|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
رسالة طرطوس
مهرجان السنديان الخامس ـــ نجلا أحمد علي
في بلدةٍ جبليّة ناعسة، وادعة
الأجواء، وارفة الأفياء، محفوفة بالخضرة والجمال، محتفية بالصمت خلا حفيف شجرة أو
وشوشة نسمة أو سقسقة جدول أو نفضة جناح طائر في لحظة انطلاق. يُقام في كل عام مهرجان
السنديان الثقافي ولا أقول "الأدبي"
أو "الشعري" لأنّ هذه التظاهرة السنوية الهامة قد نحت منحىً متفرّداً عن
نظيراتها فشملت أقطاباً متنوعة من الإبداع في مجالات: الشعر-الخاطرة- الفن
التشكيلي-الموسيقا والغناء. متخذّة من مدرسة الملاّجة-على بساطتها وانزوائها
الخجول فوق هضبة مشجّرة بالسنديان والزيتون- مركز إشعاع ثقافي وإحياء لتراث
المنطقة ومواهب أهلها وإنعاش لذكرى ابن الملاّجة البار شاعرنا الراحل "محمد
عمران". -بدأت فعاليات المهرجان في
تمام الخامسة والنصف من مساء الخميس 24/8/2000 بافتتاح معرض الفن التشكيلي الذي
اتسّم ببساطته وتناغم أعماله وانسجامها من منحوتات ومجسّمات ولوحات جداريّة أنيقة
عكست مدلولات جيدة وعبّرت عن سويّة إبداعية رفيعة، نَزّاعة للتجريب والتحديث
والتعمّق. أعقب ذلك افتتاح الشاعرة
"رشا عمران" للمهرجان الشعري بالوقوف دقيقة صمت إكباراً لروح فقيد الأمة
الراحل "حافظ الأسد" وفقيدي الأدب من مفكرين وكتّاب، وأفردت حيّزاً من
الوقت للتعبير عن حزن الوسط الثقافي في سورية وثكَلهِ بأبنائه الأدباء وكبار أرباب
الحرف في سورية وقد رحلوا تِباعاً وبشكل متلاحق وصادم قائلةً: "تِباعاً
ترحلون، بهدوء تسحبون مناديلكم، كأنّ جلالَ السماء اصطفاكم مفاخرةً.." وأهدت
باسم أهالي الملاّجة والحاضرين مهرجان هذا العام للقائد القومي الرمز "حافظ
الأسد" ثم ألقى القاص (محمود حسن) كلمة المهرجان التي نصل من خلالها بالذاكرة
إلى وراء مُعيداً الاعتبار إلى ماضي الملاّجة الحافل بالعطاء الأدبي، فأوّل ديوان
شعري دخل المطابع في مدينة طرطوس كانَ للشاعر (أحمد علي حسن). كما وفدَ إلى
الملاّجة الشاعر الراحل (حامد حسن) لتلقّن مبادئ القراءة والكتابة. وأما المسرحي
العالمي (سعد الله ونوس) فقد حضرَ في هذه القرية أول عرض مسرحي في حياته. وعن
بدايات الملاجة مع النشاط المسرحي والغنائي والموسيقي والجهد التأسيسي للأستاذَيْن
"عماد الدين سليمان" و "جابر قرفول" في هذه المجالات ثم تطوّر
الحياة الاجتماعية والمناشط البيئيّة والخدماتية والثقافية وصولاً إلى فكرة إقامة
مهرجان السنديان الأول كانَ ثمّةَ حديث شيّق ومُفيد. -وافتُتحت الفقرات الغنائية
بمواهب شابّة من قرية الملاجّة أدّت أغنية: (كيفك يا ضيعة شو محتاجي،
ضمّينا بحضنك يا ملاّجي). -وألقى السيد "فواز
بشور" كلمةً استهلّها بمناجاة مؤثّرة خاطبت من خلالها روح القائد العظيم حافظ
الأسد قائلاً: (إنّ التاريخ يلتفتُ إليك يا أمَلَهُ، وإنّ الأمة تدعوك يا فارِسَها
ففي عروقكَ تتماوج دماء الأمة التي حملتكَ ووضعتك، وفي نفسكَ تتجاوب المناقب…) ثم ألقى قصيدة
شعرية في هذا الإطار منها قولُهُ:
تبعهُ الشاعر "زهير
قرفول" الذي قدّم قصيدة بعنوان (تداعيات رجل مسكون) حَمّلها هواجسَ وخواطر
تُرجمت باسترجاعات وتذكّرات فيها نزوع إلى الترميز والإيحاء ورقّة البَوْح قالَ
فيها: حينَ أميّ حملتْني عشقها البكرا/ وجاءت من أقاحي الشوقِ حيثُ استوطنت/ في
وعْدها دفئاً شهيّاً/ كانَ في معشوشبِ الوقتِ مساءٌ ومغاور/ في المساءِ افترشت
عُرْيَها طقساً/ حريراً… ومشت/. -وقد سجّل المهرجان غياب بعض
الأسماء المشاركة ومنها الشعراء: طلال سلمان /لبنان/ -سميحة خريس/ الأردن/-
إبراهيم نصر الله/ فلسطين/ سليمان الأزرعي /الأردن/ جوزيف حرب /لبنان/ -عبدو وازن
/لبنان/، وذلك لأسباب قاهرة حالت دون الحضور جسداً، وأشارَ إليها الأدباء بأسف
صادق من خلال البرقيّات والفاكسات التي تلتْها الشاعرة (رشا عمران) على الحاضرين
نزولاً عند رغبة مُرسليها. ومن برقيّة الشاعر "طلال
سلمان" نقتطف قولَهُ: (حسنٌ أن يجد الشعرُ من يُضرِم النار تحتهُ، حسَنٌ أنّ
الملاّجة ما زالت تحتضن الفكر وأصدقاء محمد عمران). وفي برقيّة الشاعر
"إبراهيم نصر الله" جاءَ: (أكُنُّ احتراماً لهذهِ القرية الرائعة- فلَهم
التحيّة الصادقة لأنهم يحتفونَ بي من خلال احتفائهم "بمحمّد عمران". -وفي الكلمة التي ألقاها
السيد "وَهَبْ روميّة" اتّضحت أسس المنهج الشعري لدى الشاعر الكبير
"محمد عمران" على امتداد مسيرة عطائهِ الغنيّة المتجدّدة، وتوقّف
الأستاذ "وَهَبْ" مطولاً في محراب التجربة الشعرية (العمرانيّة) محلّلاً
ومنقّباً في مزاياها وفَرَادَيتها وأصالتِها وأبعادها الجماليّة المتشعبّة قائلاً
إنّ "محمد عمران" هو شاعر الأسئلة الكبرى والقضايا الكبرى وتحدّثَ عن
ثقافتهِ الشاملة والانعطافات التي اعترت قصيدتهُ بعد نكسة حزيران واعتبر أنَّ
رؤيتهُ الشعرية رؤية نبي من أنبياء الشعر وقد أعادَ في ديوانهِ (الملاّجة) أسطورة
الخلق الأولى ببراعة وكفاءة. وتُعدّ كلمة الأستاذ /روميّة/
تلخيصاً مكثّفاً لرحلة الشاعر الكبير مع عذابات الحرف وتحديّات الحياة على
الصعيدين الإبداعي والشخصي. -وكالعادة تناوبت الفقرات
الفنية من غناء إفرادي وجماعي وأحياناً عزف مع كلمات المشاركين في المهرجان،
فقدّمت الفرقة الغنائية أغنية من كلمات الشاعر "محمد عمران" (خدّني
بملْكَك دَرب ودرب). -كما سجّلَ شعر الزَجل (أو
اللهجة المحكيّة) حضوراً ممتعاً وظريفاً في رحاب المهرجان ولقيّ ترحيباً كبيراً
واستحساناً عاماً لا سيّما من خلال مشاركة الشاعر اللبناني (عصام العبد الله) الذي
وَجّهَ تحيّة للخالد العظيم حافظ الأسد ثم للمقاومة اللبنانية البطلة وختمَ
بغزليّات جميلة. وهذا قبسٌ من تحيّتهِ الأولى: بوّابة الموت معمولة من حجر
ياقوت/ وبتْفتكر مرّات إنّا عالية/ ما بْظنّ/ بوّابة الموت أوطى من سقف
تابوت/ وفي ناس مشْ متلْ البشر/ بيقّربوا عالموت وهنيّ
واقفين/ بيصير يعلى الباب/ وبيمرقوا/ قلْ كأنّوا الباب صار كتاب… -وما كادَ الشاعر عصام عبد
الله يستنفد ما في جعبتهِ من زجليّات حتى بادرت الفرقة الغنائية إلى توجيه تحيّة
مماثلة من أهالي الملاّجة إلى الجنوب اللبناني الصامد من خلال أغنية (يا رجال
المشيو عالموت الهادر) كلمات الشاعر "محمد عمران". -أما الشاعر "مصطفى
خضر" فقدّمَ مقطوعات شعرية بدأها بـِ (قُدّاس الجَبَل) استهلّها قائلاً:
أخُلِقْتَ من جبلٍ حقيقيٍّ/ جَماليّاتُهُ افتتحت قصيدتَهُ/ بقُدّاسِ الجَبَلْ/
موسوعةٌ حجريّةٌ/ تتداوَلُ الأيدي سماءً من صحائِفِها/ وتنضجُ باسمِها روحٌ/
فنكتشفُ الإرادةَ والأملْ/ ولكلِّ حيٍّ بذرةٌ/ ولكلِّ وحيٍ عترةٌ/ والنحلُ جمهرةٌ/
مباركةٌ/ تُرَبيّها القلوبُ/ أو المُقَلْ… -قدّمت بعد ذلك فقرة غنائية
بعنوان /قمرٌ ينامُ/ من قصيدة للشاعر "محمد عمران" وبالنسبة للشاعر
/وجمعة الحَلْفي من العراق فقد تميّز من خلال ما ألقى من شذرات شعريّة باللهجة
المحكيّة بشفافيّة المشاعر والأداء إضافة للحضور المؤثّر والإيقاع الرزين وممّا
ألقى نختار قولَهُ: هذا البحر/ مو بحرْ/ هذا دميّ
المسفوح/ وهذي السّفل/ هذي موسِفِلْ/ هذي مراكب نوح/ هذا البحر شَذّاب/ هذي
السفينة شِذِبْ/ هذي المراكب شذب/ هذا البحر تابوت/. محلْ يوم تواعدني تجيني وما
تجي/ نار تاخذني/ وطّفيني البشي/ شنت أريد ارتشي عليك/ طلعت أنتَ المرتشي/.. مرّة أزعل/
مرّة صالح/ مرّة عانِدْ/ مرّة لين/ لوين تاخدني بعدْ/. -وكانت المحطّة الأخيرة للشعر
مع الشاعر/ عادل محمود/ الذي أدلى بدلوه، وآخر الفواصل الغنائية مع مقطوعة (تخمين)
لفيروز وقد أُديّت أداءً إفرادياً جيّداً ثم مع أغنية (سَفَر الغربة) المؤدّاة
جماعيّاً بجهد مشكور. -وخُتِمَ المهرجان بكلمة
المهندس الفنان (عماد سليمان) الذي ساهم في تلحين الأغنيات المشاركة. كما ساهمَ
الأستاذ (جابر قرفول) في كتابة كلمات بعض الأغنيات. وركّزَ الأخ (عماد سليمان) في
كلمتهِ على قيمة المهرجان وقيمة الشاعر "محمد عمران" ودعا الحاضرين لتجديد
زيارتهم للملاجة: (لقد اجترحَ الحبّ المعجزة في هذه القرية لأننا في هذا المهرجان
يعلو صوتُنا لينسال كالماء جامعاً سُنَنَ التيمّم والوضوء في مِحراب بوح السنديان،
فتعالوا إلينا نرجوكم). -ووجهت الشاعرة/ رشا عمران/
باسم أهالي الملاجة ومنظمي المهرجان وباسم أسرة وذوي الراحل /محمد عمران/ شكراً
جزيلاً لكل من لبّى الدعوة مشاركةً أو استماعاً وحضوراً ولِمَن ساهمَ في إنجاح
المهرجان. باختصار، هذهِ هيَ الملاّجة
في مهرجان السنديان "الثقافي" الخامس. وما تقدّمَ ليسَ أكثر من لقطة
سريعة –بل مبتورة- وهذا لا يُغني القارئ أو السامع
(ولو أوتيَ مخيلّة خصبة) عن زيارة الملاجة وتتبُّع مناشط وفعّاليات مهرجانها
السنوي الجميل الماتع: مهرجان السنديان | |||||||||||||||