|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
دمنا ليس رخيصاً وإننا قادمون ـــ د.علي عقلة عرسان مع دخول المفاوض الفلسطيني قاعة "بولينغ" إلى جانب الصهيوني، ودخول سياسات عربية وأجهزة إعلام ميدان التنافس كأطراف في حلبة انتخابات الكيان الصهيوني لرئيس الحكومة والمقارنة والمفاضلة بين إرهابي من حزب العمل وآخر من حزب الليكود: باراك وشارون، ودخول الدم الفلسطيني وانتفاضة الأقصى في سوق المضاربات السياسية.. سوق العرض والطلب لتحسين شروط التفاوض أو تسخين وجه المفاوضين؛ ندخل نحن الذين تعني لنا قضية فلسطين صراعاً حتى التحرير، ويعني لنا الدم المراق على طريقها ديناً في الأعناق ومشاعل تضيء طريق العابرين إلى الاستقلال العربي الحق والحرية والخلاص من الاستعمار وهيمنته وأشكال وجوده؛ ندخل دائرة محمومة من الأسئلة ودوامة من الإحباط والتحديات في آن معاً، ومراهنة على النجاح في أن يكون لنا حضور وتأثير وموقف فعال أو لا يكون. إن لقاء المفاوضين يعني هذه المرة اتفاقاً مسبقاً وليس استطلاعاً لأفق الاتفاق كما يشاع، واللقاءات السرية التي كانت تجري تحت ستار الدم ونهره المتدفق سواء تلك التي تمت بين عناصر من سلطة عرفات ونظرائهم الصهاينة داخل فلسطين المحتلة وخارجها، أو بين مسؤولين صهاينة ومسؤولين عرب في القاهرة وعمان وباريس/ لقاء بن عامي ووزير خارجية دولة قطر الذي موّه كثيراً/ ولقاءات الرباط وسواها لم تكن لمجرد التوصل إلى عقد لقاء استطلاعي في قاعدة بولينغ الأمريكية، وإنما كانت لبلورة اتفاق مع باراك يقايض الحرم القدسي الشريف بحق اللاجئين في العودة ويسمح بتصفية جسدية لأبرز عناصر القيادة في التنظيمات والمواقع الفلسطينية التي ترفض أوسلو أو تتمسك بمبدئية الصراع، ويقتحم عليها الدم الفلسطيني المراق بأيدٍ صهيونية كل لحظة من لحظات الوقت حاثاً إياها على متابعة الجهاد حتى النصر، والثأر لمن قتلهم الاحتلال العنصري بدم بارد وحقد دفين مستمر التأثير. وعندما يطلع علينا المتفاوضون بقرار يسوغ ما تم في كامب ديفيد الثانية ويسوّقه بتحسين بعض هوامشه فإنه سيعني الكثير على طريق القضية، وسيعني الكثير الكثير بالنسبة للانتفاضة ومستقبل الصراع العربي الصهيوني، وسيعني أشياء بالنسبة للعلاقات العربية العربية، وللأقطار التي رفضت التنازل والتفريط، ورفضت مسارات تفاوض، وقالت بالمقاومة طريقاً للتحرير، ولم تساوم على دور قومي من أجل استعادة موقع قطري وأراض محتلة ومصالح خاصة. كما أنه سيترك أثراً كبيراً على بلدان العالم الإسلامي، وعلى الشعب في كل قطر عربي وفي كل موقع تعاطف فيه الناس مع انتفاضة الأقصى المباركة. والسؤال أو الأسئلة الملحة تتعلق بنوع الاتفاق ومداه، بمصداقيته وديمومته من جهة، وبالموقف منه وممن يلتزم به من جهة أخرى. إذ من الواضح أن أفضل الشروط التي تشير إلى سيطرة فلسطينية على الأقصى وبعض الأحياء الفلسطينية في القدس وعلى غزة و 95% من أرض الضفة الغربية، وعلى دولة منقوصة السيادة، محاصرة بالوجود الصهيوني سواء من مواقع الحدود أو من المستعمرات أو من المعسكرات والقوات الصهيونية التي تبقى مرابطة فيها ستقود إلى تفريط بحق العودة، وتسليم شبه عام وتام /عربي وإسلامي/ بالاعتراف بدولة العدو وتطبيع العلاقات معها، ورجوع عن كل ما اتخذ من قرارات في القمم واللقاءات التي عجّلت بها الانتفاضة، وإعادة الشعب العربي إلى قمقم السلطة في كل بلد والسيطرة على حركته من قبل أولئك الذين يحكمون قرار تلك السلطة ويسيرونها على نحو ما. وتحت لافتات وقف الدم.. يتوقف النضال وتتم ملاحقة المجاهدين والرافضين لاتفاق أوسلو وللكيان الصهيوني ولإضاعة فلسطين وحق العرب والمسلمين فيها وفي مقدساتها. نحن أمام امتحان.. وربما أمام محنة أو حلقة من حلقاتها في زمن الامتحانات والمحن العربية هذا.. ونحن أمام سؤال: ماذا يمكن أن نفعل، وكيف نفعل ما نريد، وكيف نقدم للانتفاضة مساندة عملية: مادية ومعنوية.. مثالية بالدرجة الأولى، حتى لا يبقى في دائرة شبه العتمة وشبه الصمود وشبه النضال: نطلب من الآخرين أن يستشهدوا لكي نتحدث عن الاستشهاد، ونطالبهم بالعمل من أجل التحرير ونحن لا نرفع معهم قشة ولا نزيد شيئاً على الكلام؟! إن إعلان الموقف واجب، ولكنه مقدمة لتحرك يجعل من الموقف المعلن برنامجاً وحركة تغيير ومواجهة فعلية للعدو ومناصرة حقيقية لمن نطلب إليهم رفض الاستسلام ومتابعة الانتفاضة واللجوء إلى المقاومة المنظمة والمسلحة ضد الاحتلال بوصف ذلك مقدمة للاستنهاض ووضع الأمة على طريق التحرير. إن ما قامت به الجماهير العربية من تحرك حتى الآن أثمر بشكل ملحوظ، ووضع الأنظمة أمام وقائع في الشارع العربي وأمام استحقاقات وحقائق، ولكن تلك الصحوة الجماهيرية تطامنت وتراخت من جهة، وبدأ التفاف الأنظمة العربية عليها من جهة أخرى.. والخشية اليوم من صعوبة استعادة الصحوة والحركة والمبادرة إذا ما أصيبت الجماهير بإحباط، ووضعت الانتفاضة في البورصة. وعلى قيادات الرأي، والتنظيمات المعنية بالتحرير وبرفض أوسلو وأخواتها، وعلى الأنظمة العربية التي تأخذ باحترام الثوابت والحقوق التاريخية والبعد القومي والمسؤولية القومية عن قضية فلسطين، وعلى كل المناضلين والمجاهدين أن يستعدوا لمواجهة الكارثة القادمة من "بولينغ" وكامب ديفيد الثانية على أجنحة صهيونية وأمريكية وعرفاتية. إن العودة بالذاكرة إلى الوراء قليلاً تضعنا أمام قراءة متجددة لوقائع وأحداث، فقد دفعنا دائماً ثمن الانتخابات الصهيونية وتنافس اليسار واليمين في الكيان الصهيوني دماً عربياً، وقد حصدنا في كل المواسم التي كان فيها العمل حاكماً أو الليكود حاكماً زؤاناً وتجرعنا غصص الموت، وقد تبين لنا بعد الخوض في برك الدم والدموع أن اليمين واليسار، باراك ونتنياهو، بيغن ورابين، مائير وشامير... الخ وجوه لعملة واحدة، وقيادات إرهابية دموية عنصرية لمشروع استعماري-استيطاني واحد يستهدف صمودنا وأرضنا ومصالحنا ووجودنا.. ولسنا بحاجة إلى مزيد من التجريب والاختبار. وستكون عودة العرب، أو أعادتهم إلى القيام بدور ((الحمار)) في العرس الصهيوني كئيبة وسقيمة إلى أبعد الحدود وبالغة التكاليف معنوياً بالدرجة الأولى ومادياً بالدرجة الثانية. إن الدعوة قائمة ومفتوحة لإعلام عربي وسياسة عربية بأن تكف عن زج الأمة في معارك صهيونية داخلية، وفي تقديم المحتل الصهيوني شريكاً في الوجود، ووجهاً يحمل وجهة نظر ومن حقه علينا أن نقبله بوصفه مخالفاً لنا في الرأي والرؤية على أرضية احترام حق الآخر في الاختلاف ومعطيات العصر، والديمقراطية العولمية، ومراعاة منطق القوة الذي يحكم قوة المنطق كما يحكم الإرادات والتوجهات والاختبارات ويقدم واقعاً يصعب تغييره أو تجاوزه. إن سياسة التثبيط والإحباط والإجهاض لكل بارقة أمل وصحوة قلب وعقل تمر في الشارع العربي هي أول ما ينبغي أن نواجهه وننبه إلى مخاطره ونتصدى له بكل الوسائل، وقد يأتي هذا من أنظمة وإعلام عربي وثقافة منحازة لاختيارات لا نقبلها، ولكنه يأتي حكماً من إعلام العدو والإعلام الأميركي المتحالف مع العدو. ومن إعلام ومصادر سياسة ورأي أوربية كانت وما زالت رديفاً للسياسة الأميركية في المنطقة وراعياً للمشروع الصهيوني أو غارساً له أو حريصاً على بقائه. وهنا تفرض معركة الثقافة حضورها وترتب تبعاتها وتدعو إلى الاستعداد لها وإذا كان صف العدو وحلفائه وأنصاره والمتعاملين معه من العرب سوف يتوحد خلف سياسة، وسيتابع العمل لتنفيذ برامج وسياسات وتصفيات بأشكال مختلفة، منها التسلل إلى أوساط المعسكر الآخر والفتك فيها من الداخل، كما تفعل فرق الأقليات والمستعربين التي يوظفها الموساد وجيش الاحتلال في صفوف الانتفاضة والمقاومة؛ فإن السؤال ملقى على الصف الآخر المستهدف وصاحب الرؤية والمشروع المضاد والاختيارات البديلة.. لم لا يعمل ويستعيد وحدته، ويؤسس لقوته، ويقوم بمبادرات من شأنها أن تخفف من خسائره، وتحمي جمهوره، وتحشد الناس خلفه، وتجعله قادراً على متابعة النضال ومستعداً للتصدي لما يواجهه من تحديات وامتحانات؟!. إن كيان العدو الصهيوني الآن مهزوز ومثلوم، وجبهة أعوانه مخلخلة قليلاً، واختراق صفوفه ممكن؛ وعلينا ألا نترك فرصة من هذا النوع تفوتنا، بل تنقلب إلى الضد فتفتك بعد زمن فينا، إذا نحن أهملنا العمل، وقللنا من شأن المخاطر وأعطينا ظهراً للأحداث والاستحقاقات، وبقي شيء منا يفتك فينا من الداخل بفعل تراكم الإحباط، وتجدد الاختراق، ومثابرة معسكر الشر على هزيمة قدرة الخير والحق التي فينا. إنني بالقدر الذي أخشى فيه على الانتفاضة وعلى خياراتنا من معسكر الأعداء والمتعاونين معهم من العرب، أشعر بالاعتزاز والثقة ويكبر في قلبي الأمل.. لأن ما تحقق حتى الآن سواء بانتصار المقاومة الوطنية في جنوب لبنان على جيش الاحتلال، أو بما حققته انتفاضة الأقصى من إنجازات معنوية ومواجهات وصحوة عربية وإسلامية، واستعادة للإرادة والثوابت، وبما تحقق من هزائم لتيار التطبيع مع العدو بمعناه الواسع والشامل، وفتح طريق المواجهة على حليفه الأميركي لإلحاق الأذى بمصالحه ورفض بضائعه.. الخ.. لأن كل ذلك ليس قليلاً، وهو مجرد مؤشرات على ما يمكن أن يحدث ويتنامى.. مما يدعوني إلى القول بثقة وأمل: إننا قادمون، فإن دمنا ليس رخيصاً وهدفنا ليس مشوشاً أو مشوهاً.. وإن النصر لنا.. وإن فلسطين كل فلسطين عربية.. وإن القدس دار آبائنا وأجدادنا، ومسرى نبينا، وموقع معاناة وتضحية المسيح المخلص.. هي لنا، بكل ما تعنيه من رموز ودلالات وأبعاد روحية وتاريخية وعربية وإسلامية. وإن النصر لنا مهما طال الزمن وكبرت التضحيات. الخرطوم في19/12/2000 |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |