جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رؤية لمثقفين يهود.. ـــ د. اسكندر لوقا

ربّما للمرة الأولى بعد قيام الدولة العبريّة، يتّخذ مثقفون يهود مثل هذا الموقف الذي تبدّى في بيانهم الصادر في باريس منذ مدّة ليست بعيدة. يتبيّن القارئ للبيان مقدار التأفّف من قبل هؤلاء المثقفين اليهود، نتيجة ما ألحقته بهم، وبيهود العالم، إقامة دولة إسرائيل التي قامت على أشلاء العرب قبيل العام 1948، وبعده، من أذى نفسي وتاريخي، كما أورده بيان هؤلاء المثقفين، وبينهم مفكّرون كبار، مثل روني برومان وماري كلير وبيار فيدال وميشال توبيانا إضافة إلى عدد آخر من المثقفين الفرنسيين الذين لهم مكانتهم في الساحة الثقافيّة الفرنسية، فضلاً عن المهام الإنسانية التي يؤدونها حماية لكرامة الإنسان وسعادته وتجنبه خطر الإبادة.‏

وفي النبأ الذي أوردته صحيفة "لوموند" الباريسيّة، إن مئة من يهود الشتات، شاركوا في توقيع البيان الذي يقول صراحة: "لن يكون هناك سلام ولا أمن للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي من دون الانسحاب من الأراضي العربيّة المحتلة".‏

ونحن، كعرب ومواطنين في المنطقة العربيّة المجاورة للدولة العبريّة، لا نملك إلا أن نشير إلى مثل هذا الموقف الذي اتخذه مثقفون كبار، بينهم عدد لا بأس به من مثقفي اليهود في الشتات، وبإشارتنا لا بدّ أن ننتهي إلى القول بأهميّة تشجيع مثقفي العالم وليس اليهود منهم فقط، لاتخاذ مواقف تعبّر عن رفضهم لاحتلال الأرض بالقوّة، مهما تكن المبررات، وخاصة عندما تكون هذه المبررات من تخرّصات الذين يعتقدون أن من حقّهم فقط أن يرسموا حدود دولة لم يكن لها حضور في التاريخ الإنساني، أو أن يرسموا حدوداً لدولة يمكن اقتناصها من خلال علاقات خاصّة مبنية على المصالح الماديّة المشتركة كما هو حال عمليّة اقتناص "حق" وهميّ في العام 1917 سنة صدور وعد بلفور المشؤوم.‏

وبإشارتنا إلى أهمية البحث عن سبل توضيح قضايانا العربيّة أمام الرأي العام العالمي عبر الشريحة المثقفة من شرائح البشر، وقد تخطّينا نصف قرن من الزمان ونحن نعايش جريمة اقتناص الأرض العربيّة من قبل الحركة الصهيونية العالميّة، من المفيد جداً أن نبني استراتيجيتنا الثقافية إن صحّ التعبير على أسس جديدة بينها إقامة العلاقات المباشرة مع مثقفي العالم لإعلان مواقفهم الرافضة والمناهضة لاغتيال الحق المشروع لهذا الشعب أو ذاك، ضمن المنظور التاريخي للحق المشروع، وبموضوعيّة تبرّرها الحقائق وليس الادعاءات على النحو الذي تمارسه إسرائيل اليوم، بغية تثبيت الوعد السماوي، كما الإدعاء اليهودي يقول، بأن هذه الأرض هي بالتحديد ليهود العالم وليس سواها.‏

ولعلنا لا نختلف في القول بأن تأثير الكلمة والصورة واللحن وما إلى ذلك، لا يقلّ أثراً عن السلاح الذي يفرض على طرف من الأطراف في العالم وضعاً يُضطر للركون إليه لسبب من الأسباب. ونقول بالكلمة والصورة واللحن لأن الإنسان، في حقيقته، يرفض القوّة عندما تمارس عليه ولا يكون هو نفسه في الطرف المعتدي. وهذه حقيقة تاريخية توضّحها المواقف الرافضة للقتال في مختلف أرجاء العالم ومنذ قرون طويلة. ولهذا الاعتبار يمكن للمرء أن يفسّر بيان هؤلاء المثقفين الداعين إلى عمل مشترك بين المعنيين بمثل هذه الأوضاع المتفّجرة في العالم حماية للجنس البشري، وأيضاً إنقاذاً لسمعة الإنسان المعاصر وهو في عامه الأول من القرن الجديد الذي ينتظر من الإنسان نفسه الكثير من الإنجازات التي يتطلّب تسخيرها لصالحه حالة من السلام الحقيقي بين الدول والشعوب.‏

وسلامنا نحن العرب معروف ومحدّد في إطاره العام والخاص. إنه سلام العدل والشمول، سلام استرداد الحقوق المستلبة نتيجة استخدام القوة وتحدّي القرارات الشرعيّة وكل المبادرات التي وضعت على طريق المسيرة السلمية في المنطقة العربيّة وكانت الحكومات الإسرائيليّة المتتالية العقبة في وجه تقدمها إلى الأمام.‏

وفي بيان هؤلاء اليهود المثقفين في الشتات ومن وقّع معهم على البيان من مثقفي فرنسا ومفكريها، في بيانهم الإشارة واضحة كلّ الوضوح حول ما أشرنا إليه من العراقيل والعقبات الإسرائيلية. في البيان جاءت الفقرة التالية: "إن حكومة باراك لم تفك أي مستوطنة منذ وصولها إلى السلطة وفي المقابل فقد عملت أكثر من حكومة نتنياهو على تطوير وتعزيز المستوطنات في الأراضي الفلسطينية".‏

ورفض هؤلاء، أيضاً، أن يتحدّث أحد في إسرائيل باسمهم "رغماً عنهم"، وفي هذا القول استنكار ضمني وعلني معاً لكل ما يقال في وسائل إعلام إسرائيل بأن يهود كل العالم ينظرون إلى القضية الفلسطينية كما يرى إليها قادة وزعماء الحركة الصهيونية العنصريّة المدانة من قبل الجميع. ولهذا رأى موقعو البيان إلى محاولات قادة إسرائيل زجّهم في معركتهم بأنه "ابتزاز بالتضامن الطائفي"، الأمر الذي أعلنوا رفضهم له بأي شكل من الأشكال، كون تلك المحاولات تناهض العمل الإنساني، وتصب في خندق النازية الجديدة المتمثّلة فيما أعدّه ويعده قادة إسرائيل ضدّ الوجود العربي في فلسطين العرب.‏

وبطبيعة الحال فإن صدور مثل هذا الإعلان-الوثيقة، لا بدّ أن يستثير لدى المثقفين العرب الكثير من المشاعر والأفكار حول إمكانيات المشاركة مع أمثال هذه الظاهرة حين يجرى التأكد من براءتها تماماً، كذلك حول إمكانيات دفع الآخرين ممن هم خارج دول المنطقة ومن هم أيضاً وراء البحار، للمشاركة في الدعوة إلى وجوب التزام إسرائيل بقواعد احترام الشرعيّة الدولية، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقه، ليسود الأمن والسلام إحدى أهمّ مناطق العالم التي تعدّ مفتاح الحرب والسلام في اعتقاد كلّ دارس لتاريخ هذه المنطقة ودورها في الماضي البعيد تجاه الغزوات التي تعرّضت لها، فاندحرت الغزوات وبقيت هي صامدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244