جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:13 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

اللسانيات والسياسة نعوم تشومسكي ـــ ت: د. مازن الوعر

القسم الأول‏

تشكل هذه الصفحات عنواناً في كتاب ألفه عالم اللسانيات الأميركي نعوم تشومسكي عام 1979، وعنوان الكتاب: اللغة والمسؤولية ( language and Responsibility) . متن الكتاب حوارٌ جرى بين اللساني الأميركي تشومسكي واللسانية الفرنسية ميتسو رونا التي نشرت الكتاب بالفرنسية وقد ترجمه إلى الإنكليزية جان فيرتل وذلك بتكليف من تشومسكي نفسه.‏

الحقيقة أن الترجمة العربية ليست نصيَّة وحرفية بل هي ترجمة متصرفة وشرحية، فآمل أن يستفيد القارئ العربي من فيض هذا المفكر العبقري الفذ.‏

ميتسو رونا‏

يبدو أن كتاباتك السياسية وتحليلاتك للإيديولوجيا الأمريكية معروفة في فرنسا وفي الولايات المتحدة أكثر من النظرية اللسانية الجديدة التي ابتكرتها وهي نظرية النحو التوليدي والتحويلي.‏

وهذا يفرض السؤال التالي: هل هناك علاقة بين نشاطاتك العلمية (دراسة اللغة) ونشاطاتك السياسية في أساليب التحليل على سبيل المثال؟‏

نعوم تشومسكي‏

إذا كان هناك علاقة، فهي في المستوى التجريدي تقريباً. فليس عندي أية أساليب تحليل من هذا النوع، إن المعرفة اللسانية الخاصة عندي والمتعلقة باللغة ليس لها أي تأثير في المسائل السياسية والاجتماعية.‏

فكل شيء كتبته حول الموضوعات السياسية والاجتماعية كان يمكن أن يكتبه شخص آخر. فليس هناك ارتباط مباشر بين نشاطاتي السياسية وكتاباتي اللسانية، على الرغم من أن اللغة إلى حد ما ربما تُقتبسْ من افتراضات ومواقف معينة فيما يخص الملامح الأساسية للطبيعة الإنسانية.‏

يبدو لي أن التحليل النقدي في الساحة الأيديولوجية مسألة عادلة عند مقارنته بتحليل يتطلب درجة من التجريد الفكري بشكل عام.‏

فالتحليل الأيديولوجي الذي يشغلني يحتاج إلى قليل من سعة الصدر والمرونة والذكاء العادي والشك السليم، خذ مثلاً مسألة دور المفكرين في مجتمع مثل مجتمعنا، فهذه الطبقة الاجتماعية التي تشمل المؤرخين وبعض الأساتذة والصحفيين والمعلقين السياسيين تتعهد بأن تُحلّل وتعرض صورة ما للواقع الاجتماعي. فاستناداً لتحليلاتهم وتفسيراتهم فإنك تراهم يخدمون كوسطاء بين الحقائق الاجتماعية وجماهير الشعب. إنهم يخلقون المسوغات الأيديولوجية لممارسة اجتماعية معينة.‏

لننظر إلى عمل المختصين في الشؤون المعاصرة ولنقارن تفسيرهم بالأحداث الواقعية، قارن مثلاً بين ما يقولون وبين عالم الحقيقة الذين يعيشون سوف تجد على الأغلب تشعباً كبيراً واختلافاً عظيماً. ويمكننا أن نخطو خطوة أخرى ونحاول أن نفسر هذه التشعبات آخذين بعين الاعتبار وضع طبقة المفكرين.‏

أظن أن مثل هذا التحليل له بعض الأهمية، ولكن المهمة ليست صعبة جداً ولا يبدو لي أن المشكلات الناشئة عنها تفرض تحدياً فكرياً كبيراً.‏

فبقليل من الاجتهاد والانتباه، فإن أيّ إنسان يرغب أن يجرد نفسه أو يخرجها من نظام الإيديولوجيا والدعاية والإعلام سيكتشف حالاً أساليب التشويه التي طورتها طبقة المفكرين الأٍساسية.‏

إن كل شخص قادر أن يفعل ذلك، إذا أجرى مثل هذا التحليل ولو بطريقة بسيطة... لأنه من المألوف تماماً أن التحليل السياسي والاجتماعي عند هؤلاء الناس يدافع دائماً عن مصالح خاصة مرتبطة بالإيديولوجيا ولا يقدم وصفاً دقيقاً للأحداث الحقيقية ليبيّن أسبابها ويعالجها خارج إطار الأيديولوجيا.‏

وبكلمة أكثر دقة، يجب على المرء أن يكون حذراً ألاّ يُقدّم الانطباع المزيف لأي حدث يرتبط بمصلحة إيديولوجية. إن المختصين فقط هم المؤهلون والقادرون من خلال تدريب خاص على تحليل الحدث تحليلاً يقوم على الحقيقة.‏

والحقيقة إن بعض المفكرين يستخدمون قضية التخصص والتدريب حجة لتحقيق ما يريدون. فهم يريدون منا أن نفكر بهذه النقطة فقط متظاهرين أنهم مهتمون بمسعى خفي لا يمكن للناس البسطاء والعاديين الوصول إليه.‏

ولكنَّ هذا يُعدّ هراءً وكذباً بدليل أنه يمكن للعلوم الاجتماعية بشكل عام تحليل الشؤون المعاصرة والتواصل مع أي امرئ يريد أن يهتم بهذه المسائل.‏

إن استخدام مفاهيم مزيفة كاذبة من هذه الطبقة الإيديولوجية المفكرة كمفهوم التعقيد والعمق والغموض في معالجة القضايا الإيديولوجية إنما هو جزء من الوهم الذي ينسجه نظام السيطرة الإيديولوجية التي تهدف لأن تجعل المسائل تبدو بعيدة عن عامة الجماهير لإقناعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون وصاية الوسطاء.‏

لذلك السبب وحده يجب أن يكون المرء حذراً ألاّ يربط تحليل المسائل السياسية الاجتماعية بتحليل المسائل العلمية (اللسانية) التي تتطلب تقنيات وتدريبات خاصة وتتطلب أيضاً إطاراً فكرياً معيناً من المرجعية العلمية.‏

ولكي يرقى التحليل السياسي الاجتماعي إلى مستوى التحليل العلمي فإنه لا بد أن يواجه الحقائق وأن يتّبع خطاً عقلانياً منطقياً من الجدل والمناقشة البناءة، القائمة على المفهوم الديكارتي في تحليل الأحداث. أي أن تنظر بإرادتك ومرونتك وسعة صدرك إلى الحقائق من أجل وضع الاقتراحات البسيطة للحدث قيد الاختبار ومن ثم متابعة الجدال والمناقشة بعيداً عن الادعاء بالمعرفة الخفية الخاصة لاكتشاف "الأعماق"، ذلك الادعاء الذي هو وهم في وهم.‏

م. رونا‏

من خلال سؤالي الأول، كنت أفكر في العمل الذي كان قادراً على أن يبيّن "قواعد" الأيديولوجيا غير المتمكنة للوصول إلى وعي هؤلاء المهتمين بالتاريخ.‏

من ذلك مثلاً، الدراسة التي كرسها "جين بيير فاييه" عن كيفية صعود الإيديولوجيا النازية إلى مسرح الأحداث. فهذا النموذج من العمل والتحليل لجين بيير فاييه يبيّن لنا أن نقد الإيديولوجيا يمكن أن يحقق بعداً فكرياً وعمقاً خفياً.‏

ن. تشومسكي‏

أنا لا أقول باستحالة ابتكار نظرية ممتعة وعميقة فكرياً، تتعامل مع الإيديولوجيا وأسسها الاجتماعية. إنّ ذلك ممكن. ولكنه ليس من الضروري لكي نفهم مثلاً ما يُقنِع المفكرين غالباً أن يتنكروا للواقع خدمة لقوة خارجية. إنه يمكن معرفة الحالات الخاصة حول هذه المسألة. ولكي يتأكد المرء من معرفة حالات التنكر للواقع والحقيقة يمكنه معالجة هذه الحالات كموضوع بحثي مهم وجاد. ولكن علينا هنا أن نفصل بين شيئين:‏

الأول: هل من الممكن أن نقدّم تحليلاً نظرياً هاماً لهذه الحالات؟ الجواب: نعم ممكن، ولكن ضمن إطار النظرية. وهذا التحليل النظري يحتاج إلى تدريب خاص يُعد جزءاً من العلم.‏

الثاني: هل مثل هذا التحليل المبني على العلم ضروري لإزالة البعد المشوِّه للحقائق والذي فرضه المفكرون على الواقع الاجتماعي؟ الجواب هنا لا.‏

من هنا فإن التحليل القائم على الشك العادي والانتباه البسيط يكفيان.‏

لنأخذ مثالاً ملموساً يوضح هذه الفكرة. عندما يحدث حدث ما في العالم فإن وسائل الإعلام المرئية (التلفزة) والمسموعة (الإذاعة) والمكتوبة (الصحافة) تبحث عن شخص يفسر هذا الحدث. ففي الولايات المتحدة مثلاً فإنهم يرجعون إلى المختصين في العلوم الاجتماعية معتمدين بذلك على الفكر الذي يبدو ظاهرياً معقولاً أحياناً ومعقولاً ضمن حدود في أحايين أخرى. حتى أن هؤلاء الخبراء في العلوم الاجتماعية عندهم مقدرة خاصة ليفسروا ماذا حدث.‏

وبشكل مماثل، من المهم بالنسبة للاختصاصيين أن يجعلوا كل امرئٍ يؤمن بوجود إطار فكري يكون بحوزتهم هم وحدهم. لذلك لهم وحدهم الحق لأن يفسروا هذا الحدث ويعلقوا عليه أو هم وحدهم في وضع يسمح لهم أن يفعلوا هذا.‏

هذه إحدى الطرق التي بها يستطيع المفكرون المختصون أن يقدموا عملاً نافعاً ومؤثراً ضمن جهاز السيطرة الاجتماعية. أنتِ مثلاً لا تسألين الرجل الذي في الشارع كيف نبني جسراً، لا بد لكِ أن ترجعي إلى خبير مختص.‏

وبالطريقة نفسها يجب ألاّ تسألي الرجل الذي في الشارع هل يجب أن نتدخل في أنغولا مثلاً؟ هنا يحتاج المرء إلى اختصاصيين كان قد تم اختيارهم بشكل حريص.‏

لكي نجعل كل هذا الشرح واضحاً وملموساً أكثر دعيني أعلّق بطريقة شخصية جداً. في مهنتي كأستاذ للسانيات كنت قد أشرت إلى عدد من الحقول المعرفية المختلفة. فقد بحثت في اللسانيات الرياضية دون أية شهادات اختصاصية في الرياضيات. ففي هذا الحقل أحاول أن أتعلم ولكنني لست ذلك المتعلم الجيد في هذا المجال. ولكن رغم ذلك هناك بعض الجامعات التي دعتني لأن أتكلم عن اللسانيات الرياضية ولا سيما في حلقات البحث (السيمينار). لم يسألني أحدٌ أبداً فيما إذا كان معي شهادات معتمدة لكي أتكلم عن هذا الموضوع حتى الرياضيون لم يهتموا بهذا السؤال. ما يريدون أن يعرفوه هو ماذا يجب أن أقول حول اللسانيات الرياضية. لم يعترض أحد أبداً على حقي بأن أتكلم ولم يسأل إذا كنت أحمل درجة الدكتوراه في الرياضيات أو إذا كنت قد قمت بدورات تدريبيّة متقدمة في هذه المادة، فذلك لم يدخل في أذهانهم أبداً. هم يريدون أن يعرفوا فيما إذا كنت على صواب أو خطأ، أكان الموضوع ممتعاً أم لا. فهم لم يتجادلوا أو يهتموا حول حقي في أن أناقش هذا الموضوع أم لا.‏

ولكن من جهة أخرى عندما أريد المناقشة أو التحدث بخصوص مسائل اجتماعية أو سياسية خارجية للولايات المتحدة كمسألة فيتنام أو الشرق الأوسط تبرز مثل هذه الأسئلة باستمرار وغالباً بحقد ساخر فعندما كنت أتكلم عن هذه القضايا فقد وُجِّه إليَّ أسئلة تحدٍ متكررة تقوم على أساس الشهادات المعتمدة لدي حول هذه المسائل.‏

فقد سُئلت أكثر من مرة ما هو التدريب الخاص الذي يؤهلك لأن تتكلم عن هذه المسائل السياسية والاجتماعية؟!... إن هؤلاء السائلين يحبونني، لذلك يريدون من الناس الذين ليسوا مختصين بالمسائل السياسية والاجتماعية (أمثالي) ألاّ يتكلموا عن هذه الأحداث. تصوري!!‏

لنقارن بين الرياضيات وبين العلوم السياسية، تلك المقارنة الملفتة للنظر. في الرياضيات، الناس مهتمون بما تقول وليس بشهاداتك وكفاءاتك.‏

ولكن إذا أردت التكلم عن الواقع الاجتماعي من منظور سياسي فيجب أن يكون لديك "أوراق اعتماد" مناسبة، خاصة إذا ابتعدت عن إطار التفكير المقبول والمألوف.‏

ويبدو من الإنصاف أن نقول: إنه كلما كانت المادة الفكرية لحقل معرفي ما أغنى كان الاهتمام بالأوراق المعتمدة أقل وكان التركيز على المضمون أكبر.‏

فلكي يعالج المرء مسائل أساسية في التعاليم الأيديولوجية فهذه مسألة خطيرة لأن هذه التعاليم غير مهتمة بكشف الحقائق وشرحها كما هي، بل تميل لأن تقدم هذه الحقائق وتفسرها بطريقة توافق بعض المتطلبات الإيديولوجية.‏

ولكي نشبع الموضوع مناقشة ينبغي أن نلاحظ فرقاً ملفتاً للنظر (في تجربتي الشخصية على الأقل) بين ديمقراطية الولايات المتحدة وبعض الديمقراطيات في الدول الصناعية الأخرى، لقد وجدت عبر السنين أنه بالرغم من أنه طُلب مني أن أُعلّق على بعض الشؤون الدولية أو المسائل الاجتماعية في الصحافة أو الإذاعة أو التلفزة في بلاد مثل كندا وأوربا الغربية واليابان واستراليا، فإن ذلك نادراً ما كان يحدث في بلدي أي في الولايات المتحدة (باستثناء بعض الصحف التي تخصص بعض الصفحات التي يُسمح فيها بإبداء الرأي المخالف الذي يُشجّع أحياناً ولكن يغلّف ويُعرّف بأنه "تعبير كامل لمجال من الآراء").‏

لقد كانت المقارنة مدهشة تماماً خلال فترة الحرب الفيتنامية، بل إنها هي هي حتى هذا اليوم. فلو كانت مجرد تجربة شخصية، لما كانت لها أية أهمية ولكنني متأكد تماماً أنها ليست شخصية. فالولايات المتحدة ليست عادية بين ديمقراطيات الدول الصناعية في قساوة نظام السيطرة الإيديولوجية التي تمت ممارستها عبر وسائل الإعلام.‏

إن أحد التدابير المستخدمة لتضييق وجهة النظر هو الاعتماد على الثبوتيات والشهادات الاختصاصية (الأوراق المعتمدة)‏

وهكذا عندما أتردد في ربط التحليل اللساني بالتحليل السياسي الاجتماعي "المؤدلج" كما يقترح الكثير من الناس فإن هذا التردد يعود لسببين:‏

الأول أن مثل هذا الربط في الحقيقة هو ربط ضعيف فأنا لا أريد أن أساهم في إيهام الناس بأن هذه المسائل تتطلب فهماً تقنياً بعيد المنال، فأنا لا أريد أن أنكر ما تقولينه.‏

الثاني أنه يمكن للمرء أن يفهم طبيعة الإيديولوجيا ودور السيطرة الإيديولوجية والدور الاجتماعي للمفكرين في طراز عصري مزيّف. ولكن المهمة التي تواجه المواطن العادي المهتم بفهم الواقع الاجتماعي وإزالة الأقنعة التي تشوهه لا يمكن مقارنتها بالمهمة التي قامت بها "جين بيير فاييه" في بحثها وتحليلها الإيديولوجي لصعود النازية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244