جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:13 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ ـــ مازن محارب

سأل الفيلسوف اليوناني القديم سقراط ذات يوم، سؤالاً ظل صداه يتردد عبر فوهة السنوات والقرون الطوال: "كيف ينبغي للمرء أن يحيا"؟ سؤال كهذا، يستلزم أن نتأمل أنفسنا كأفراد طويلاً، وبشكل متعمق يفضي إلى أن نغير ما بأنفسنا. ومن جهة أخرى، سأل علماء الانثربولوجيا سؤالاً آخر، وثيق الصلة بسؤال سقراط، وهو: كيف نحيا معاً؟ وهو السؤال الذي أفضى بدوره إلى مجموعة متنوعة من المشكلات، مثل: من نحن؟ وكيف نترابط مع بعضنا البعض؟ وما الذي حدث؟..‏

وسؤال علماء الانثروبولوجيا لم يكن أقل شأناً من نتائجه، فلقد حثنا سقراط على تأمل أنفسنا بقوله: "ما استحقت الحياة أن نحياها إذا لم نتأملها بشكل جيّد". ويصر علماء الانثروبولوجيا على ضرورة أن يتضمن هذا التأمل أيضاً حياتنا المشتركة والمتبادلة اجتماعياً، فالقول بأن:‏

"الإنسان حيوان اجتماعي" لايعني وصف طبيعة هذا الإنسان بصفة عارضة أوطارئة، بل بصفة جوهرية تميز سر ماهو بشري فيه، فنحن لانستطيع الاكتفاء بالحياة لمجرد أنها حياة، ولا نستطيع مواصلة وجودنا كبشر وآدميين دون روح المعاشرة الاجتماعية. لذا فإن أي بحث ينظر إلى البشر باعتبارهم مجرد أفراد، ولا يعتبر من منظور عالم الانثروبولوجيا بحثاً كاملاً، ونحن لانستطيع أن نعرّف أنفسنا إلاّ إذا عرفّناها عبر علاقاتها بالآخرين. وفي كتاب لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ مؤلفه "مايكل كاريذرس Michael Carrithers" أستاذ ورئيس قسم الانثروبولوجيا بجامعة دورهام بانكلترا، وصاحب الدراسات الانثروبولوجية النظرية والميدانية العديدة، التي طبق فيها مناهج البحث العلمي الحديث، الذي تهتم مجمل أبحاثه بمجالات عدة، منها: العقيدة البوذية، والعقيدة اليانية، وأنثروبولوجيا حضارات الهند وسيريلانكا، وتطور ذكاء الإنسان، منهجاً بحثياً علمياً جديداً، هو المنهج التفكيكي، الذي يعتبر إحدى أهم ثمار نزعة مابعد الحداثة، ليطل من خلاله إطلالة عقلانية نقدية، تناقش بشكل علمي ومنهجي جريء وجديد، أسس الروح الاجتماعية المميزة للمجتمع البشري، وإزاء هذه المناقشة، نجد أنفسنا وقد وضعنا في خضم القضايا والتساؤلات التي يطرحها الكتاب، عبر فصوله التسعة، حيث لامناص من مناقشة أنفسنا، ونقدنا المتأني للواقع المحيط بنا، بل والتفتيش في التاريخ الثقافي الذي تربينا عليه، ونحن نظن أنه حقيقة مبرأة من الغرض، ومن ثم نحاول، بنفس القدر من الجرأة، مناقشة أنفسنا وفكرنا وعلاقاتنا الاجتماعية، شريطة أن نلتمس المنهجية نفسها في البحث والنظر. يبدأ "مايكل كاريذرس" بتبيان أن تفسير قابلية البشر للتغير، أصعب مما كنا نعتقد أو نظن، فنحن لسنا مجرد حيوانات تصوغها مجتمعاتها وثقافاتها، في قوالب على نحو سلبي، كل في إطاره، بل إننا أيضاً نصنع مجتمعاتنا بفاعلية ونشاط فكما قال موريس جودليير: "إن البشر على نقيض الحيوانات الاجتماعية الأخرى، فحياتهم ليست مجرد حياة في مجتمع، إنما هم ينتجون المجتمع ليعيشوا فيه "وهذا بالفعل يستلزم قدرات ذات فعاليات وتأثيرات تثير الإعجاب، ولهذا يؤكد كاريذرس أننا طورنا تلك القدرات، وهي القدرات نفسها التي يلخصها في عبارة "الروح الاجتماعية" والوعي المكثف بالذات والآخر وبالابتكارية، والفكر الروائي وجميعها تمثل الطبيعة البشرية المشتركة التي تشكل أساساً لقابلية التغيير الاجتماعي والثقافي. ولعل إطلالة المؤلف على الفكر الروائي تهمنا كثيراً هنا، نظراً لأننا مازلنا أسرى حقبة الثقافة الاجتماعية الشفاهية التي تحيا على الرواية دون رؤية نقدية ومن ثم فنحن بحاجة إلى تأمل الفكر الروائي الذي يملأ جنبات حياتنا حاضراً وماضياً، فهو الذي ينطوي على مختلف قدرات الإنسان من فهم وتفسير وتأويل وتخيل، وقد تتصف به هذه القدرات أو يصيبها من عوامل سلبية وانحيازات متأصلة في طبيعتنا كثيراً كبشر، إطلالة أخرى يجتهد المؤلف في القيام بها، وهي تحليله وتفكيكه الصبور لإحدى الثقافات العالمية وهي: البوذية، إحدى أهم الثقافات الأولى في العالم، من حيث تعداد المؤمنين بها وعراقة تاريخهم الحضاري الطويل متواصلاً إلى أنها شأن كل الثقافات، ابتكار بشري محض في مواجهة الإنسان /المجتمع للحياة، فهي صورة مبتكرة عن الحياة، ونهج إنساني إبداعي للتعامل والتفاعل، لكي تمضي الحياة ولا تتوقف أمام ألغاز معقدة ومتشابكة، وصولاً إلى رؤية إنسانية أشمل، تتطابق مع مقولة الفيلسوف الهندي "رادها كريشنان": "إذا ماتعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات فسنجدها جميعها واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، وإن تنوعت وتعددت ثقافاتها وهذا هو عين مايكشف عنه "كاريذرس" في نهاية كتابه: الجوهر الواحد للإنسانية، روح المعاشرة الاجتماعية، علة نشوء الثقافات وإن تنوعت وتعددت، وعبر ثلاث فصول من الكتاب، يستطلع المؤلف القدرات المنطوية عليها عبارته "الروح الاجتماعية" التي عددنا سابقاً، معطياً الأولوية للفكر الروائي حيث لم يحظ بدراسة كافية، علاوة على أنه يوجز الروح الاجتماعية البشرية، على النحو الذي يتيح للناس إمكانية العمل، وهو على وعي بفيض الأحداث الغارقين فيها، موضحاً كيف أن عالمنا الاجتماعي ومعارفنا في تفاعل دائم، مبرزاً كذلك الطبيعة التحولية للخبرة البشرية، أو ما لدينا من خصوبة إبداعية فريدة تميز الأشكال الاجتماعية، وكيف أنها وثيقة الصلة بهذه الخاصية التفاعلية، وقد ركز كاريذرس في النصف الأول من كتابه هذا، على نطاق صغير ومحدود من الخبرة الاجتماعية، متأثراً بشكل واضح بالتيارات العديدة السائدة في العلوم الاجتماعية التي لخصها هو في عبارة "الترعة التبادلية Mutualism" ونال أحد هذه التيارات منه اهتماماً خاصاً، وهو التيار المعني بأدق أنواع التحليل الممكنة للتفاعلات، التي تجري بين اثنين أو أكثر من الناس، ويتناولها الواحد بعد الآخر، ومثال هذا النوع من التحليل يجريه -في علم الاجتماع- متخصصون في مناهج البحث و "الاثنوغرافية ethnometho - dologist" وأخصائيون في تحليل المحادثات، كما يجريها في علوم اللسانيات باحثون متخصصون في التفاعل الاجتماعي اللغوي "Intractive socio Linguist" نستطيع أن نقول أخيراً أن "مايكل كاريذرس" يعالج في كتابه هذا ولو بطريقة تخطيطية عادية، مساحة كبيرة من دائرة المسائل التي تؤلف في مجملها مشكلة علم الانثروبولوجيا والبشرية من حيث هي وحدة في تنوع، وفي ذلك بتوجيه ثلاثة أسئلة وثيقة الصلة فيما بينها، أولاً: "ماهي الوحدة التي يقوم عليها التنوع الثقافي للبشر؟" الذي كانت إجابة المؤلف عليه هي: أننا، بصفتنا بشر، لدينا مجموعة خاصة ومميزة من السمات والقدرات هي الروح الاجتماعية. وبالرغم من استفاضة المؤلف في شرح إجابته تلك وتأكيدها بالعديد من الأمثلة والشواهد، فقد ظلت إجابة غير مكتملة، خاصة أنه نفسه قد أسقط العديد من الاحتمالات الواعدة، وأعني الكثير من الصفات التي يمكن أن تشتمل عليها "الوحدة النفسية للنوع البشري"، بالرغم من ذلك أيضاً، يشدد "كاريذرس" على تلك الأمور المشتركة بيننا جميعاً، لأنها "هي التي هيأت لنا أن نختلف هذا الاختلاف العقلي العظيم"، هذه الاعتبارات نفسها قادها المؤلف إلى السؤال الثاني: "كيف تولد التنوع"؟ وأمام هذا السؤال الصعب لم يستطيع كاريذرس معالجة كل الموضوعات المرتبطة به، وإنما قنع ببيان "كيف يمكن أن ينشأ التنوع؟" وكانت إجابته: إن الناس ليس فقط قادرين على اقتفاء فيض معقد من النشاط والأحداث، بل أيضاً قادرون على الاستجابة بطريقة ملائمة داخل هذا الفيض نفسه، فلابد ألا تكون بنا حاجة إلى تصور أنفسنا ككائنات آلية Automaton أو عرائس متحركة، وعلى مفهومنا للفيض الاجتماعي، ومانفعله داخله، أن يكون خاضعاً للتفاوض بين الأفراد المشاركين فيه، ومن ثم نخلص إلى أننا قادرون -كأفراد- على إدراكه، وقادرون -كجماعة- على خلق النظم والمؤسسات الجديدة، والمفاهيم الجديدة لأشكال الحياة. نفس هذه الإجابة، تقودنا إلى السؤال الثالث والأخير: "كيف يتسنى لنا أن نفهم عن ثقة ذلك التنوع؟" وكانت الإجابة: إن أساس المعارف الانثروبولوجية ليس مختلفاً عن أساس المعرفة عند أي إنسان في العالم الاجتماعي، وبرغم مجانية هذه الإجابة، فهي تتميز كذلك بملاءمتها للسلوك المرن القابل للتكيف الخاص بالعلاقات البشرية، وكثير من الباحثين الانثروبولوجيين يحولون هذه المعارف الاجتماعية إلى نوع آخر من المعرفة، هو مااصطلح عليه باسم الاثنوغرافية، وهي أسلوب من أساليب التعلم القائم على نموذج قياسي، وثيق الصلة بجماعة محددة من الناس، في أماكن وأوقات بعينها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244