جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

سفر... ـــ محمد اشويكة

أقبل شهر سبتمبر بجوه المتوسطي المعروف، وبدأ الفلاح يتطلع إلى موسم فلاحي ينسيه مأساة هذا العام ومعاناة إنسان القرية المغلوب عن أمره، فالطبيعة والأوضاع قد تحالفتا ضده بالمرصاد؛ بدأت عيونه تراقب حركات الضباب، كما بدأ شيوخ القرية يحكون عن أعوام اخترقت فيها التساقطات العادة، يُذَكِّرونَ المتأخرين من الشباب بالسنابل التي وازَت الشبر في عام تزوج خلاله جميع شباب القرية، فمثلاً هذا ابن إبراهيم وهذه ابنته، وذاك حسن ونعيمة ولدا سعاد وحميد، كلهم أطفال يخلدون ذكرى السنبلة -الشبر.‏

في هذا الجو المفعم بالذكرى والتذكر، والطافح بالتناقضات، قرر إبراهيم مغادرة "القاهرة" حينما كان يجلس برفقة صديقه محمد، حيث همس له قائلاً كأنه يخاف تفشي الخبر:‏

-ماذا أقول لك يامحمد، والله أن الدنيا قد قست علي، منذ أن ودعت أمي الهاشمية وأبي عبد الرحمن، لم يبق لي في هذه الدنيا سوى زوجتي عتيقة وابناي الصغيرين، ولم يعد في القرية مايشد الإنسان إليها: الماء افتقدناه، والمضخة تعطلت، والقوة تكسرت، والحيوان دفناه.. آه.. وأفـ.. إنني والله لا أحب أن أنفصل عن هذه التربة، ولكن عتيقة والأبناء بدأت تزداد مطالبهم، ويقل زادهم...‏

-والعمل؟‏

-لقد قررت أن أسافر غداً، أو في اليوم الموالي، لكن كلما هممت بالسفر تنهمر دموعي ويشتد تشبثي بهذه القرية لا أدري ماسر هذه الدموع؟ فأنا قد سافرت مرات ومرات.. ولم...‏

-لكنك سافرت في ظروف غير هذه، فالماء والحليب والشعير والقمح والحيوان و.. و.. والخيرات بجميع أنواعها كانت متوفرة، وكان السفر آنذاك "للنزهة" أما السفر اليوم فهو ضرورة، بل به سنضمن البقاء، إنشاء الله...‏

لم يكمل محمد حديثه حتى انهمرت دموع إبراهيم لتتساقط كالبرد فوق التراب المتعطش إلى قطرات الماء، كل دمعة تعبر عن ألم ينهش قلب إنسان منكسر وجريح، ما أتعس الأيام وأشقاها، وماأمر ساعة فراق الأهل والأحبة، حين يعز الفراق ويصعب اندثار الحنان والعطف.‏

لم يكف إبراهيم عن البكاء وأكمل حديثه بصوت بكائي جائش:‏

لم يكن في الحسبان أن يوماً ما سيغادر أبناء قرية "القاهرة" هذه الأتربة الزكية ولم ينتظر أهلها بأنها ستقسو عليهم بهذه الطريقة: أين ماؤها؟ أين شبابها؟ أين ربيعها؟ أين زرعها وثمرها؟‏

الكل صار في خبر كان ولايدوم إلا وجه الله...‏

بعد انتهاء إبراهيم من كلامه أطبق صمت مروع على الشابين، صمت يذكر بصمت القبور في ليل حالك من ليالي القرية، تسمر كل منهما على الحائط، وفتح كل واحد هامشاً من الخيالات والأوهام يستقرئ ما آلت إليه الأوضاع بهذه البقعة من البلد الحبيب، حيث أصبح الماء يتعدى الستون متراً تحت جرف الأرض، بينما كان لايتعدى اثنا عشر متراً إلى خمسة عشر.‏

"إبراهيم... يا إبراهيم... تعال لتشرب الشاي برفقة محمد"‏

نهض الاثنان ينفضان الغبار العالق بسراويلهم وجلابيبهم ليلبيا نداء عتيقة، جالت الزوجة ببصرها متفرسة ضيفيها ومركزة النظر أكثر فأكثر على عيون زوجها، نظرت إلى كؤوس الشاي أمامها وغرقت في التفكير وكأنها قرأت في احمرار تلك المآقي فأل إبراهيم وطالعه، إن المرأة تستطيع أن تقف عند التغيرات السيكولوجية لزوجها، ولا غرابة في ذلك فهي بمثابة المحرار الذي يتمكن من قياس درجة التوتر والانفراج عند الزوج، بل إنها أعلم إنسان بعادات ورغبات زوجها، وهذا ليس بعظيم على عتيقة، فهي بنت عم إبراهيم، كبرت ونمت في أحضان أسرته، وترعرت برفقته منذ مولدهما، فأبواهما بقي يجمعهما حال واحد إلى أن التحقا بربهما، وإلى حد الآن لازال المنزل القديم خير شاهد على تلك الألفة والمودة التي كانت ولاتزال تجمع إنسان القرية بأخيه، فالمنزل الواحد يضم أربعة أزواج، وأكثر من ذلك أن الأرض والماشية مشاعة بين أفراد العائلة الواحدة، فإلى يومنا هذا لم يتمكن كل من إبراهيم وزوجته من تحديد الفارق بين أرضيهما واقتسام ماتركه الأجداد من بهائم آيلة للموت بفعل هذا الجفاف الفظيع، والأجدر من هذا أن فكرة الاقتسام غير واردة الآن ولم يتوقعها أي منهما...‏

سافر إبراهيم بعد أن أقنع زوجته بضرورة الترحال، لقد أوشكت الراحة أن تفتقد في مقام كهذا، كما استلم من محمد عناوين أبناء هذه "القاهرة" التي قهرتهم ظروف الإقامة والانبطاح بها، وبالفعل قصد إبراهيم مدينة الدار البيضاء، مدينة العمل والشركات والبنوك وما أكثر ما حكى القادم منها لمن لم يتمكن من زيارتها من أبناء هذه القرية البسيطة حيث لا إنارة ولا ماء ولا .. ولا.. ولا..‏

وبعد مرور ثلاثة أيام على سفر إبراهيم، استيقظ أهل القرية على أصوات نساء يولولن ويلطمن خدودهن ويتمرغن بالأشواك. لاتستغرب فالموت شيء عادي لايفاجئ، لكن لم نصل إلى درجة الموت جوعاً أو عطشاً فلا زال ضرع القرية ينضب وخزائنها تطعم، لكن ما الأمر؟ إن شيوخ القرية والطاعنين في السن بها لاتقام أثناء موتهم هذه "المندبة"، يموتون في صمت ويؤكل طعام عشائهم في بهرجة وجوقة كالعرس.‏

اقترب الجميع من النساء للاستفسار، فعلا صوت إحداهن والدم ينساب من جمجمتها مخترقاً تجاعيد وجهها المكسو بالغبار، ليعلن بأن إبراهيم ليس أهلاً للموت! وأن إبراهيم لم يقض في الدنيا حقه! وأن إبراهيم لايجب أن يموت! وأنه لاتسامح مع الأيام التي تخطف الشباب في سن الزهور!‏

أذهل الخبر الجميع وأسكت الشباب، وأصم الآذان وأسال الدموع، دون سابق إنذار، لقد مات إثر حادثة سير مؤلمة في طريق مديونة وذلك على إثر اصطدام سيارة "4*4" التي كان صاحبها يستعملها لنقل المسافرين متحايلاً على القانون ركاب قادمة من البيضاء... وهناك روايات، أنه يكثر الكلام وتتعدد الأقاويل أثناء قيام مثل هذه الحوادث خاصة وأن جو القرية يتيح ذلك في غياب الاتصال السريع، فهناك من يقول بأنهم كانوا سكارى، وهناك من يؤكد بأن السيارة كانت مملوءة بالفتيات، وهناك من يكتفي بالتشكيك، وعلى أي فالفاجعة مرة وتقبلها مقيت وصعب والويل كل الويل للظروف الحالكة التي أرغمت إبراهيم على السفر، ياللمسكين لقد شوه خلقياً وتحطمت عظامه وتحول إلى صندوق يمنع فتحه بقوة القانون، بل لم تتمكن عتيقة من رؤيته للمرة الأخيرة.‏

رحمة الله عليك أيها الابن البار، يا ابن التراب، يا ابن القرية ورمز بقائها، رحمة الله عليك بعد أن تحولت إلى ملف وقضية مربحة في يد محام شره يبحث عن الملايين، لايهمه أمر عتيقة وكمال وسميرة، فوالله إن مت فأنت في قلوبهم باق، إنهم وراءك على الدرب سائرون، التراب والماء والبهيمة ثلاثيتهم الخالدة؛ لا يعتقدون بانقراضها ولا يهملونها إهمالاً، وسمفونية حالهم تقول: القرية، الأرض، الماء...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244