جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:13 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

نداء الجسد ـــ أحمد جميل الحسن

اتكأت على حافة السرير تتثاقل بوقفتها ممتقعة الوجه، وقد أعياها الصمت الطويل، نظرت إلى المنضدة، حدقت بألم، كانت صورته تبتسم أمامها، انثالت الدمعة الجارحة تجر معها ذكريات إرث الأمومة، بخلجاتها الخفاقة بالحنين الذي ينبض في عروق القلب الجريح.‏

: هذا الصغير يبكي كثيراً يا أبا محسن، يجب أن نأخذه إلى الطبيب.‏

: سنأخذه إلى المدينة، ونعرضه على طبيب دارس في بلاد بره.‏

نوبات من الحسرة تحاصرها، تجتث سلامة حواسها، توترها، ترميها في شرود سقيم.‏

لم يكن مخاضها خلال إنجاب محسن عادياً، تعسرت ولادتها، وكادت تقضي بسببه، خرجت من محنة ولادته بعقم جعلها تعيش حياتها تواقة لأخ له، فكان كل اهتمامها وسلوتها.‏

"نام نام لأذبحلك طير الحمام".‏

: هذه الأراضي والحقول المشجرة لمن يا أبا محسن؟‏

:هي له.. سيكبر، وسنعلمه في المدارس والجامعات الخاصة، وسيكون ذا شأن كبير، والحمد لله ميسورون، وحالنا فوق الريح.‏

بعض الصبية في المدارس الابتدائية يضربونه، يذهب والده إلى مدرسة القرية، يزبد ويرعد، ويهدد الصغير والكبير، محسن يكبر كشجرات السرو، يدق جذوره عميقاً في قريته كالزيتون، زملاؤه يغارون منه ويحسدونه، الثياب الأنيقة.. الشوكولا.. والبسكويت الفاخر.. والنقود الكثيرة..‏

****‏

المدينة ليست بعيدة كثيراً.. ثمانية كيلو مترات يقطعها كل يوم ذهاباً وإياباً. هناك في مدرسة المدينة، كان الصحب أكثر نضجاً وانعتاقاً وخبثاً. قهقهاتهم، سخريتهم من لهجته القروية ومن سلوكه المتحفظ، وجدية تقاسيمه تجعله يخوض صراعاً مريراً بين الأزقة الموحلة والمغبرة، رائحة خبز الطابون، ندى الزيتون واللوز، صباحات الشاي والميرمية، أصوات الدواب وهمسات الفتيان خلفها، نيران المواقد المتفحمة، جلسات (القُصَص)(1) أكاذيب الشيوخ، وادعاءات الشبان، وبين زحمة الطرقات وركوات القهوة المنسية على الشرفات، الضجيج المرهق، زهو الحوانيت، جلبات الباعة، جرأة الفتيات، وميوعة الشبان.‏

زغرودة تنطلق تشق عباب السماء:‏

"رن سيفو عَ الدرج زغردت أنا.. وصاح محسن يا يمّا نجحت انا"‏

كانت أمسية صاخبة اجتمع فيها أهل القرية، وشاركوا أم محسن في حصول ابنها على الشهادة الإعدادية.‏

تتنقل بين الحضور بأبهى زينتها، تقدم الحلوى وشراب البرتقال..‏

: انشا الله مبارك نجاح محسن.. لو لو لو ليش.‏

: عقبال التوجيهي.‏

أم محسن المنتشية السابحة في فضاء الفرح المنبعث أنغاماً من شرايين الأمومة الحنون الراقصة على أوتار الحياة الباسمة، ترد بحركات عفوية، يقوم بها جسدها وأطرافها، تعكس عظمة فرحها.‏

:عقبى لولادكم.. والله لأرقص وأغني للصبح.‏

مناسبة نجاح محسن شغلت القرية فترة من الزمن، رغم نجاح اثنين غيره في تلك السنة.‏

: تقول ما حدا نجح غيرو شايفينو ومش مصدقين..‏

قالت إحدى النسوة بحسد ظاهر.‏

****‏

في الأرض الواسعة كان معوله يشق الأرض بحنان ورقة ويعشب ويقلّم ويقتل الأفاعي الهائمة التي تبحث عن فريسة، ويقضي قيلولة الظهيرة تحت شجرة التين الكبيرة.‏

طلب منه والده ألا يجهد نفسه في الأرض هناك الكثيرون ممن يعملون عنده، لكنه رفض أن يقضي عطلته المدرسية دون عمل.‏

أيام الجمعة كان يذهب مع والده إلى المدينة، يؤدي والده الصلاة في الجامع الكبير ويمر على بعض عملائه من الباعة.‏

: سأذهب معك يا والدي.‏

: لا.. اذهب أنت إلى السينما.‏

يلتقيان عصراً عند أبي حسن بائع الأقمشة ويعودان سوياً بما تبضعه والده. يتذكر أحداث الفيلم أثناء عودتهما.. يتخيل نفسه مكان البطل تتسابق الفتيات إليه، يضم حبيبته، يهم بتقبيلها، تفر منه عندما يضرب رأسه بحافة نافذة الحافلة إثر نزولها في حفرة وسط الشارع.‏

اقتربتْ من الصورة، ضمتها إلى صدرها المتقد بلوعة الحرمان والندم، كانت أم محسن تنظر بحسرة إلى الصورة المعلقة على الجدار، طرحة الزفاف على رأسها وبدلتها البيضاء.. كان شاباً صغيراً، يقف إلى جانبها يخاصرها ممسكاً بيدها.‏

:"عبد القادر أجا يخطبك يا أمينة، وإنتي بتعرفيه يمّا.. وحداني وعندو أراضي كتير والزلمة ميسور الحال، مش ناقصوا إشي ومعو شهادة الابتدائية".‏

: مارح نلاقي أحسن منك يا عبد القادر.. على بركة الله.‏

"والليلة إنقوشك أمينة والليلة إنقوشك يا هيه‏

ماعدنا نشوفك أمينة ماعدنا نشوفك ياهيه".‏

عام كامل مضى على رحيلك يا عبد القادر..‏

لو لم ترحل.‏

مسحت دمعها بكمها اشتمت رائحة مجنونة، مهووسة تنذر بالخيانة والغدر، ارتعدت، تسمرت في مكانها مصتكة، جاهدت بمرارة لطرد صورته لكنها لم تستطع.‏

(يا ابني برضاي عليك تخلّي الأستاذ عمر بيجي يدرسك هون في البيت مابدي اتظلك رايح جاي). عندما قدمت له القهوة سرقت نظرة إلى فمه الشبق.. نظرت إلى عينيه وجدته ويحدق بها سارحاً في تقاطيعها متوسلاً. خرجت مسرعة مرتبكة، والدم يتقاطر من خديها.‏

وقفت أمام المرآة... استعرضت جسدها طردت الارتباك والخجل عن وجهها.‏

: غداً سيذوي هذا الجمال، وربيع عمرك ينسرب من بين يديك، وتنامين على مضجعك الخاوي ليلاً نهاراً وتنظرين إلى الأخريات يتمتعن بلذة الحياة، وينهلن من كؤوس الحب في مخادعهن وأنت تتحرقين على جمر الرغبة.‏

انتفض الوحش الكامن في خبايا جسدها.. ينهشها يوصد الأبواب في طريق فضيلتها، يغتال عفتها، يهاجم اتزانها وصبرها، يوقظ شهوتها الغافية منذ عام، يستفز أنوثتها المتوثبة، ناداها جسدها فلبت نداءه دون تردد.‏

"لا..لا..عزا يامشحّرة يا أمينة شو صرلك انجنيتي؟ شو بدهم يقولوا عنك الناس؟..‏

: مالي ومال الناس يقولون ما يشاؤون لن أضيّع بقية عمري هكذا.‏

: ولكن محسن.‏

: لن يعرف شيئاً سيمر كل شيء بهدوء.‏

هجست بينها وبين نفسها.‏

لم تكن مصادفة عندما ذهبت هي وابنها إلى المدينة أن تطلب منه أن يعرج إلى بيت الأستاذ عمر لتتعرف على أسرته، ولم تنسَ أن تأخذ من ضمن الهدايا هدية خاصة له، ودعته لزيارة القرية مرة أخرى، والقيام بجولة في أرضهم والتمتع بمناظر الطبيعة الخلابة.‏

وعدهم بتلبية الدعوة ظهر الجمعة.‏

عرجت على الصيدلية بينما كان محسن يبتاع ملابس له.‏

كانت تقف أمام المرآة تتعرى.. تتحسس أماكن الأنوثة بجسدها.. تتخيل الأستاذ عمر أمامها يفتن بما يرى.. يلاطفها يهمس في أذنيها كلمات سحرية.. تتلوى شبقاً.‏

: لو لم ترحل يا عبد القادر..‏

: ألا تريدين أن تخلعي ملابسك وتستريحي من عناء هذا اليوم الصاخب؟ حسناً سأساعدك.‏

انتزع الطرحة عن رأسها بهدوء، وبدأت يده تجوس جسدها.. تعريها من ملابسها، وجسدها الغض الطري ينساب مرتجفاً خوفاً ورغبة.‏

تلك الليلة اقتحمت عالماً آخر مليئاً بالسعادة والفرح واللذة وغفا الصباح على وسادتها يلطخ الأحمر جنباته، ويوقظ زغرودة رجولته.‏

كبر الولد، أين أذهب منه، هل سيفهمني إن علم؟‏

: لو لم ترحل يا عبد القادر؟‏

****‏

كان يوم الجمعة يقترب.. لن تدع هذه الفرصة تفوتها أبداً. رتبت كل شيء بإحكام وانتظرته بفارغ الصبر.. ستروي ذلك الوحش في جسدها وتتلوى كأفعى أضناها العطش وستنفث كبتها على صدره وترشف رحيق النشوة، ستكون معطاءة كما كانت مع عبد القادر، وتجعله كلما شرب يطلب المزيد.‏

:هذا يومك يا أمينة. همست بشبق، أضاءت الشمس غرفتها فأيقظتها، تمطت في جلستها ونهضت مسرعة تدبر أمراً.‏

: محسن استيقظ يا محسن.‏

: اليوم الجمعة يا أمي دعيني أسترح.‏

: لا يابني.. انهض.‏

تململ قليلاً ثم جلس على سريره نصف مغمض العينين.‏

: ها.. ماذا تريدين؟‏

: قم اغسل وجهك.. ستذهب إلى الحاكورة الغربية بعد تناول فطورك، التينة الخرطمانية بتعرفها.. لازم اليوم نقطفها وإلا أكلتها العصافير.‏

: حسناً اجلبي الفطور.‏

: تناول فطوره وحمل بضع سلال قاصداً الحاكورة التي لا تبعد عن البيت كثيراً.‏

****‏

القرية هادئة تماماً فاليوم راحة للجميع، كان الندى ينسل هارباً كلما ازداد لمعان الخيوط الذهبية، وأوراق الأشجار تتراقص على إيقاع تغريدة الطيور الناشطة.‏

غصّة الندم تجرح فؤادها، وتدمي الذكرى أعماقها، تحاول أن تفر منها لا تستطيع، تطبق عليها تجلد أشلاءها وبقايا من ربيع عمرها تمهرها بخاتم الأسى، حزناً يتفجر ألماً ويواكبها حتى محطتها الأخيرة.‏

: يعطيك العافية يما يا محسن.‏

: الله يعافيك.‏

: الشمس حامية شوي خذ كاسة هالعصير بترطبك.‏

: تناولها وشربها دفعة واحدة.‏

اطمأنت وتواطأت مع نفسها مبتسمة.‏

: سآخذ هاتين السلتين وانشا الله ما بتتأخر.‏

: لا تنسي غداء الأستاذ عمر، الخبز المسخن جاهز؟‏

: كل شيء جاهز مايكون لك فكر.‏

عادت أدراجها منتشية تكاد تطير فرحاً، وقلبها يهتز طرباً لموال الجسد.‏

ارتخى الشاب، وبدأ يشعر بخدر خفيف يسري بجسده يتنامى باطراد، عظم الأمر عليه.. لم يشعر بمثل ذلك من قبل، راوده شعور بأن الشمس ضربته، بدأ بالنزول عن الشجرة ببطء وتراخي جسده يزداد وجفونه تثقل على عينيه، وصل إلى أسفل التينة بجهد بالغ، استند إلى جذعها، انقض عليه سلطان النوم واستخلص منه اليقظة، أسلم نفسه وغط في سبات عميق.‏

***‏

كانت رائحة المسخّن تعبق في أرجاء البيت: دجاجتان وأرنب محمر زينت القدر الكبيرة، رتبت البيت بشكل أنيق جداً، ارتدت فستانها الأحمر الذي يظهر مفاتنها.. وضعت شيئاً من الزينة بتكلف ظاهر، عطرت رأسها وخلف أذنيها.. اطمأنت إلى ترتيب السرير، وجلست تنتظر..‏

أفعى تبحث عن فريسة.‏

دقات خفيفة على الباب، المرأة تقفز لاهثة نحوه.‏

الأفعى تجد فريستها وتتجه صوبها.‏

المرأة تفتح الباب مهللة طربة، تقوده إلى الداخل تجلسه على حافة السرير، تماماً مكان عبد القادر، الفريسة تغط في سباتها والأفعى تقترب منها بثبات.. السرير يهتز بعنف.‏

الأفعى تطبق على فريستها:‏

"أمّه يا مطلية.. بيش ملهيه‏

وماكينة الحلاقة ليش مرمية"‏

يُدقُّ الباب بقوة دقات سريعة متلاحقة، تنهض تصلح هندامها وشعرها، تفتح الباب تسأل عيناها الصبي.‏

: أم محسن ابنك محسن نائم تحت التينة الخرطمانية وما بيتحرك..‏

تصرخ.. تضرب على رأسها.. تعدو صوب الحاكورة مولولة.. ينسل الرجل هارباً.. ترى جمعاً من الناس تجمعوا حوله، تشق طريقها من بينهم، تنظر إليه تحدق في عينيه المفتوحتين، تقرأ على بؤبؤ عينيه: "ليش سويتي هيك يامّه".‏

تضمه بحنان ممزوج بالحزن والندم.‏

:" بالله تقولو لنا ياللّي حضرتوه‏

مات بالعطش وإلا سقيتموه".‏

الهامش:‏

1 ـ القُصة: هي فسحة أمام البيت تكون عادة من الطين الأحمر أو الاسمنت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244