|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
محاولة.. للولادة.. ـــ سُهيل الشعار الصباح لم يطلع بعد.. والمطر ما زال يقبّل أسطح البنايات وأرصفة الشوارع، وأنا وحيد، يقلقني ارتباك الطيور وذعرها الدائم في كل ليلة.. ها أنا أنهض، أشعل الضوء، فيتناهى إلى سمعي الذعر مرة أخرى، وتلك الضجّة الخائفة، أفتح الباب الخشبي وأصعد الدرج الضيّق.. والمطر ينهمر.. إنه ما زال يتساقط.. منذ عدة ساعات.. كأنّه يودّع الأرض، ويودّعنا، كأنه لن يعود إلينا مرة أخرى، كأنه لن يعود. أصل، أفتح الباب الصغير، أُشعل عود ثقاب وأمد رأسي بهدوء.. ولا تلبث العيون الصغيرة المدوّرة أن تراني. تحدّق في وجهي، ثم أسمع صوتاً جماعياً حنوناً، معذّباً.. (أهمس في نفسي) -لقد هرب اللعين! وتبقى العيون الطيّبة ترقبني بحب، كأنها كانت تعرف أنني سأحضر في الوقت المناسب. وحده الأبرج يقترب مني، يدغدغ ركبتي برأسه وعنقه الضخم كجذع شجرة قديمة. -لا تخف.. لا تخف.. سوف أخنقه إن عادها ثانية! -2- لا أدري متى قالت لي أمي ذلك، لا أدري تماماً، وقتها كنا لا نزال ساهرتين حين سمعنا الضجة وارتباك الطيور.. أسرعت.. وكان المطر يتساقط أيضاً.. رغماً عنه، بتثاقل وكسل شديدين، ثم وصلتُ في الوقت المناسب، وحين فتحتُ الباب الصغير لمحته يخرج من بين قدمي، ناعماً، سريعاً كالبرق. قالت أمي بعد عودتي: "البيت الذي يوجد فيه شقوق، يسهل على اللصوص سرقته" وقتها لم أستمع إلى وصيتها، وبالتالي لم أعمل بها، قلتُ إنه سيخاف في المرة القادمة، خصوصاً بعد أن شاهدني أصل في الوقت المناسب. لكنه تجّرأ وجاء مرة أخرى.. -3- في الصباح الباكر صعدت.. كانت الطيور ما زالت مستيقظة، وعلامات الفزع والقلق بادية على حركاتها وفي عيونها.. اقترب الأبرج مني، تحسّس يدي كأنه يدعوني لفعل شيء ما ينقذهم من ذاك الوحش الناعم اللئيم. وفيما أنا شارد لمحتُ "ريحانية" زوجة الأبرج، جالسة بكل دفئها وحنانها داخل العش، فابتسمتُ.. لقد باضت للأبرج أخيراً بيضتين صغيرتين، ناعمتين. انتابني فرحٌ غامر، وملأت روحي سعادة لا توصف، فبقيتُ طوال ذاك النهار البارد أحصّن منزل الطيور، وأسدّ شقوقه بالحجارة والإسمنت. ثم بدأ الزوجان يتناوبان في حضن البيضتين الغاليتين.. فمرة أرى ريحانية جالسة بحب وأمل داخل العش الصغير. ومرة أخرى أجد الأبرج، بجسمه الكبير، وعينيه الرماديتين الواسعتين. كانا سعيدين، ينتظران بشوق وأمل إلى المستقبل المشرق الجميل، الرائع، ويجدان في البيضتين حياتهما، تطير ريحانية، تحوّم مع رفيقاتها في الفضاء، فوق الأشجار والبيوت والشوارع والجبال.. ثم تعود يملؤها شوق غريب، وحب عميق لرؤية الأبرج والبيضتين.. أما الأبرج، فقد كان طيرانه قليلاً، وإذا طار فإن ذلك لا يتعدّى سطوح الأبنية القريبة، كأنه يخاف أن يخونه جسده الضخم، وبالتالي يفقد العودة إلى العش، وإلى رؤية ريحانية والبيضتين. كان مخلصاً، حتى في نظراته، وطيرانه، وقفزه على حواف السطوح.. كم أحببت هذا الأبرج الجميل، الطيّب والحنون! -4- إنما.. وبعد ظهر يوم غائم، طارت ريحانية.. طارت وابتعدت في طيرانها، ابتعدت كثيراً.. إما الأبرج فلم يكترث لذلك، ربما كان يعرف أنها ستعود، مهما ابتعدت.. لم يهتم، بقي جالساً بحب وشوق أشد مما مضى.. لكن ريحانية طال غيابها هذه المرة، فحاولتُ مساعدة الأبرج، حاولتُ إبعاده عن البيضتين، لعل طيراً آخر يجلس مكانه!؟ لكنه رفض ذلك بشدة، وأصرّ على البقاء، إنما نظراته كانت حزينة، عاتبة، وكلما زرته كان يتأمل وجهي كأنه يسألني.. كأنه لا يستطيع أن يصدّق أن ريحانية تركته بهذه السهولة، وبأنها لن تعود. في اليوم الثالث حاولتُ ضبط أعصابي، وحبس دمعتين كبيرتين داخل عيني.. وعندما أبعدتُ الجسد الذي ذُبل ونحف، عن العش، كان هناك شيء ما داخل البيضتين، يحاول الخروج، يحاول الخروج.. يحاول.. يحاول.. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |