|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
أيام.. كانت لنا ـــ ناشد سعيد إلى الصديق الشاعر ممدوح السكاف، رفيق الحرف الأخير!.. .. في غضون أربعة أشهر، وبضعة أيام، غاب وجها القمر: مسعود، وهاني. د. مسعود بوبو، ود. هاني الراهب. رفيقا الصبا، والشباب، والكهولة.. والشيخوخة، وباختصار: خدينا العمر الجميل. .. خمسون عاماً، مذ التقينا ثلاثتنا في ثانوية البنين جول جمال) حالياً في اللاذقية، وتزاملنا لأربع سنوات على مقاعد الدراسة، طوال مرحلة الإعدادية: من عام 950 إلى عام 954) من قبل أن يمسك أي منا قلماً، ويخط به سطوراً على الرمال، شأن هاني، أو سطوراً على الماء، شأن مسعود، أو سطوراً في الهواء، كما أظن شأني!. .. ثم يبعدني عنهما الجيش، أحد عشر عاماً 956- 967) ولا نعود نلتقي إلا لماماً، حيث تجمعنا ربوع "مشقيتا" في عطلة الربيع، أو إجازة العيد، وتنوب الرسائل تارة عن اللقاء، وتارة تكون دفاتر مذكراتنا، محل البوح، ومرتع الأشواق. .. كنت وهاني، مواظبين على كتابة المذكرات، وبدرجة أقل، كان مسعود يفعل. ولهاني "مجلدات" من دفاتر المذكرات، تربو صفحاتها على الآلاف، ولا أبالغ إذا قلت، أنها تفوق بمرات، مجمل الروايات التي صدرت له، وتزيد عليها، لكونها تمثل نبض الحياة الحيّ والحار، قبل أن يضيف إليها "برودة الفن" ويجعل منها الروايات التي يعرفها الناس: ذلك أن أحداث 90% من رواياته مأخوذة من صفحات تلك المذكرات. واليوم وقد غاب وجها القمر، هاني ومسعود، أصبحتُ لا أتمثل نفسي، إلا بقول الشاعر عبد المنعم الرفاعي)1: جنحتْ إلى أفق المغيب، مراكبي، وتفرّق الأحبابُ وبقيت وحدي، وعزّتي، والأدب الرفيع، صحاب وإني لأتساءل: هل يموت النهر؟ وهل يجف البحر؟ ذلك أن روايات هاني، كانت بمثابة النهر الدافق الذي رفد وأغنى مجرى الرواية العربية المعاصرة. وكانت إبداعات مسعود، وأفكاره، كما البحر الزاخر، المليء بالجواهر والدرر. .. وعندما أعود إلى دفاتر مذكراتي، أقلّب صفحاتها، ولعل التعبير الأصحّ: أقلّب سنواتها، تطالعني فيها سطور خطّها مسعود، وسطور أخرى خطّها هاني، ومنذ متى؟ منذ ثلاثين، وخمس وثلاثين، بل وأربعين سنة، يوم كنا نهم بطرق أبواب الحياة، وعدّتنا أقلام فتية، وأفكار ثورية، وآمال وأحلام لا نهاية لها. أعيد قراءتها الآن، فأحس بأني، وإياها، لا زلنا نتحاور، ولا زلنا نبوح، ولا زلنا نحب!.. .. وإلى قراء "الأسبوع الأدبي" وفيهم كل حبيب وصديق، ومنهم من لا يهمه الأمر، أسوق أنموذجين من هذه السطور، للعزيزين الراحلين، ليتعرّفوا إليهما، في البدايات، كما تعرفوا إليهما في النهايات، وعذراً، إذ لم أرثيهما، فما باستطاعتي أن أرثي نفسي! زارني مسعود في دمشق، وقد قدم لامتحان الجامعة، كنت عسكرياً، وعلى أهبة السفر في مهمة إلى دير الزور) فأنزلته مسكني، وسافرت، ولما عدت بعد أسبوع، كان قد فرغ من الامتحان، وبتنا ليلتنا معاً، فكتب معلّقاً على آخر فقرة من مذكراتي: بقوله: لا.. لن تكون أسعد الخ... لقد قاربت الثلاثين، وهذا أنضج سن للزواج. وإني سعيد بلا زواج ولكن، ألا يمكن أن أكون أسعد فيما لو تزوجت، وخاصة من ملك!!. دمشق 8/6/966: الواحدة والنصف إلا خمس لا.. لن تكون أسعد لو تزوجت! قد تتغيّر نوعية الحياة قليلاً تصعّد أساك وتهزّمه، أو يزداد ويتأزم.. لكنك لن تكون أسعد.. الإنسان العادي، الغفل، الملقى عبثاً واعتباطاً على الأرض الطيبة أو النجسة قد يكون أسعد.. أو أغفل من أن يحمل ربقة مغالبة الفكر ومشادّته.. لكنك عندما ترتفع عن حضيض العادية.. وإسفاف القطيع ومراعيه المستنقعية عند ذاك لن تكون سعيداً... لن تقنع بشيء، لا بالزواج ولا بالمجد الحياتي المضيع، ولا بالرضا عن حاضرك.. إنكَ أبداً ستصبو إلى شيء جديد.. تتشوف مشارف آفاق جديدة بطموح الرغبة والاكتشاف والتمرد على الرتابة، رتابة الآخرين في النوم والأكل.. والزواج أو ترضيك امرأة؟ ليكون بإمكانها ذلك عليها أن تفهمك.. لا ادري لمَ أزج نفسي في مثل هذا الموضوع المديد؟! مع أنني أتمنى لك أن تكون أسعد.. الأمنية التي نحلم بها عبثاً. وفي مرات خاطفة نخادع أنفسنا، ونكابر ونتوهم السعادة بهبة ريح رخية في مواسم الجفاف والقيظ.. ثمة حزن عميق يقيل فوق رأسي، ترى أمن جرائه أتحدث عن السعادة بمثل هذا العداء؟! أم لأنه واقعنا القسري!! أحس السعادة للحظات عابرات.. أحسّها واحة مضيعة في سعير الرمضاء القصية المدى.. أحسها راحة آنية معزية، مغايرة، تزمزم في الرأس هوناً ما.. ثم تتلاشى، وتترك صدىً ما.. هو الخزين النهائي ونهاية المطاف وعندما أتيت دمشق منذ أسبوع لأداء امتحان الجامعة، لم أكن بمثل هذه الواحة البليلة حالماً، لكنها أمامي الآن.. واحة متواضعة وأكثر عزاءً: بعض حبات زيتون معطوبة، لا تملك غيرها ليؤكل.. والساعة تتك على الطاولة، وينبح في الخارج كلب سؤوم، وتتنهد سيارة ما، ثم تهمهم ويخمد محركها.. وأنت.. ملقى في سريرك تحتضن رأسك وسادتان.. تسعل بين لحظة وأخرى.. لعلها آثار النرجيلة التي تقاسمناها قبل قليل؟! ولا شيء آخر.. سوى ذبابة فاسقة لا أدري كيف وفدت إلى قبونا الواطئ.. وهنا في قلب العاصمة.. منبع حضارة البلاد يثقب الليل صوت صرصور عند نافذة المستوصف، فوقنا.. تصور.. صرصور في المستوصف!!! شدّ ما تكثر الصراصير في العاصمة؟! هذه هي الواحة.. نستروح في ظلالها ريحاً ندية، ونجعلها ملاذاً من هجير الغربة المرمض.. منذ أسبوع كامل أستبيح هدأة هذا القبو ورطوبته الصيفية.. تنازلت لي عن عش جد هادئ وأنيق وسافرت في مهمتك إلى الدير) تستظل هجيره الصحراوي، فكان القبو الواحة المعزية لوهلة.. وكان الراحة الآنية التي زمزمت في رأسي، والتي ستترك صدى ينسم فوق الذهن يوم أنزوي عند مِجْداح البحر شمال المدينة، في وحدة صيفية، لن تكون أكثر من منفى أسيان.. عرفت دمشق وليالها المكمودة لسنوات قبلاً، وأتيت منذ أيام ولم أجنِ سوى الخيبة إثر الخيبة: خيبة السهرات حتى الصباح، وخيبة الامتحان والأصدقاء والمثل.. وخاصة خيبة التغيير.. لمَ لم أبق كما كنت طيلة الشتاء وحيداً في الغرفة المغلقة، أتأمل زرقة البحر يتمرغ عليها شعاع القمر والشمس وأصغى إلى وشوشة الرمال الشقراء المجهدة وإلى العناق الساجي العميق، وشفتا البحر بشفتى الرمال.. لمَ لم أفعل ذلك وأعوم فوق هذه القيم المغلوطة التي يحاول الآخرون بكل ضحالتهم أن يسوقونا على دروبها؟؟ ناشد.. العزاء لديك لأنك أقل تعقيداً وأكثر صراحة، وأبعد انتظاراً للمردود.. للمقايضة الصداقية.. وعندما تُوقِفُ حبل صلتك بالناس تجد سبباً ومبرراً.. ولكن الآخرين ينتهون كأصدقاء، وكعلاقات، صلتهم تنتهي بكل بساطة لأنها لم تكن أصلاً.. أولئك الآخرون، حصالات النقود، والعابرون العجز على رقابنا، والذين يودوننا أن نكون مستمعين عاملين في قاعات فوقيتهم القتيلة الصدى، وأن نكون ألواح دعاية لتصعيد وتنفيس عقدهم، وجسوراً لعبورهم السقيم الأبله إلى جهنم التيه والصَّغار أنت كفيل بالصخرة يا سيّد سيزيف وحدك.. حسناً، ولكن لمَ تحمل الآخرين وأنت تحس ثقل هموم الرواسي الثقال الثقال.. بعد قليل تصير الساعة الثالثة من الصباح.. وشخيرك الآن يطغى على بقية أصوات العاصمة المسموعة.. وشربتُ حثالة كأسي وتبعثرت في المنفضة أعقاب السجائر وفصوص الزيتون، ولا تزال الذبابة الفاسقة تشرّق وتغرّب تحت مصباح الطاولة، تصدر غُناناً واهناً من جناحيها النجسين، والصور العارية قتيلة على الجدران.. شدما ستصدي في أعماقي مثل هذه المرئيات الصغيرة عندما سأسافر.. الثالثة الآن من الصباح.. ولا أحس النعاس، وأحلم بمدينة لا ضوء فيها، ولا حراس ليليين، وما في سمائها قمر معلق.. لأهيم على وجهي في طيات الظلمة السحيمة حتى أكلَّ وأرتمي متشفياً من أرق ليل العاصمة وضوئها وضوضائها، نشيد النشاز العكر الذي لا ينتهي.. من لي بشاطئ بحري موحش خلف المدينة، تهجره طيور النورس والشمس والمتجولون منذ المساء، أترنح صوبه بخطاً كسلى أرتمي على رماله المخملية حتى الهزيع الأخير، وأعود مشرباً برائحة الملح والتعب، مرهقاً كأي فلاح ينسى أن له امرأة في مواسم الحصاد. وكنت وهاني لم نلتق منذ مدة طويلة؛ وعندما التقينا، وحان موعد الفراق من جديد، كتب يقول: صباح الجمعة 30/6/1961- عرنوس- 24. سوف نفترق غداً لبعض الزمن، غير أن الأشياء التي نمت عفوية وعميقة بيننا بعد سلسلة من الاصطدامات، ستكون لأول مرة مدعاة لحزن أبدي. إني أشعر وأنا أتركك إلى اللاذقية بنفس السؤال الذي يملأ عروقي كلما صادفت رحيلاً مؤلماً من هذا النوع، وهو: أقدر عليّ ألا ألتقي بمن أحبهم إلا لفترة قصيرة؟ ويبدو أخيراً أن هذا الشهر الذي عشناه في سرير واحد كان دلالة على بلورة اتحادنا النهائي. لقد شعرت باضطراب مزعج في كل مرة أزعجتك فيها، غير أن هذا الانفعال كان أقلّ من ندبات البكاء التي كانت تنتابني دون أن تنتهي بأية دمعة تخفف عنها، والتي بلغت أمس ذروتها عندما أيقنتُ أخيراً أن تجاربك قد أعطتك دقيقة واحدة هي أن لا حقيقة لشيء هذا العالم ولا وجه صادقاً. غير أن فترة الإخصاب هذه لن تتمخض عن عقم حتماً. فما دمنا نعيش فعلينا أن نجد لحياتنا معنى يمنعنا من الانتحار، ولا يلوح هذا المنال قريباً، غير أنه كبير التسرية أن نلتقي معاً بهذا الانفتاح العميق وفي هذه الحقبة الجاحدة من الحياة فنتكئ عند الحاجة على بعضنا، ولا بأس إذا شعرنا يوماً بحزن وفراق وكآبة الانفصال فهناك التقاء أخير لا فراق بعده. لقد خلا العالم من كل شيء إلا إيماننا بلفتة مراعاة محبة وإدراك كل منا لبؤس الآخر وحلقة حياته المفرغة. لقد كنت مساء أمس في جوبر وعندما مررت أمام الشارع الذي يؤدي إلى بيتك ركدت عيناي بصمت على امتداد الطريق الغارق في قلب الليل وأحسست مرة أخرى بالشعور الذي يحسه إنسان يبني بيوتاً له يسكن فيها أبداً، وأبداً يبقى على تشرده واستجداء حنان دنياه. بالرغم من أنه مروع أن تكتشف انعدام القيم وزيف المستويات الأخلاقية كلها، فهو ميزة الذين يحبون العالم ويفهمونه أكثر ويريدون من تفاعلهم معه أن يصلوا إلى حلول أزلية أو نتائج تزيل قلقهم أو يذيبوه في وجدان محبتهم للمطلق ويكون التالي جزءاً من حنينهم للمطلق هذا الذي لا يتحقق. وهكذا.. يبدو أننا خلقنا فقط لتتمزَّق أنسجة جسمنا ونحن نشهد تناقض الأشياء وفراغها، وهنا أرى فرقاً في رد الفعل، فأنت ترفض كل تناقض بسرعة، تقف في وجهه وترده من كان صاحبه ومهما كان هو نفسه. إن هذا السلوك لا يلوح لي إلا أكثر عذاباً من غيره، وهو أكثر تهرباً وحدة وأعمق شعوراً من وبكل ما حولنا من ارتصاص المأساة والكذب والجبن والناس البلهاء والمزيفين. إن مشكلتنا ليست أن الآخرين يتنعمون ونحن لا نفعل ذلك، المشكلة هي أن المزيفين فقط يمشي أمرهم بلا تعب، فيما تتكوى أعصابنا بحريق الصبوة لشيء حقيقي لا ندركه. إننا لا ندري كيف نعيش سعداء، فليس هناك أي مستوى للسعادة أو إحاطة بما تكون عليه نجدها بعد الأوان في غرفة نحزن لمغادرتها وشيء نتألم لفقدانه ولحظة وداع يجهش لها القلب، وفي صبوة لفتاة شقراء نلاحقها ثم نتساءل ترى ما الذي يربطني أو يمكن أن يربطني بها. ولا بأس بعد هذا أن تصطدم جباهنا بجدران الشارع وتفجأ المناظر الكريهة أعيننا فالمشكلة ليست في الآخرين كما يقول سارتر إنها في أنفسنا نحن... كتبت لك مرة في جوبر أن رفقتنا ستتعمق وتصفو، ولا بأس من بعض الزبد. إني أشعر الآن بشفافية عميقة ومنذ أسابيع وأنا أتأمل بفرح باطني هذا النمو السليم الذي طبع حياتنا فصارت خلواً من النكد والصمت المداري للألم أو الشعور المتعب بعد الاتفاق. )1 رئيس وزراء الأردن الأسبق، وكان شاعراً رقيقاً، ومجلياً. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |