جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

القسمة ـــ عدنان حبال

أراد الشيخ حمدي العطار أن يقسم أمواله كلها على أولاده في حياته وصرح بذلك أمام أهل السوق دون أن يذكر سبباً لهذه القسمة المبكرة، وهو لم يكن مريضاً أو طاعناً في السن بل يتمتع بصحة جيدة رغم تجاوزه الستين من عمره وما زال يعمل في دكانه في البزورية بهمة ونشاط وذكاء يثير حسد الكثيرين من جيرانه الأصغر سناً.. قال البعض إنه قرر توزيع ثروته مسبقاً على الأولاد بالعدل لينام في قبره مرتاح البال ولو بعد عمر طويل ويطمئن لعدم نشوب خلافات أو عداوات حول الحصول على ممتلكات معينة مثل عدد من الدكاكين وبضعة دونمات من الأراضي في الغوطة وكذلك المفروشات الثمينة التي غص بها بيته العربي الكبير في القيمرية. وقال البعض الآخر إنه ينوي أن يوزع جزءاً من أمواله بعد أن باع معظم ممتلكاته، ويتزوج بالباقي أرملة جميلة اسمها هيام كانت تتردد على دكانه وتشتري بذور الكتان والخردل وبعض الأعشاب الطبية التي تداوي بها نساء حارتها المجاورة لحارة الشيخ في الحي نفسه. وقد أيد الرواية الثانية ما تردد في السوق عن استياء الشيخ حمدي من سلوك أولاده الثلاثة وشكواهم من أنه لم يعد يراهم منذ وفاة أمهم قبل عشر سنوات سوى بالمناسبات والأعياد، وأن عيشته وحيداً في البيت الكبير باتت خالية من الفرح والنشاط وأن من حقه أن يتزوج ما دام قادراً على ذلك من الناحيتين الصحية والمالية. وروى الجيران وقتها لأبي، وقد كنت صبياً في الثانية عشرة من عمري وأصغي دائماً بفضول، أن الشيخ استعان بأحد المحامين واستشاره في طريقة إجراء قسمة ما تجمع من أموال نقدية وفق مقاييس يكون أولها وأهمها مقياس مدى حب كل ولد من الورثة لأبيه. فكلما ازددت كمية هذا الحب بالدليل والبرهان حصل صاحبها على نصيب أكبر من مال أبيه. وقد طلب المحامي في البداية معلومات تفصيلية عن عمر وحياة ومهنة وأسرة ودخل كل ولد من الأولاد وكذلك حول علاقاته بأبيه وزياراته له وأسبابها ومدى اهتمامه بصحة الوالد وحاجاته وتلبيتها. وما أن نهى المحامي مهمته الصعبة حتى دعا الوالد الشيخ أبناءه الثلاثة لزيارته بعد أن كاشفهم بمسألة القسمة. فحضروا طبعاً دون تأخير وقعدوا بناء على طلب المحامي الذي كان في استقبالهم ينتظرون خروج الأب الحبيب من غرفته في الطابق العلوي، ويتذكرون أيام طفولتهم هنا مسقط رؤوسهم ويرون أمامهم في القاعة الشرقية جانب البحيرة الصغيرة ثلاثة صناديق خشبية مغطاة بالموزاييك، ويتندرون بفكرة أبيهم الرائعة التي تشبه أفكار ألف ليلة وليلة.. ثم راح كل منهم يخمن أي صندوق من هذه الصناديق سيكون بعد قليل من نصيبه، ذلك أنها كانت متفاوتة في الحجم واللون.‏

وأكد الولد الكبير لبيب، وهو صيدلي، أنه سيحصل على الصندوق الأكبر باعتباره أكبرهم سناً وحباً لأبيه ورعايته له بدليل ما قدمه المحامي من أدلة تثبت أنه لم ينقطع طيلة السنوات الطويلة الماضية عن تزويد أبيه مجاناً بكل ما يلزمه من أدوية وعقاقير وأحزمة وأربطة حافظت على صحته وأبعدت عنه الشيخوخة.‏

وقال الابن المتوسط وهو تاجر أقمشة أن حبه لأبيه يزيد أهمية عن حب أخيه الأكبر لأنه الوحيد بين الأخوة الذي اهتم دائماً بكسوة الأب من الجوارب وحتى الطاقيات، أضف إلى ذلك الألبسة الداخلية بأنواعها الصوفية والقطنية وكذلك المعاطف والمناشف والأغطية والستائر.‏

أما الابن الثالث الأصغر وكان موظفاً في وزارة المعارف فقد اعترف لأخوته بتقصيره الشديد إزاء أبيه من ناحية تقديم المساعدات التموينية وقال أنه اكتفى دائماً بزيارة الوالد والسؤال عن صحته وأحواله والقعود معه للحديث عن الدنيا والناس والترويح عن النفس بالشكوى والعجب والأمل في أن تتحسن أحوال الجميع. كما اعترف الابن الأصغر هذا بأنه وبعكس أخويه قد حصل من الوالد على مساعدات مادية عديدة في مناسبات مختلفة، مما أثار سخرية الأخوين وقال الكبير ضاحكاً:‏

-ستحصل إذن على الصندوق الأصغر، مع أنه كثير عليك.‏

وبعد دقائق طويلة نسبياً نزل الشيخ حمدي مع محاميه إلى القاعة وسمح لأولاده الثلاثة بتقبيل يده مرحباً بهم في بيته وطالباً القعود والاستماع إلى قرار القسمة الذي وقف المحامي يتلوه على الجميع بنبرة رسمية وقضائية حيادية:‏

-أولاً يحصل الابن الأصغر الأستاذ حسان موظف المعارف على الصندوق الأصغر. وأرجو التوقيع هنا على الاستلام. وفتح حسان صندوقه الصغير فوجده مملوءاً بالنقود وأخبره المحامي بأن المبلغ يزيد قليلاً عن المليون ليرة وأنه استحقه حسب مقدار حبه لأبيه. ودمعت عينا حسان لشدة الفرح ووضع صندوق النقود في حضنه دون أن يقوى على الكلام.. وتابع المحامي تلاوة قرار القسمة:‏

-ثانياً يحصل الابن الأوسط السيد زهير تاجر القماش على الصندوق المتوسط فليتفضل بالاستلام والتوقيع، وقفز زهير ليفتح صندوقه فوجده مملوءاً بالألبسة والأغطية التي كان قد أعطاها لأبيه خلال السنوات الماضية وظلت دون استخدام أو استخراج من الأكياس وقبل أن يصرخ زهير بالاحتجاج عاجله المحامي موضحاً:‏

"تبين لنا أن هذه الملبوسات التي قام السيد زهير بإرسالها لأبيه مع أجرائه، ليست سوى بضاعة كاسدة في محله وها هي ذي تعود له مع الشكر".‏

واضطر زهير للصمت وقعد جانب حسان الصامت بالأصل. بينما ضحك الابن الأكبر الصيدلي بشيء من الشماتة وظن أن ما تبقى من ثروة أبيه، حوالي المليونين ونصف، ستكون من نصيبه داخل الصندوق الكبير وبعد أن أعلن المحامي ذلك، فتح الصيدلي صندوقه ليجده مملوءاً تماماً بعلب الأدوية وقواريرها المختلفة باختلاف أسمائها ومفعولها بدءاً من مكافحة الرشح والانفلونزا والالتهابات المختلفة وانخفاض ضغط الدم وانشاط دورتيه الكبرى والصغرى والخلاص من الصداع والمغص وغير ذلك. ولما فتح الصيدلي عينيه وفمه مذهولاً راح المحامي يوضح:‏

"تبين لنا أن موكلي الشيخ حمدي لم يكن يشكو طوال السنوات العشر الماضية من أي مرض، ولم يكن بحاجة إلى أي نوع من الأدوية والعقاقير التي قدمها له ابنه الأكبر السيد مروان ولذا تقرر إعادته مع الاعتذار لنفاذ فترة صلاحيتها".‏

بعد إسبوعين فقط من القسمة تزوج الشيخ حمدي العطار الأرملة الجميلة هيام وعاش معها سعيداً عشرين سنة أنجبت له خلالها ابنتين حلوتين عوضتا على أبيهما ما افتقده من محبة الأبناء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244