|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
القائد الأسد قراءة في الاستمراريّة والتجديد ـــ د. فاروق اسليم إن الذين يقرأون التاريخ قراءة فهم واستيعاب يدركون تماماً أن إحداث قطع في سيرورة حياة المجتمعات والأمم لا يتم بإحداث قطيعة بين الماضي والحاضر، بل بتطوير المنجزات المتحقّقة تطويراً نوعيّاً تحذف به عوائق التقدم نحو الأفضل، وتضاف به إلى المنجزات المتحققة مايقدرها على التجدّد والانبعاث. وإن الحركة التصحيّحية المباركة أحدثت بقيادة الرفيق حافظ الأسد، قطعاً في سيروة التاريخ العربي، ولاسيما تاريخ سورية، وتاريخ الصراع العربي ـ الصهيونيّ، ولكن الحركة التصحيحية لم تفكر، ولم تسع في إحداث قطيعة مع الماضي، وذلك لأن جوهرها القومي العربي لا يتحقّق إلاّ بالتواصل مع تاريخ الأمة، ولا يتنامى إلا بالاكتشاف المستمر للمنجزات التاريخية العربية المختلفة لتوظيفها في تحقيق أهدافنا في الوحدة والحرية والاشتراكية، ولبناء المرتكزات اللازمة للانطلاق نحو تلك الأهداف. وقد أعلنت الحركة التصحيحية ببيان القيادة القطرية المؤقتة أنها استمرار متطوّر لمسيرة حزب البعث العربي الاشتراكي، فالبيان يشكل برنامجاً حزبياً ووطنياً وقومياً ودولياً واضح الدلالة على الاستمرارية بتجديد الأدوات الموصلة إلى الأهداف، والبيان ـ أيضاً ـ يُشعر بالتأكيد على أمرين لا يقلّ أحدهما أهمّية عن الآخر، الأول: عمق الانتماء إلى الأمة العربية، وإلى منجزات حزب البعث العربي الاشتراكي، والثاني: التوجه الواعي نحو تجاوز مايعوق فهمنا لحقائق التاريخ ولمتطلبات العصر الذي نعيش فيه، والتحديات التي نواجهها. وبناء على ماسبق كانت الحركة التصحيحية تجديداً لمسيرة الحزب والوطن والأمة، غايته أن يتنامى نضالنا، وأن تزداد فعاليته بإنتاج وعي جديد، وباستخدام أساليب جديدة. وإنّ النجاح الفائق للحركة التصحيحية في تجديد مسيرة الحزب والوطن والأمة جعل منها عصراً متميّزاً، ولكنّه غير منقطع عمّا سبقه. وأحسب أن أعظم إنجازين للحركة التصحيحية بقيادة الرفيق حافظ الأسد هما: بناء دولة المؤسسات في الجمهورية العربية السورية، وقيادة المشروع القومي العربي المواجه للمشروع الصهيوني الاستيطاني. ومن المعروف أن هذين المنجزين كانا موضع اهتمام حزب البعث العربي الاشتراكي ودولته في سورية قبل قيام الحركة التصحيحية، ولكن قائد الحركة الرفيق حافظ الأسد هو الذي أدرك واستخدم ما يناسب للوصول إليهما، وذلك برؤيته الشمولية والدقيقة، وبواقعيته النضالية، وبقراراته الحازمة والصائبة، وبإرادته الصلبة، وبتفوقه في إدارة شؤون الدولة لمواجهة أخطر الأزمات والهجمات داخليّاً وخارجيّاً. إن للمنجزين الرئيسين للحركة التصحيحية (بناء دولة المؤسسات، وقيادة المشروع القومي) مفردات كثيرة، تآلفت مفردات كلّ منهما مع الآخر، وقوي كلّ منهما بالآخر. وبعيداً عن التفاصيل والأرقام نجد من اليسير علينا أن نشير إلى مفردات دولة المؤسسات في سورية، ففي ظل الحركة التصحيحية أنجز الدستور الدائم، وقامت الجبهة الوطنية التقدّمية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، ومجلس الشعب، ومجالس الإدارة المحلية، وتنامت واتسعت دائرة المنظمات الشعبية، والنقابات المهنية، وتطوّر كثيراً التعليم في مراحله المختلفة، ولاسيما التعليم العالي، والبحث العلمي، ويضاف إلى ذلك تنامي قدرات جيشنا، وانضباطه الشديد، والتزامه بحماية أمن الوطن والدفاع عنه، وولاؤه المطلق للحزب والدولة بقيادة الرفيق الأمين العام للحزب، رئيس الجمهوريّة، القائد العام للجيش والقوات المسلّحة. ومن المعروف أنّ تلك المؤسسات تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن بوحدة الأمة العربية، وبضرورة تحرّرها من الاستعمار والاستغلال بأشكاله المختلفة، ولاسيما مواجهة المشروع الصهيوني الاستيطاني. وهذا ماجعل سورية حكومةً وشعباً في حالة انسجام تامّ مع المهمة التي نذر القائد الأسد نفسه لها، وسعى بدأب من أجلها حتى غدت سورية هي الحاملة لراية النضال القومي العربي، ولذلك مفردات كثيرة بدأت بالعمل من أجل التضامن العربي وكان من ثماره حرب تشرين التحريرية المجيدة، ثم دخول القوات العربية السورية إلى لبنان لنصرة الشرعية، ولمحاربة الطائفية، ولدفع العدوان الصهيوني، ولنصرة المقاومة الوطنية، فأسقط اتفاق 17 أيار، وانتصرت الشرعية في لبنان، وتوّحد المساران: السوري واللبناني، ثمّ انتصرت المقاومة، وتحرّر الجنوب اللبناني بمؤازرةٍ سورية رعت المقاومة، ودعمتها إلى أن تحقق الانتصار. لقد أصبحت سورية بقيادة الرفيق حافظ الأسد، قوة لا يمكن للسياسات الدولية والإقليمية تجاهلها أو التقليل من شأنها، وأصبح قائدها رمزاً للكبرياء العربي، وللوفاء العربي، فهو القائد العربي الذي قال للدولة الأقوى في العالم (لا)، قالها قويّة واضحة حازمة، دفاعاً عن الكرامة والسيادة، فحافظ قائدنا على حقّنا في متابعة مسيرة تحرير الأرض في حياته، وبعد ارتحاله. إن المنجزات العظيمة التي حققتها الحركة التصحيحية لسورية وللعرب تمّت باقتدار القائد الأسد على تجديدها باستمرار مع تمسكه بثوابت هوية الحركة التصحيحية، ومبرّرات قيامها، وباقتداره على الرؤية المستقبلية الاستراتيجية الصائبة. ومن المسلم به أن الإنجازات العظيمة في حياة الأمم ترافقها ثغرات تشكّل تحدّيات جديدة، ينبغي أن تواجه بفاعلية للحفاظ على المنجزات، ولمتابعة مسيرة التقدم نحو الأفضل. وقد أدرك القائد الأسد أثر تلك الثغرات، وأهمية الاعتماد على الذات لمواجهتها، فأكد على ضرورة بناء الإنسان في سورية بناءً علمياً وثقافياً وأخلاقياً ومعيشيّاً لمواجهة تحدّيات تحديث الدولة والقضاء على الفساد من جهة، ولمواجهة تحديات العدوان الصهيوني على الأمة العربية من جهة ثانيةً، فقد كان القائد الأسد يعتقد أن ارتقاء المواطن العربي في سورية وحدها إلى مستوى المستوطن الصهيوني كفيل بانتصار المشروع القومي العربي على المشروع الصهيوني الاستيطاني وهذا يدل على عمق اعتقاده بانتصار مشروعنا القومي العربي ولاسيما أن القائد حافظ الأسد كان حريصاً على الاستفادة من كلّ قوّة تناصر الحق العربي، سواء أكانت عربية أو إسلامية أو دولية. ومن أجل مواجهة تحديات تحديث الدولة، والعدوان الصهيوني، ونظام العولمة كان التوجه نحو دخول سورية المبرمج والهادف إلى عصر المعلوماتية، وكان للشهيد باسل الأسد فضل تأسيس الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية عام 1989، بهدف نشر المعلوماتية في سورية، وتأهيل المواطن القادر على تطبيقها في مختلف نواحي الحياة، وتبع ذلك إدخال المعلوماتية إلى مناهج التدريس في مراحل التعليم (الثانوي، المعاهد، الكليّات)، وأحدثت أقسام خاصة بالحاسبات، وبالمعلومات. وقد تابع الدكتور بشار حافظ الأسد، منذ عام 1994، مسيرة الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، فاتسع نشاطها، وتعدّدت آفاقها، وعظم الاهتمام بها. وقد أكد رئيسها على ضرورة "الاهتمام بتطوير المعلوماتية في سورية، ونقلها من إطار الهواية، ووضعها في إطار الحاجة الملحة"، وبناء على توجيهاته طرح شعاره "المعلوماتية للجميع"، واتجه نحو تطبيقه بإقامة البرنامج الوطني لنشر المعلوماتية، بالتعاون مع وزارتي التربية، والتعليم العالي. وكان الرفيق القائد بشار الأسد في أثناء ذلك يتواصل بشكل مباشر مع المواطنين، ويرى عن قرب مشاكلهم، ويتحسّس نبض الجماهير الراغبة في استمرارية مسيرة القائد حافظ الأسد، وفي التخلّص من الفساد ومن مظاهر الترهل في المواقع القيادية والإدارية، فكان توجه القائد بشار الأسد نحو محاربة الفساد، وتحديث الدولة مؤسساً على معرفة واسعة ودقيقة لما هو مقدم عليه. وفي مقابل ذلك كان القائد بشار الأسد يولي الوجه الآخر لوطنية جماهير سورية اهتماماً كبيراً، وهو الوجه القومي العربي، فأمسك بالملف اللبناني، واتسعت، وتعمقت علاقاته مع الرئيس العماد إميل لحود، ومع الفعاليات السياسية والروحية المختلفة، ومع المقاومة الوطنية اللبنانية ممثلة بحزب الله، وغيره من رموز النضال والمواجهة. وتعامل القائد بشار الأسد قبل رحيل والده مع ملف السلام وكانت زياراته، ولقاءاته مع المسؤولين العرب في الأردن، ودول الخليج العربي، ومع الرئيس جاك شيراك في باريس موظفة لتفعيل مسيرة السلام وفق رؤية القائد الخالد حافظ الأسد. ومن اللافت أن القائد بشار الأسد كان مهتماً بشأن قواتنا المسلحة، وهو يدرك أن تحديث الجيش العربي السوري هو جزء من تحديث سورية. وإن الأطروحة التي أعدّها لنيل شهادة القيادة والأركان من الأكاديمية العسكرية العليا في دمشق تدلّ بوضوح على توجهه نحو تحديث جيشنا، فعنوان الأطروحة هو (النوعية في الممارسة العسكرية)، وقد بحث فيها النوعية في الممارسة التربوية ثم في الممارسة التدريبية، ثم في الممارسة القتالية، وكان جيشنا هو مجال بحث القائد بشار الأسد، وهو مجال اهتمامه. وقد افتتح الباب الأول من الأطروحة بكلمة للقائد الراحل حافظ الأسد، ومنها:"فإذا بُني إنساننا البناء السليم، وخاصة عقله وإرداته، فلا خوف من غزاة، ولا قلق من عدوان، ولاشك في امتلاك ناصية النصر، فلنبن الإنسان عقلاً وجسداً). إن التوجهات الوطنية والقومية للرفيق الدكتور بشار الأسد في حياة والده الراحل الخالد تظهر حرصه على التمسك بنهج القائد حافظ الأسد وطنياً وقومياً، وتظهر قدراته الاستثنائية علماً وإرادة وخلقاً وحزماً وإدارة وصبراً على العمل الخلاّق والمبدع، وتظهر بعد ذلك أنه سرّ أبيه، وأنّه المهيأ لمتابعة المسيرة، ولمتابعة النهج. ورحل القائد الخالد حافظ الأسد في العاشر من حزيران، وهو مطمئن، فقد أدى الأمانة، وحفظ لأمته الكرامة، وقرّت عيناه بتحرير الجنوب اللبناني،وترك لمن يأتي بعده مهمة إتمام مسيرة التحرير والبناء. إن الجماهير التي خرجت فور سماعها نبأ رحيل قائدها كانت تدرك بعقل وعاطفة أن على مسيرة القائد الراحل أن تستمرّ، فخرجت لذلك الجموع مودّعة القائد حافظ الأسد، ومبايعة القائد الجديد بشار الأسد، كانت الجماهير المودّعة المبايعة تدرك عمق هتافها منذ زمن(قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد)، وهتافها (إلى الأبد، إلى الأبد ياحافظ الأسد)، كانت تدرك أن قائدها سيرحل جسداً، وسيبقى روحاً ونهجاً وفكراً، وكان هتافها للقائد بشار الأسد تعبيراً ظاهراً عن تمسكها بنهج القائد الأسد، وعن رغبتها في استمراره جسداً في شخص نجله بشار حافظ الأسد. ولذلك كان الإسراع في اتخاذ الإجراءات الدستورية لترشيح القائد بشار الأسد يعبّر عن رغبة شعبية عارمة في مبايعة نجل الراحل قائداً للمستقبل، تستمرّ به المسيرة وتتجدّد. وقد انعقد المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي بعد سبعة أيام فقد من رحيل أمينه العام، وكانت مقرّراته تعبيراً موضوعياً عن استمرارية نهج القائد الأسد، وعن تجديده بقيادة من ارتضاه الشعب، والحزب، والجبهة الوطنية التقدّمية، والجيش لقيادة الشعب والأمة. وكان القرار الأوّل الذي أقرّه المؤتمر بالإجماع يختزل توجهات المؤتمر، وهو مبايعة الرفيق، الفريق بشار حافظ الأسد قائداً للحزب والشعب. وإن في الكلمة التوجيهية التي ألقاها سيادته في الجلسة الختامية للمؤتمر رؤيا صائبة لمستقبل الحزب، و الوطن والأمة، فقد أكد القائد بشار الأسد في تلك الكلمة على عمق انتمائه البعثي، فالبعث "سيتنامى أكثر فأكثر، وسيكون عماد أي استقرار، ومحور أي تغيير أو إنجاز، وسيظل حزبنا أميناً لقيم البعثي الأول القائد حافظ الأسد". وأكد القائد بشار الأسد في كلمته على الاستمرارية بالتجديد في قوله:"إن استمرار الحزب مضمون بمقدار تلازمه مع الواقع، وتماشيه مع تطوّراته"، وفي تأكيده على أنّ "عقيدة الحزب وشعاراته اليوم لا تزال تتماشى مع العصر، وتنسجم معه". "سأكون في خدمة الشعب والأمة"، بهذه العبارة الموجزة بيّن الرفيق الفريق بشار الأسد، الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي مشاعَرَه، وأفكاره، وغاياته، قال ذلك لدى تسلّمه قرار موافقة مجلس الشعب، وبالإجماع على ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية لفترة رئاسية دستورية مدتها سبعة أعوام ميلادية. وسيكون يوم العاشر من تموز موعداً لجماهير شعبنا تؤكد فيه بالكتابة محبتها ووفاءها لقائدها الجديد بشار الأسد، وتعلن فيه استمرارية نهجنا الوطني والقومي. لقد علّمنا القائد الراحل أن سورية قادرة على اتخاذ القرار الوطني القومي الصائب والمستقل، وستكون كلمة (نعم) لقائد حزبنا وشعبنا قراراً وطنياً وقومياً صائباً مستقلاً، نصوّت به لماضينا المشرق، ولمستقبلنا الأفضل، وليكن وهجاً يصطلي به أعداؤنا، وتُنار به آفاق حاضرنا ومستقبلنا. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |