العظيم. ومرت الأيام، لم يسائل أحد القاتل الخسيس الدنيء.. لكن أحداً لم يعد يبادله التحية. فغادر الحارة بعد شهور قليلة.. ثم سمعت أنه مات ميتة بشعة. .. لقد مرت اليوم خمس وخمسون سنة، على تلك الذكريات المريرة الفاجعة، ونحن إذ ننعم الآن بثمار الاستقلال الجميل، وقد نلناه بعد ربع قرن من الدماء والدموع والضحايا، ننحني إجلالاً لأولئك الناس الذين ضحوا بأرواحهم في سبيله، الجنود المجهولين، أمثال أبي شهاب، من أصغر قرية في الوطن إلى أكبر مدينة فيه، في الجنوب والشمال، في الشرق والغرب، على شواطئ البحر وفي فيافي الصحراء، في سفوح الجبال وأعاليها.. وفي السهول والوديان، وأكاد أرى في أعماق التراب، حيث تنبت كل زهرة برية.. دماء شهدائنا العظام. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |