جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

أُوارُ الانتظار ـــ محمد رشيد رويلي

قبَّل يدَ والدته، وتمنى أن تخصَّه بدعائها حتى تنقشعَ الغُمّةُ، فتشبثت بقميصه الحريري لكنه استطاع أن يخلّصَهُ من أناملها الرخوةِ قائلاً:‏

-لن أغيبَ طويلاً.‏

-وتتركني وحيدةً؟‏

-لك الله يا أمي..‏

مدّت يدَها المعروقة تحت الوسادة، وقالت بصوتٍ راعشٍ:‏

-خذ إذن هذا المالَ وهذه التميمةَ..‏

دسَّ في جيبه كيساً مملوءاً بالنقود، وأخفى التميمةَ في كيس يحمله. رجع إلى غرفته. تأملَ سريرَه وكتبه وأوراقه، وخرج إلى ساحة الدار حيث تنتصبُ شجرةُ ليمونٍ هرمةٌ. قطع وريقةً منها، واعتصرتها أنامله، وأخذ يشمُّ رائحتها العطرةَ وهو في طريقه إلى شارع النهر.. حزمةٌ من الضوءِ تنهار، والريحُ تكنسُ النفايات بهمجيةٍ.. الأحبّةُ في غياهب السجون، وأرصفةُ الشوارع تتحول إلى محطات اغتراب.. أزمنةٌ للقيودِ الثقيلة تسكن أعماقَ الروح، ولا ظل على الفرات ولا شجر..‏

إيه أيها النهرُ الجريحُ.. منذ سنين طويلة وأنت تملأ الأرض خيراً، أما الآن فبطونُ بنيكَ فارغةٌ ، وعقولهم أتعبها (فاعلو الخير) إلامَ تنتظر؟! دع رئتيك تزفرُ بصخبٍ، وقلبَك ينبضُ بقوة، وأحشاءَك تتململُ لتتحول إلى ريح ومطر.. أيها الشاهد على الولادات والجنازات.. على المهازل والبطولات.. لقد اشرأبت الطحالبُ، واستأسدتِ الثعالبُ، فاطرد كلَ النفايات، وافرد جناحيك عند (الكسر) ليستظلَ بهما المتعبون.. لكنك منفيٌ من المجرى، مختنقٌ في الصنابير..‏

قادته قدماه إلى محطة القطار.. نازفٌ عند مطبّات العذابات، يداهمهُ سقوطُ وجوهِ أحبابِه.. نشجَ طويلاً وصاح.. وداعاً مدينتي.. يامن تجلدين البسمةَ في ثغر الرضيع، وتصادرين الأحلامَ الجميلة.. وداعاً أيتها الوجوهُ الصدئةُ المختزنةُ قهراً وغِلاً.. وداعاً أمي الحبيبة وسامحيني.. صعد سلمَ القطار متأملاً كلّ من حولِه، فتملكه الغثيان.. استرخى على مقعده مصوباً سهامَ عينيه إلى من بقي في المحطة.. المحطةُ مازالت مزدحمةً بالهواجس، والأشجارُ فقدت شهيتَها في مطاردةِ الريح، والشمسُ وحيدةٌ ذاويةٌ.. كان يعرف أن الرحلةَ طويلةٌ مملةٌ لكنه خشي على نفسه من نقاطِ التفتيش العديدة التي يعجُّ بها طريقُ الحافلات.. راقبَ الوجوهَ المتعبةَ من زوايا عينيه محاولاً إخفاءَ وجههِ، عن الآخرين، متشاغلاً بقراءة جريدة اصطحبها معه.. ارتاب من رجلٍ خلاسيٍ يجلس قُبالته.. شكلُه لايبشر بالخير.. عينان غائرتان، ووجهٌ متقعرٌ.. حافاتُ التجاويف مغبّرةٌ، كأنه مات مدةً وقام.. كان يقترب منه كثيراً. أحسَّ بأنفاسه اللاهثة الكريهةِ تتسلل من خلف الجريدة. تظاهر بالنوم، ودقاتُ قلبهِ تكادُ تفضحُه..‏

ترى ماذا يريد مني هذا الخصيُ؟‏

هل أُرسل لمراقبتي والقبضِ علي؟‏

أم هو لصٌ رأى انتفاخَ جيبي، وآثارَ النعمةِ علي، وشعر بخوفي، فتقرب مني؟؟‏

سأواجهه بكلِ ماتبقى لدي من شجاعةٍ.. لن أستسلمَ له بسهولة رفع رأسه فجأةً، وصاح بالرجل، وقد أمسك بتلابيبه:‏

-من أنت؟ وماذا تريد مني؟‏

قال الرجلُ الخلاسيُ ذاهلاً:‏

-عفوك يا أخي. لست والله كما تظن، ولكنني أتابعُ تفاصيلَ خبرٍ مثيرٍ منشورٍ في هذه الجريدة.‏

-خذها إذن.‏

-شكراً، وسأُعيدُها إليك بعد قليل.‏

حاول أن ينامَ قليلاً لكنه لم يوفق..‏

في جوف الوحدةِ تهطلُ أمطارُ الأنين بلا توقف، والوقتُ نهارٌ يتمزق في الزوايا، والمرءُ يرفو كلمات الريح مندهشاً أنه حي.. فأيُ رحلةٍ تبدأ الآن وصخرةُ القهر تجثم على الصدر؟!‏

تراءت له صورٌ وخيالاتٌ مرعبة.. دواليبُ وسلاسلُ مجذولةٌ وعِصيٌ غليظةٌ، وأشياءَ لاتمت إلى الإنسانية بصلة.. تخيل زملاءَه صرعى وجرحى يُشيرون إليه بأصابعِ الاتهام، ورجالاً ملثمين يركضون وراءه يحاصرونه من كل اتجاه.. قطع عليه تخيلاته الرجل الخلاسيُ، وهو يقدم إليه الجريدة شاكراً. أخذها، وهزّ رأسه عدةَ مرات، ولم يلتفتْ بعدها إليه أبداً.‏

أخرج التميمةَ من الكيس. دفعهُ الفضولُ لمعرفةِ ماكُتب فيها.. وبعد طولِ عناءٍ أخرجَ الوريقةَ من كيسها الجلدي، وقرأها بتمعنٍ. ابتسمَ ابتسامةً صفراءَ، ومزقها بهدوءٍ، وأودعها عُلبةَ تبغٍ فارغة.‏

* * *‏

في الفجر الذاهل تفرُّ منك الضحكةُ الباهتة، فيما تستقبلك لفحاتُ الضياع، ففي أي حيّ يضعُ الهاربُ خطواته؟‏

كلُ الطرقات لامعةٌ، والمارةُ يعبرون سريعاً كأنما يطاردهم الوقتُ، وهو في حيٍ شعبيٍ بالعاصمة.. تُرى من سيتوقفُ ناظراً إليه ليسأله عن أيِ شيء؟‏

حبالُ الخوف المجدولةُ تلفّ عُنقَه، والليلُ مربدٌ تختنق في أحشائِه النجوم. يتحسس في الظلام مفتاحَ الخلاص، وهو يهبط سلالمَ بيتٍ عتيق، فيرتمي في رحمِ الليلِ، وأسئلةٌ بلا مأوى يواريها في صدرهِ..‏

أحبَّ صاحبةَ البيت الحسناءَ التي كانت تحنو عليه.. سأل نفسَه مراراً: هل هذا وقتُ الحب؟!‏

مكث في غرفتِه يقرأُ الصحفَ والكتبَ التي تجلبُها له.. اقتربت منه مرةً، فتأملها بشبق.. كان يرى في عينيها الصافيتين أنهاراً تتماوجُ وأنساماً تتبختر.. أخذت تطوّقُ عُنقَه بهمساتٍ تتدلى كأغصان الصفصاف، وهي تداعبُ الرمادَ الغارقَ بالماء، وكانت عيناه تسافران إلى ساحلٍ من غبار، وكلما صهلتْ فيهما اللذَةُ يتكاثف فيهما الظلُ حتى يعودَ كلُ شيءٍ رمادياً من الخوف..‏

همست في أذنه كلماتِ شوقٍ حارقة، وكان يرى الهمسَ متشحاً بالسواد. قال لها بعد أن اكتوى بأنفاسها:‏

لاعليكِ سنعلنُ أشواقَنا حين يصبحُ للقلبِ نبضٌ وقد تحرر من لُعبةِ الهم والخوف.‏

قالت له بعد ذلك: حدثني عن طفولتك أيها البدويُ؟‏

قال لها: كانت طفولتي غموضاً يتدلى، وأملاً ينمو في حياة مبعثرة..‏

قالت وقد ضمته بقوة: كذلك والله كانت طفولتي.. حدثني عن همومك؟‏

قال: ثمةَ من يملأُ مهجتي أرقاً يمزُ كلَ يوم في حديقةِ عمري ليقتلعَ الزهورَ ويُسقطَ الورقَ.. عيناه سوطان على رأسي وجسدي.. مازال ينصب لي مقصلةَ الحُلم، ولسانُه سوطٌ آخرُ يلسع بوابةَ الذاكرة..‏

قالت: لمَ همومَكَ تتمطى بين حبال الصبر وجبال الخوف؟‏

قال: لأن وردةَ الأيام ذابلةٌ، وأوراقَ الرياح صفراءَ يابسة، وجسدي الواهنَ مثقلٌ بالنبوءات.. أدركتَ الحسناءُ هوجَ الرياح وزئيرَ العاصفةِ، فوقفت تلعق شفتيها برُضابِ الترجي.. أخذت بيديه فوقفَ ذاهلاً.. عانقته بحرارةٍ، وقادته كالحَملِ الوديع، فتجمّد عند بوابةِ السؤال، ثم تراجع كأرنبٍ مذعور.. صاحت به:‏

-تقدم ولاتخف، فمثلُك لايمكن أن يكون دريئةً ممزقة..‏

-مجنونةٌ أنت؟!‏

-لم أصل بعدُ إلى درجة جنونك.‏

سار معها كما أرادت، وقد احتضنت خاصرتَه.‏

قال له ضابطُ الأمنِ مستغرباً:‏

-لستُ مطلوباً أيها الشاب..‏

-لكنهم يبحثون عني، وقد اعتقلوا كلَ أحبتي.‏

-اذهب إليهم في بلدك، ولا تخف لن يصيبَك مكروهٌ.‏

في بلدهِ كانت العواصفُ تكنس بارقاتِ الأمل، والمآثنُ تستغيثُ، ووجوه السابلةِ مازالت تبحث لاهثةً عن (فعل الخير).. أحاطوا به من كلِ جانبٍ وأمطروه بوابلٍ من الأسئلة:‏

-أينَ كنت؟ أمُكَ ماتت..‏

-هل صحيح أنك تزوجت غريبة؟‏

-أصدقاؤك مازالوا معتقلين.. هل ستزورهم؟‏

-لقد بحثوا عنك طويلاً. هل كنت مع أصدقائك؟‏

-حمداً لله على سلامتك. متى أفرجوا عنك؟‏

صمَّ أذنيه بيديه، وسار مقتحماً حصونَ القهر، ولم يتوقفْ إلا أمامَ من كان بُغيتَه..‏

كان ضابطُ الأمن يتأملُه بعناية، وهو يداعب ذقنَه الملتمَ كحرف النون.. قدّم له فنجاناً من القهوة، وبعد هنيهة سأله:‏

-ماذا فعلت بنفسك أيها الرجل؟ تختفي أربعَ سنين في بيتٍ مغلق لايرى النور؟ أتعتقد أننا لانعرف عنوانك؟ لمَ رحلت من هنا، وتركت أمَك تموت حزناً وكمداً عليك؟‏

-لكنكم كنتم تبحثون عني..‏

-نعم. بحثنا عنك كي نسألَك عن صديق لك، لكنه جاء إلينا في نفس اليوم، ولم نعد بحاجةٍ إليك.‏

-والآن؟‏

-اذهب إلى من انتشلتك من هوةِ الضياع، فإنها تنتظرُ عودتَك بفارغ الصبر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244