جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

القبعة المثقوبة ـــ بديع صقور

وقف طويلاً خلف النافذة يمتع عينيه بتلك المناظر، التي ألفها منذ الطفولة، والتي نمت مع جذوره الأولى..‏

ربما لن يشاهدها بعد الآن، هذا الصباح قد يكون الأخير بالنسبة إليه، في هذا المكان، سيتبدل كل شيء..‏

سرح بصره بعيداً، بدا الصباح في عيني حسون كتنور جبلي متقد، يشع باللهب البرتقالي، ويضيء ما يحيط به من قمم وتلال.‏

تذكر شريط حياته منذ البداية.. القبعة المثقوبة الكاحتة، التي كان يعتمرها دائماً كلما خرج في الصباح.. صوت والدته، حينما كانت تحدثه جارتها عن "اليوزباشي" والداها، وكان يسمع القدر الكبير من الكلام عند خروجه:‏

"خزاة" العين حوله، صورة طبق الأصل عن جده "اليوزباشي" إذا "سلَّمه" الله سترين.. لن تفرقي بين صورته، وصورة جده المعلقة على الجدار، في صدر البيت..‏

ويسمع تنهيدتها جيداً:‏

-أتمنى من الله لو أفقد كل ما أملك، مقابل أن يصبح حسوناً شبيهاً بجده اليوزباشي.‏

ويضحك حسون، يتمتم وهو يبتعد:‏

-وماذا نمتلك لتفقده؟‏

وتتابع أم حسون لجارتها:‏

-جده "دوخ" عسكر الأتراك، كان لا يهاب الموت.. وصل حدود اليمن، بعظمة لسانه قال لنا: -أرض اليمن قاسية، شربنا من قهوتها كثيراً..‏

وتتنهد أم حسون:‏

-إيه!.. زمان.. يتبدل الرجال ويتغيرون.. رحمة الله عليك يا "يوزباشي" كنت رجلاً ولا كالرجال، كنت عنتر زمانك..‏

وترد عليها جارتها:‏

-لكل زمان يا أختي رجاله‏

-ليس رجال هذا الزمان كرجال ذلك الزمان، أتمنى أن تقطع يدي وأبقى بلا يد طوال حياتي، ويصير حسون مثل جده.. سأتخلى عن عيني اليمنى مقابل أن يغدو حسوناً مثل "اليوزباشي" الذي "دوخ" عسكر الترك..‏

وينفرج وجه حسون، تتسع الابتسامة في عينيه:‏

-ليت أمي ما تزال على قيد الحياة، كي تشاهد شاربي حسون الشبيهين بشاربي "اليوزباشي".‏

مسح شاربيه بأطراف أصابعه، شدهما باتجاه الأعلى، دار على نفسه، أصبح مقابل المرآة المعلقة بمواجهة النافذة، والتي كان قد علقها والده بنفسه قبل زواجه من أمه، لم يحركها أحدٌ من مكانها، على تعليقة والده، الذي كان يتفاخر بهذه المرآة كثيراً:‏

-غالية الثمن، اشتريتها من أسواق حلب بنصف ليرة، أيام كان للنصف ليرة شأن كبير..‏

وتحولت ابتسامة حسون إلى ضحكة عالية:‏

-ماذا تساوي الألف ليرة الآن؟ رحمك الله يا والدي، نصف ليرة؟ مرآة بنصف ليرة، غالية الثمن؟ لو كنت حياً أنت الآخر يا والدي؟‏

وتطلع حسون بوجهه، لمس شاربيه:‏

-أظن أن عقاباً يمكنه الوقوف عليهما؟ لن ينحنيا، إنهما شبيهان بشاربي جدي "اليوزباشي"، ذلك الذي "دوخ" عسكر الأتراك، على حد قول والدتي بنت "اليوزباشي"، وبعدهم "دوخ" الفرنسيين.. وأنت.. أنت يا حسون من "ستدوخ"؟‏

جدك "اليوزباشي" هزمهم عند مداخل قلعة صلاح الدين وبصق عليهم، كما هزموا منذ أيام، أمام الألمان في "مونديال" المكسيك لكرة القدم، وأطاروا صوابهم، ليت "اليوزباشي" كان حياً لسخر منهم ومن لاعبهم "بلاتيني"‏

وكبرت ابتسامة حسون:‏

-لكن "اليوزباشي" لو كان حياً لرفض مثل هذه الألقاب البطولية لأولئك الذين يجرون وراء كرات جلدية منفوخة بالهواء، حتماً كان سيقول: هذه ألقاب "زعبرة"‏

وقهقه حسون، توقف فجأة، تخيل صوت أمه:‏

-حسون.. حسون لا تسخر من جدك "اليوزباشي"، سأسلخ جلدك لو تطاولت عليه ثانية، لا يحق لأحد أن يتطاول على والدي "اليوزباشي".‏

وأحس حسون بدوار يخترق رأسه:‏

-أنت مجبرٌ على الخروج، الوقت يمضي، لا تضيع الوقت، عليك أنْ توضب حقيبتك قبل أنْ يصلوا، ويخرجوك بلا شيء.‏

عقارب الساعة تركض مسرعة، عربة الواحدة ليلاً ستقلع لن تصل، ومؤكد أنهم سيخرجونك بالقوة:‏

-أين حقيبتك؟ أشياؤك؟‏

جحظت عيناه وجمدتا فوق زجاج ساعته الأصفر، إنهم يقرعون الباب بعنف، ترك كل شيء، انطلق من الباب الخلفي والمؤدي "لزاروب" ضيق ومظلم، وراح يعدو في زواريب الظلام مخلفاً وراءه، حقيبته، ومرآة والده.. نوافذ وأبواب بيته المشرعة.. صوت أمه، وصورة جده "اليوزباشي"، وقبعة رأسه العطنة الكاحتة المثقوبة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244