|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 05:13 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الأدبي |
|
أحلام حنظلة ـــ محمد خير إبراهيم عواد أذنت الشمس بالمغيب، وتقدمت جحافل الليل تسابق الناس للعودة لأعشاشهم كطيور أنهكها الجهد من عناء السفر وإذ بحنظلة يسير بشوارع المدينة يتأمل الناس وهم يسيرون بأشكال مختلفة، بعضهم على عجلة من أمره يثير فضول المرء نحوه ويعتقد أنه منهك لأمر هام، وآخر يسير ببطء شديد لا يكترث بهدر الوقت، وآخر يمشي مرحاً دون هم أو غم، كل همه المتعة لا أكثر وبعض النسوة يسرن متبخترات يتباهين بجمالهن وشعرهن يلوح مع نسمات الريح يغازل الزمن الضائع بيد أن المساحيق تزينهن وتعكس ضياء المصابيح بتنافس فيما بينهن، رغم أن هذه المساحيق تخفي وراءها وجوههن الحقيقية وربما وجوه بعضهن متقيحة متجذرة لكثرة ملاحقتها لكل جديد بعالم المساحيق وكأن وجوههن حقل تجارب لحرب كيماوية وبعضهن تضع المساحيق لتخفي سمرتها وتكون أكثر بياضاً رغم أن تعدد الألوان يعطي الدنيا زهوتها، ولولا سمرة الليل ماكان السهر ولولا جبة الليل ما استمتعنا بالقمر وغزل النجوم، ويتابع حنظلة المسير بشوارع المدينة على غير هدى، الوقت ربما يستفيد من الزمن الضائع لمعرفة دنيا متقيحة ملأى بهموم الصغار وجبروت الكبار وظلم المشردين وقهر المحرومين قانون الغابة ثابت قانون البشر مطاط حنظلة يحلم كثيراً وغالباً ما يصحو من غفوته ليعود للواقع من جديد يتبدد الحلم ويرى الحقيقة نصب عينيه يتألم ويشعر بغثيان بعدها يستعيد قواه من جديد وغالباً ما يفضل الحلم ربما يشعر بالسعادة أكثر مما تراه عيناه وتسمع به أذنه ويعود حنظلة إلى عشه ويتأمل آخر مشهد من عائلته الصغيرة وتقف ذاكرته عند أصغر أبنائه، طفلة لم تتم العامين من عمرها اسمها تيماء ابتسامتها تبهج قلبه وتنسيه بعض همومه وحركتها العفوية والبريئة تجبره على الابتسام وتصدر أصواتاً كأنها بشرى للمستقبل القادم بالأمل والخير وما يعزي حنظلة هذه البراعم التي تتفتح بدنيا الأشواك لتغطي قسوتها وتصبح الدنيا جميلة كعام يبدأ بالمطر والخير لكي يعوض سنوات القحط وينتهي حنظلة من مسيره ليصل إلى قريته التي تنضح بالماء والشقاء والعناء داخلاً عشه وكأنه قطار يقف بمحطة انتظار ممل ينتظر فائده إيذاناً بالسير إلى نهاية العمر ويسارع حنظلة بتقبيل الصغار والاغتسال وتناول الطعام. وبعدها يحادث زوجته عن هموم الصغار ومستلزمات البيت التي لا تتوقف عند حد ويتسلل إلى فراشه لكي يخلد للنوم فهو عالمه المفضل للهروب من دنيا الهموم إلى عالم الأحلام ويغوص في نوم عميق لأنه مرهق من عناء النهار والسعي وراء لقمة العيش، بدا حنظلة كجثة هامدة مستلقياً على ظهره ووجهه تتقلب قسماته بأشكال متعددة تارة يعقد حاجبيه ويزم شفتيه وأنفاسه صعوداً وهبوطاً كأمواج بحر متدافعة نحو الشاطئ وتارة يحرك يديه ببطء شديد، وكأنه يصارع وحشاً كاسراً وتصدر عن احتكاك أسنانه أصواتٌ، وكأنه أمام موقف يحتاج لقوة وجسارة وبدت هذه الانفعالات تظهر على قسمات وجهه كمرآة تظهر ما بداخلها من حلم. يشاهد فتى صغيراً يسمع أذان الفجر بعد أن غادر الليل بظلامه الدامس ويباشر بالاغتسال والوضوء ويصلي الفجر، ثم يسرح ليتسلق الجدار ويقفز من سطح إلى آخر، وكأن المنازل بيت واحد متعدد الغرف حتى وصل ساحة الحي وإذ بأشبال كثر يحملون حجارة في أيديهم ويتحينون الفرصة للهجوم على أعدائهم حيث تعلموا من أسلافهم أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم وينحني حنظلة ويلتقط حجراً ثم ينتصب كأنه مارد خرج من قمقم يقابله أحد الجنود الصهاينة يمسك بندقية كبهلوان يخيف الأطفال بأفعى ما عساها تكون سخرية لهم. كان الصهاينة ينفثون رائحة البارود من بنادقهم معتقدين أنها تعبق برائحة الموت الذي يخيفهم وأن الرياح تؤمر بأمرهم وتخيم على سماء أحلامهم لكي تحبط عزيمة البراعم، يقذف الصهاينة قنابلهم مخلفة وراءها سواداً داكناً على قلوب البراعم البيضاء منذ ولادتهم بيد أن الأطفال عرفوا أن البارود يستخرج من ملح الأرض وهم شربوا هذا الملح من ينابيع وطنهم عبر صدور أمهاتهم وأنفاسهم تنفث رياح الغضب لتطرد رائحة بارودهم إلى جبة السماء قائلاً هل من مزيد ويتقدم حنظلة الصغير قبالة جندي صارخاً الله أكبر ويقذف حجراً صوبه قبل أن يصل الحجر إلى هدفه ترافقه موجة حجارة من الأشبال، وكأن الصخرة كلمة سر تحمل حمم بركان ثائر تلتها موجة حجارة أخرى على جنود آخرين واحتدم القتال وأخذوا يطلقون النار على صدورهم العارية وأقدامهم الثابتة وهوائهم الملوث برائحة أعدائهم العفنة وبعض قنابل الدخان الأسود كسواد قلوبهم العامرة بأحقادهم التاريخية بيد أن الأطفال يستمدون العزيمة من إيمانهم بعدالة حقهم تحت الشمس متشربين الحماسة والاندفاع من آبائهم وأرواح أجدادهم كغيوم غطت جبة السماء محملة بالمطر والأطفال حباته المتواصلة دون انقطاع تروي الأرض بسخاء وتستنهض الخير من باطنها وتنبت زرعاًً كثيفاً مرفقاً بالورود يقدمونها لحورياتهم اللواتي تنتظرنهم بشوق حميم وقبة الصخرة شعارهم المتوارث منذ القدم ويعملون به في زمانهم هذا لتكون صرخاتهم وحجارتهم من سجيل ويجن جنون الصهاينة وينفجر غضبهم لعدم جدوى بنادقهم ويلجَؤون لطائراتهم ومدافعهم ولكن دوي صرخات الحق أعلى من دوي مدافعهم وما زالت أصداؤها إلى يومنا هذا والأطفال مثل كريات بيضاء مهمتها قتل جراثيم الأرض التي تنهض جسد الأمة مدركين أن اليابسة التي تقع بين النهرين جسد واحد ولن يسمحوا لهذه الجراثيم العاتية أن تبتر هذا الجزء الهام من الجسد ولن يكون كجبة ليل دون قمر ينير بضيائه بيوت البؤساء ويحتدم القتال لكن رياح الغرباء قوية تستمد تدافعها من الغرب، وكلما ثبت الأطفال أمام موجة تلتها أخرى، وبعد خروجها من ساحة القتال تصعد إلى أعالي السماء لتعود من حيث بدأت وعند مرورها قرب النجوم تسألها لماذا تلتف حولك غمامة سوداء وصرخات ألم تجيبها ساخرةً دوري كذلك وحزنت النجوم قائلة: كنا نغازل بعضنا قبل قدومها المشؤوم والآن تكدر خاطرنا وهاهي آلام البراعم وصرخات الحق تغطي محيطنا وبعدها لم تعد تظهر ومضات بريقها سبعة أيام حداداً على البراعم التي تراقص النجوم في عيونهم البريئة ثم عادت لتظهر من جديد وتتناقل أخبارهم تشمل محيط الدنيا كلها وإذا بالرياح أمرت بالتوقف من خالقها وأن لا تعود سوى بمواسم الشتاء لأن الحياة لابد لها أن تستمر وينهض حنظلة من فراشه على صراخ أبنائه الجياع لعن الجوع قائلاً لو كان رجلاً لقتلته لقد أفسدتم علي حلمي الجميل. ثم يعاوده هدوءه المعروف ويهدأ من صراخهم بكلماته الدافئة ويضمهم إلى صدره وكأنه يعتصر الجوع من بطونهم الخاوية ثم يخرج ويحوم حول البيت ثم يصعد إلى السطح ويحدق من مكان وقوفه إلى أقصى ما تراه عيناه حتى يصل إلى الخط الذي يفصل بين السماء والأرض رغم وجود شيء هام بينه وبين الخط الفاصل وهو سبب لاستمرار حياته وهو يشفي العلل أحياناً وقد يجلب رائحة زكية وقد يجلب رائحة عفنة وربما يرافقه عبق الماضي المظلم أو بشارة المستقبل المجهول... الهواء قد يحمل السموم القاتلة وربما يجلب المطر وقد يأتينا برائحة الورود أو البارود قيل: من أجل أن تحيا لابد لك من عمل والعمل يحتاج إلى سبيل، سعى، تعثر نجح يوماً، حصل على قوته وقوت عياله أتى يوم جديد وتابع السعي توقف العمل تساءَلََ لدي أفواه لابد من إسكاتها أو إرضائها، سأل النبلاء والحكماء قالوا: اسعَ فإن أرض الله واسعة. انطلق من البيت تجاوز القرية وصل المدينة وتابع لنهاية أطرافها إلى أن وصل هضاباً ومنحدرات وقابلتها مرتفعات، أنهكه التّعب وجلس يأخذ قسطاً من الراحة وإذا بسندس أخضر تحاذيه أسلاك وأشواك..... وألغام وأهوال، وصل إلى معادلة يساويها موت محكم. تساءل قائلاً: أسعى وأرضنا واسعة؟ والأرض تعرف أبناءها وتخشى عليهم؟ أليست الأم ترعى أبناءها ثم وقف صامتاً ساكناً وكأنه السكون الذي يسبق العاصفة يحدق بكل شيء حتى رفع رأسه إلى السماء وعيناه شاخصتان إلى غيمة سوداء أخذت شكل أم تحذر أبناءها من المغامرة لكنه حزم أمراً طال انتظاره وعادت ذاكرته إلى الوراء، حتى وصل إلى طفولته.. قائلاً: ولدنا أحراراً لِمَ هذه القيود، ومن القيمون عليها هل نحن من اختار القيود أم القيود اختارتنا الأطفال يقمطون من أمهاتهم أمن أجل أسر حريتهم أم من أجل ترويضهم على هذا الحال الذي نعيش فيه أوهي عادة اكتسبناها من الأسلاف وعادت ذاكرته من الوراء إلى الأمام حتى حدق بما تراه عيناه وإذ بغزالين يجريان ويمرحان بحرية حتى وصلا أرض الممنوع قفزا فوق الأسلاك داسا ألغاماً يعرفانها انفجر إحداها فتطايرت أشلاؤهما وصلت بعض أشلائهما الشق الآخر وكأنها دفعت ثمن حريتها وأبى أن يموت بين القيود حنظلة جائع حصل على بعض الأشلاء جمع الحطب أوقد ناراً اشتم رائحة الشواء زادت شهيته وبقي ينتظر بلهفة ورغبة محمومة نضجت أكل وشبع قائلاً لنفسه لا بأس من موت غزالٍ وأكله فهي أنعامٌ خلقت لأجلنا، أما نحن خلقنا من أجل من؟ أمن أجل أن نعيش مشردين ومحرومين ومقهورين لا وألف لا لن نكون كذلك دحر الأسلاك وداس الألغام ولم تنفجر لأن الأرض خيرة بكثرة مائها وأتلفت بارود الألغام التي داسها وكأن الأرض تأبى قتل أبنائها وتابع المسير قائلاً: هكذا يجب أن نكون لا اعتراض على قدري ولكني أعترض على مصيري المقيد بالحدود رغم أن دودة الجلمود وهي تخترق الصخور علمتني كيف أخترق الحدود كلساني الذي اخترق لغتي بمهارةٍ وعلمني كيف أقول الصواب من كان يشعر بالبرد يقف تحت أشعة الشمس ليتشرب دفئها ومن كان يشعر بالعطش يبحث عن الينبوع ليشرب الماء ومن كان جائعاً يبحث عن الأشجار والخضار ليأكل ثمارها وإذْ بوجوهٍ سمراء ولحىً صهباء وبنادق سوداء مصوبةً نحوه تعترض طريقه صارخةً توقف؛ أيها الغريب كيف دخلت ومن وراءك؟ رد ورائي أطفالي الجياع، وسخروا منه وقيدوه بالسلاسل ووضعوه على سيارة مكشوفة واقتادوه حيث لا يعلم، تأوه ألماً ونظر إلى السماء وإذا برف حمامٍ أبيض يحلق في سماء الشقين ويدور بحرية، بحركةٍ متواصلة لا تكاد أن تتوقف. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |