جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 716 تاريخ 8/7/2000
Updated: Sunday, September 21, 2003 05:13 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الأدبي
 

نعم للمستقبل... ـــ د.وليد مشوّح

إذا كنا نقوم على القيم كتركيب نفسي أوجد خصوصيتنا الفردة في هذا الكون؛ فإننا في الوقت نفسه نتمسك بالأمل، وندأب باستمرار على تحويله إلى حقيقة نصبو دائماً لها، لأننا نسعى بصفاء لامتلاكها، لذا خصّنا الله بحمل أمانة رسالاته، ومن على أرضنا انطلقت لتعم الكون وتصنع المستقبل القيميّ والفكري للإنسان على أرجاء هذه البسيطة.. هو ذا قدرنا نحن العرب.‏

لذا يجدنا الآخر نبحث عن المستقبل، نناضل لضمان امتلاكه، فاللغة العربية التي ننطق بها لغة تحتل مساحتها أفعال الحاضر والمستقبل، أي أنها غير ماضوية، بل هي لغة مستقبلية.‏

هو مدخل لا لإعراب "نعم" بل لتبيان ماهيتها من حيث يقينيتها، وعقيديتها ومماهاتها لجوانيّة الطمأنينة التي تولدت بدورها عن القناعة الوجودية الكاملة المتكاملة.‏

سألني صحفي أجنبي (بشيء من الدهاء): لماذا ستقول نعم للدكتور بشار وقد صرفت نصف قرن من عمرك في مجاهدة الحياة؟..‏

قلت: سأصرف النظر عن قصدية السؤال، وأتجاوز كيديته، وأكشف لك عن سريرتي من خلال عرض قناعاتي عليك، لا لأقنعك بها، فأنت حر في تصوراتك، بقدر امتلاكي حرية إيماناتي، على الرغم من كونك تعتبر الانتماء العقيدي قيداً يلغي الحريّة؛ بينما أعتبر انتمائي وليد قناعة بالحقيقة، مما جعلني أفاخر بعروبتي، وإسلامي، وبعثيتي، وتلك الأقانيم هي التي كوّنت تفكيري، وكان منها إبداعي، وعلى أساسها قامت إنسانيتي التي لا تشوبها شائبة كما صرّحت ـ نفسك ـ في بداية جلستنا هذه.‏

.... فيا صديقي ... على الأقل قرأت عنه كتاباً (افتراضاً) عن الحرية، والحضارة، والسياسة، والتنمية، والتقانة، والتطور، وتشكلت قناعات أضيفت إلى معلومتي المتواضعة في اختصاصي الأدبي، وآمنت بتبادلية الكون بين الحياة والموت، فآمنت بأن (كل حي يموت)، ولأنني تحققت من مصداقية اختياراتي خلال (نعمي)، التي قلتها من قبل، إذا اكتمل الإطار ـ النهج الذي اختطه ثم بناه حافظ الأسد، وفيه تعززت بعض طموحاتي ولأن الأمل لا حدود له، كونه منفتحاً على المستقبل، ولأن المستقبل لا يمتلك في زمن بقدر حيوات الإنسان؛ فإنني ـ مادمت حياً ـ أتطلع إلى المستقبل على أن يكون هذا المستقبل منطلقاً من آخر خطوة خطاها من مثّل (نعمي) (من قبل)، أي متابعة النهج الفكري ـ العقيدي من حيث انتهت حياة الراحل الجليل الذي مثّل طموحاتي" كمنتم إلى ما عرضته عليك).‏

وكي لا يتحول الحديث بيني وبينك إلى سجال على طريقة (الرواقيين أو المشّائين)، فإنني سأوزع ديناميتي الفكرية على ما تكون عليه ذاتي، أي من الناحية العقائدية، والناحية الوجدانية بكل التفرعات التي تنشعب عن هاتين الدعامتين الوجوديتين.‏

فأنت تعرف بأنني بعثي، وقد شرحت لك لماذا اخترت البعث عقيدة، وبإمكانك أن تربط عقيدتي البعثية بإرادتي للقائد الجديد، الذي قال في كلمته أمام أعضاء المؤتمر التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي وفي جلسته الختامية بالذات: "إن السؤال الذي يطرح نفسه ويطرحه البعض... كيف ننظم علاقة الحزب بالسلطة بطريقة لا يتجاوز فيها الحزب دوره بالانغماس في تفاصيل العمل الإداري والسلطوي، ولا تتجاوز فيها السلطة الإدارية وظيفتها بمحاولة الهيمنة على المؤسسة الحزبية، وهذه العلاقة بحاجة إلى دراسة موضوعية على كافة المستويات من أجل علاقة سليمة وأكثر فاعلية للمجتمع...‏

أيها الرفاق هناك مهام جليلة تنتظرنا وتحديات واسعة توجهنا، وسنكون جميعاً ـ إن شاء الله ـ على قدر المسؤولية التاريخية للتصدي لها، وسنمضي معاً بثقتكم ومحبتكم ومساندتكم في سبيل إنجاز هذه المهام وتجاوز تلك التحديات...".‏

إذن أنا من ذلك البعض الذي سأل عن العلاقة بين الحزب والسلطة، وقد أعلن القائد المستقبل أمام ممثلي الحزب برنامجه المستقبلي بهدوء ووضوح في الوقت نفسه.. إنها أفكار تنبئ عن اتجاه الدكتور بشار نحو نوع من فك الارتباط الوظيفي بين الحزب والدولة، فالحزب يبقى ذا رسالة عقائدية ـ فكرية، وأجهزته مكلفّة بهذه الرسالة تبشيراً بها، ونشراً لمضمونها، بينما الدولة تختص بوضع البرامج المشتقة من روح هذه الرسالة، دون أن تحاول تجاهلها إطلاقاً، ومن المؤكد أن أجهزة الحزب والدولة ستعمد خلال وقت قريب إلى إيجاد ترجمة عملية لهذا التساؤل الذي يتوقف على إجابته تصميم الكثير من الاستراتيجيات التنموية.‏

إنه ـ كما يترى ـ يريد تطوير نظرية الحزب ووضعه في مكانه الحضاري الجديد، وقد أضاء تلك الإرادة عندما عرض لأهداف الحزب، وحدد الرؤية المتماهية مع القناعة المستقبلية بقوله: "... فالوحدة تبدو مطلباً لدول أوربا... والألمانيتان توحدتا.. وكثير من الدول تبحث عن تكتلات اقتصادية أو سياسية مع دول أخرى قد لا تمت إليها بصلة جوهرية، فالأحرى بالدول العربية التي تربطها روابط تاريخية عديدة أن تتطلع إلى تحقيق الوحدة، ولو على مراحل، وإذا لم تتحقق حتى الآن فهي تبقى هدفاً مشروعاً. والحرية أصبحت هدفاً مطروحاً في كل دول العالم ولكل الشعوب أكثر من ذي قبل، وتحولت إلى موضوع للمزايدة لدى كثير من الأنظمة والأحزاب والمنظمات وهيئات أخرى مختلفة.. وهي تبقى موضوعاً جوهرياً في الحياة..‏

أما الاشتراكية فهي مفهوم يطبقه كل مجتمع على طريقته، وبالشكل الذي يحقق مصلحته، إنها مفهوم مرن لا يمكن تحديده في قالب جامد محدد، فهناك الاشتراكية في(فرنسا) وقاعدتها الشعبية الأقوى اليوم، واشتراكية الصين التي تذهل العالم الغربي، وهناك الكثير من الدول التي تحكمها أحزاب اشتراكية وتلعب دوراً أساسياً في حياتها السياسية...".‏

هكذا ركز الدكتور بشار على خصوصية البعث، وحق البعثي في تطوير نظرية الحزب القائد بما يتماشى مع قيَم الأمة ونواميسها وأعرافها من جهة، ومعطيات الحضارة وتطورات الزمن من جهة أخرى، مما يعني باختصار إرادة التجديد والتحديث وتنوير الفكر وتفعيل العقيدة مع الحفاظ على الخصوصية الجوهرية، والإخلاص لتاريخ الكون البعثي.‏

وإذا أردت ألا أتوقف عند هذه النقطة ـ مع أنها تحتاج إلى وقفة طويلة ـ فإنني سأنتقل إلى الركيزة الثانية التي تتمحور حول "الوجدان الجمعي" وأقصد ترجمة إرادة الجماهير من قائدها الجديد، والسمات التي توفرت به.‏

فعلى الصعيد الداخلي كرّس الدكتور بشار معظم وقته بعد عودته من دراساته الأكاديمية العالية لنشر المعلوماتية واستخدام الكمبيوتر في البلاد من خلال ترؤسه للجمعية العلمية للمعلوماتية وهي الذراع المؤسساتي لإدخال التكنلوجيا وبالتالي إخضاع الجامد إلى متغيرات تحركه نحو المستقبل.. إذ يتركز التوجه ـ الطموح إلى إدخال الكمبيوتر إلى كل بيت ومدرسة وجامعة مع الفهم الموسع لضرورات استخدامه.‏

كذلك فإن الانتباه إلى مواطن الخلل في المسيرة والعمل على مقاومته، واجتثاث الفساد، والتصدي لمن يعتدون على حق الشعب، إضافة إلى قبول الرأي الآخر، وتبني كل رأي فاعل وبنّاء، والتفكير الجريء على تفعيل كل البنى الاجتماعية، والاطمئنان إلى نضوج التجربة الشابة في بناء الفعاليات المختلفة، والاعتماد على الأميّز، وأخيراً الإيمان المطلق بقدرة العقل على الخلق والإبداع.‏

أما البناء الشخصي للقائد ـ المستقبل؛ فيكفي شعبه أنه تربى في أحضان البعث ونهل من فكره، ونشأ في أسرة مكافحة يشكّل البعث بالنسبة لها انتماءها وفكرها وعقيدتها ومرجعيتها، لذا فهي في طيف إيماناتي العقيدة، وفي مجرى مساراتها، ولا خلاف بيني وبينه في النظرة إلى البعث كعقيدة، وللحزب كدور بنّاء، وضمير رقابي ثوري يمثل العين الساهرة على حقوق الأمة.‏

لقد أبدى كل من رآه وقابله وسمع عنه، وقرأ تصريحاته من كبار قادة العالم ومفكريه إعجابه بشخصه، وتوازنه، وتواضعه، وأدبه الجم، ورجاحة عقله وانفتاحه على المستقبل، وبحثه عن السبل الكفيلة بالارتقاء بأمته، وتعزيز مكانة وطنه.‏

إن ما أسلفت ليس كل شيء، فهناك الكثير والمزيد مما لا تحتمله مقولة، ولا يستوعبه تساؤل؛ إنما يعني ماذكرت، وما عرفت، وما لمستُ؛ معنى ذلك الـ/نعم/ الذي سأقوله للرفيق الفريق بشار الأسد. قال الصحافي الأجنبي وقد اقتنع بإيماناتي: وماذا بعد قولك نعم...؟!.‏

قلت باختصار شديد: سأمضي معه وبتصميم نحو المستقبل عليّ أتقابل والأمل وجهاً لوجه.. وأصافح الحقيقة، عندها سأتنفس الصعداء وأقول للواقع:‏

نعم، وأمضي، أو تمضي روحي نحو أفق مستقبلي الجديد، فأنا ابن أمة تبحث عن المستقبل دائماً، لذا فهي تعني بالحاضر بكل ما تملك من قيم وإرادة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244