جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

رائحة الأمكنة ــ عثمان بن سعيد الغامدي السعودية

أبو زيد مات.. وبلاد الواق واق. أقرب من بيت أبي صالح.. أصبح المكان مرتبطاً مع الزمن بفواصل رقمية بحجم الكف.‏

أبو صالح يرفض أن يغتال الرنين.. طمأنينته، ويرى بأن الأقفال والأسوار شاهده على الخيانة.. زهرة ابنته تختلف معه دائماً. أخيراً خرجت من عباءة أبيها.. كالعذراء غادرت شرنقتها.. تحررت. ها هي ترسم خطوطاً معاكسة تماماً. الحياة هنا رتيبة، القرية تقزم الأحلام.. وتضيق الأفق.. لا ترى إلا ما تجود به فرجة القمع.. من بين جنبات الجبال.. الناس لا زالت تشرب الماء من البئر!! لقد تحقق لها شيئاً من أحلامها.. بعد الزواج توسعت الدائرة كثيراً. كانت ترفض أن تشتري من متجر القرية. لا. لا شيء يستحق.. تتابع خطوط الموضة وتفاضل بينها عبر المجلات.. ابني لا بد أن يكون رائعاً. منطلقاً. ملابس الشتاء الأحمر والأزرق متوازيان في هذه المجموعة.. وتلك المجموعة الألوان تتعانق فيها بعمق.‏

كانت تجمع مرتبها ولا تجد شيئاً يستحق الشراء.. إنها تخطط لزيارة عروس البحر مدينتها المفضلة.. سأظل أشتري وأشتري حتى أحس بالامتلاء.. يا لها من إجازة كافية هذا العام..‏

عبر العقبة كانت تتهادى السيارة.. والدفء يملأ المكان.. شيئاً فشيئاً.. استقرت على الشريط الموازي للبحر..‏

أحمد يسأل عن جده أبي صالح.. وعن أغنامه؟؟ نهرته أمه! غيّر أحمد نمط الأسئلة.. سأل أمه عن الزرقة؟ وعن ذلك الوميض؟ وعن تلك الأشجار المقلوبة.. كانت تجيبه بإسهاب.. وتردد دائماً إننا مسافرون إلى جدة.. فتحت حقيبتها للمرة العاشرة.. لتتأكد من العناوين وأسماء المحلات التجارية.. وبدأ دورها في الأسئلة. وراحت تملي رغباتها على (أبو أحمد).. وتذكره أن برنامجها مزدحم ولا تعرف من أين تبدأ أبو أحمد يراقب المارد الأسود مصاص الدماء ويداعب آلة التسجيل.. ويستمر في الإيماء بالموافقة.. موضحاً أن لديه هو الآخر اهتماماته الخاصة ولكنه سوف يعود إليها في الوقت المحدد..‏

وصلت إلى المحطة الأولى، المكان مخيف كبير ويحتاج إلى خارطة مداخل، أرقام، طرقات.. كل شيء يستحق الشراء!! انبهرت بالأضواء ولوحات النيون وأشعة الليزر.. طرق العرض مغرية للغاية.‏

أحمد يتراقص طرباً. يدور حول نافورات المياه.. يتسلق السلالم المتحركة ويتابع تحركات أمه من بعيد.. وشيئاً فشيئاً غابت أمه في أكوام المشتريات.. تتجول هنا وهناك.. لم يعد يراها وفجأة تنبهت لغياب أحمد!! لم تعد تراه.. تكاثر الناس في المركز التجاري.. وازدحم المكان.. أنوف مفلطحة وشعر متجعد وسيقان طويلة مكسوة وعارية وعيون زرقاء وأخرى سوداء بحثت عنه في الزوايا والأركان لم تجده.. صاحت يا إلهي ابني أين هو؟؟ أين هو؟؟ الوقت يمر والأمل يتناقص.. ألقت بالمشتريات.. تلقفتها الأيدي وداستها الأقدام، بكت، صاحت، ولولت تجمع حولها الناس.‏

ابني أريد.. ابني.. تسلل إلى مسامعها الكلام: تبدو قروية أغلب القرويين يضيعون في المدن إلى الأبد!! أحمد ضاع وأبوه غاب ضاع..! وجدت نفسها مع أناس كثيرين ضائعين يبحثون عن أنفسهم عمن معهم في شوارع المدينة؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244