جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رسالة المغرب من فعاليات ملتقى أصيلة الثقافي الثاني والعشرين ـــ فراس عبد المجيد

تكريم الشاعر المغربي محمد السرغيني‏

والإعلان عن فائزَين اثنين بجائزة‏

بلند الحيدري للإبداع الشعري الشاب‏

حفل ملتقى أصيلة الثقافي، بدورته لهذا العام، بالعديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية وحتى السياسية. فبعد توقف فرضه رحيل الملك الحسن الثاني في العام الماضي، انطلق الملتقى هذا العام بجد ونشاط عاليين ينسجمان مع توجهات العهد الجديد التي يلمسها المراقبون على مختلف الأصعدة.‏

والمعروف أن ملتقى أصيلة الثقافي يقام صيف كل سنة خلال شهر آب، ويستضيف كوكبة من الكتاب والأدباء والمفكرين والفنانين من مختلف أنحاء العالم، سعياً لربط الممارسة الثقافية والفنية بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية بكل مظاهرها، مع التأكيد على الاهتمام بما يتعلق بالبيئة. واستطاعت مدينة أصيلة المغربية الواقعة على المحيط الأطلسي في الجزء الشمالي من المغرب، أن تبني لها تقاليد فنية وثقافية تميزت بإيجاد وعي بيئوي متقدم لدى السكان، وامتلأت جدران الأزقة في المدينة القديمة بالجداريات الفنية التي ينفذها كبار الفنانين، الشيء الذي أهّل هذه المدينة الصغيرة للفوز بجائزة الآغا خان للعمارة والبيئة.‏

وبرغم تنوع برنامج الملتقى هذا العام، فإن أبرز حدثين ثقافيين فيه كانا تكريم الشاعر المغربي محمد السرغيني، والإعلان عن الفائزين بجائزة بلند الحيدري للإبداع الشعري الشاب. وقبل التطرق إلى هذين الحدثين، نلقي نظرة سريعة على الهيكلة العامة لمؤسسة منتدى أصيلة، وبرامج الملتقى الثقافي الأخيرة:‏

تضم مؤسسة منتدى أصيلة ثلاثة هياكل ثقافية رئيسة، هي على التوالي:‏

جمعية المحيط الثقافية، والمنتدى الثقافي العربي الأفريقي، وجامعة المعتمد بن عباد الصيفية، وقد اندمجت هذه الهياكل ضمن ما عرف مؤخراً بمؤسسة منتدى أصيلة بعد أن كانت تعمل بالتوازي ضمن برنامج صيفي ثقافي رائد. ولكل من هذه الهياكل اهتمامها وبرنامجها. ففي الوقت الذي نظمت جامعة المعتمد بن عباد الصيفية ندوة دولية لتدارس إشكالية ((الممارسات الديمقراطية من منظور الجنوب)) والتي خصها العاهل المغربي الملك محمد السادس برسالة خاصة وشملها برعايته، فإن المنتدى الثقافي العربي الأفريقي الذي بادر باستحداث جائزة تحمل اسم الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري، وقد كان أحد أبرز المشاركين الدائمين بملتقيات أصيلة، وقد خصصت الجائزة للإبداع الشعري الشاب في الوطن العربي. ومن مبادرات المنتدى أيضاً تكريم الشاعر المغربي الكبير محمد السرغيني، وبالإضافة إلى ما تقدم فإن عدداً من المحترفات الفنية التشكيلية في فن الكرافيك والجداريات تقام سنوياً في ستوديوهات خاصة، كما انطلقت ((عدوى)) المحترفات الفنية إلى الشعر ذاته، حيث أقام الشاعر المصري المعروف أحمد عبد المعطي حجازي محترفاً للشعر وتقنياته، مع مجموعة من الشعراء والنقاد والعرب بينهم جابر عصفور ومحمد اللوزي من اليمن، وصلاح نيازي من العراق وغيرهم.‏

تكريم محمد السرغيني‏

حشد من النقاد والشعراء والأكاديميين شاركوا في حفل تكريم الشاعر المغربي محمد السرغيني في جلستين: صباحية ومسائية، وبذلك فإن يوماً بكامله خصص لتكريم هذا الشاعر الذي أشاد بتجربته وريادته الشعرية جل المتدخلين، كما أن منتدى أصيلة أصدر كتاباً بمناسبة الندوة التكريمية بعنوان ((محمد السرغيني وتحديث القصيدة الشعرية)) كما أصدر ملصقاً فنياً خاصاً بالتكريم.‏

شارك في الندوة التكريمية كل من الدكتور محمد الكتاني، وهو عميد سابق لكلية الآداب في تطوان، وقد نوّه الكتاني بما مثلته بدايات الشاعر من رومانسية ارتبطت زمنياً وتاريخاً بصدور مجلة ((أبولو)) التي تزامنت ولادته مع صدور عددها الأول، ويسجل الكتاني أنه سمع بالشاعر أبي القاسم الشابي لأول مرة من السرغيني الذي كان معجباً بالشاعر والجماعة.‏

الكاتب التونسي حسونة المصباحي بدوره، اعتبر الشاعر محمد السرغيني ((كشافاً)) في مداخلة تحمل ذات العنوان، مشيراً إلى إجماع أهل الحداثة والتقليديين من شعراء المغرب على تفرد صوت السرغيني وريادته الشعرية.‏

أما الكاتب المغربي أحمد المديني فقد أكد ما أجمع عليه معظم المتدخلين من أن حيفاً كبيراً لحق بالشاعر من قبل النقاد معللاً هذا الحيف بكون السرغيني لم ((يستظل بأي مظلة سياسية)).‏

الشاعر العراقي صلاح نيازي، المقيم في لندن، فقد استدرج ذاكرته للحديث عن تجربة الشاعر السرغيني أثناء دراسته الجامعية في بغداد، في الخمسينات، وذلك انطلاقاً من كتاب السرغيني ((وجدتك في هذا الأرخبيل)) الذي استعصى على التجنيس الأدبي التقليدي، كما يرى نيازي.‏

وقد أجمع المتدخلون على المسالك الصوفية الرهيفة للتجربة الشعرية لدى الشاعر محمد السرغيني، وخاصة في ديوانه ((بحار جبل قاف)) الصادر سنة 1991 وكتابه الأهم ((وجدتك في هذا الأرخبيل)). ولإعطاء القراء في المشرق العربي فكرة عن شعر السرغيني، نجتزئ هذا المقطع الشعري من ديوانه المذكور في أعلاه، والمقطع بعنوان ((امرأة ونصفها)):‏

[تقاسمني امرأة نصفها المستغيث وتودعني نصفها المستغاث به.‏

(بالبكاء احتياطاً لفاجعتي، وبالضحك المستعار احتجاجاً على ورمني)‏

هي الكلمات وأسباطها صورة الإفك بين خيال تخلف عن ركبه ومطاردة‏

وقفت عند كلمة ((كُنْ)). (دهرك الآن في أرذل العمر) سجّل عليها‏

استباق الخطى واقتران الفضيحة بالخوف! يا أيها النصف! ما مات‏

من شجه الرأس رأس، ولا وزعت ماءها جرّة بالمساواة بين رجوم‏

الحصاة وبين رهافة فخارها، ولئلا تموت الرميّة بالرمي لم تنكسر‏

للمناحة. (لم يرمها أحد بالنقاهة إلا رمته بها) شرّ موتتها‏

ماتها بالنيابة عنها التراب. التقى الميتان مصادفة عند باب‏

الغريزة. كأسان في قطرة، والكثافة في رئتيها طميّ ذاهل عن‏

تعاليمه غارق في اللجاج.]‏

جائزة بلند الحيدري‏

((ولا شك أن الدواوين التي قرأتها اللجنة، خصوصاً المتميز منها، أكدت أن الشعر العربي لا يزال يواصل حضوره الخلاق في حياتنا، وأن زمن الشعر الذي لا يتعارض مع غيره من الأزمنة لا يزال قائماً يمنحنا المتعة التي تؤكد قدرته الحيوية على الاستمرار.))‏

هذا بعض ما جاء في كلمة الناقد جابر عصفور رئيس اللجنة المكلفة باختيار أفضل ديوان للشعراء الشباب دون سن الأربعين. وقبل إيراد نتيجة الجائزة نستعرض أبرز المداخلات التي انصبت كلها على تجربة الشاعر الراحل بلند الحيدري.‏

المداخلات في معظمها، اعتمدت حديث الذكريات، متوقفة عند حقيقة مفادها ظلم النقاد للشاعر بلند الحيدري الذي لم تحظَ تجربته الرائدة بالدراسة والاهتمام اللذين انصبا على رواد الشعر الحر في العراق كنازك الملائكة والسياب والبياتي، في الوقت الذي كانت فيه تجربة الحيدري مغرقة بالمغامرة الإنسانية ذات المنحى الوجودي وكان الأكثر ارتباطاً وتساوقاً مع التجربة الحداثية في التشكيل العراقي المعاصر على يد جواد سليم ونزار سليم وجماعة بغداد للفن الحديث، من خلال علاقته المباشرة بهؤلاء الفنانين، أو بواسطة الشاعر والفنان الراحل جبرا إبراهيم جبرا.‏

الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي حدد فترة أواسط الستينات بداية لتعرفه بالشاعر بلند الحيدري، وذلك في مهرجان أبي تمام الشعري الذي أقيم وقتها بمدينة الموصل، ثم تطرق إلى بيروت ولندن وباريس والقاهرة وأصيلة التي كانت شاهداً على أن الشاعرين التقيا على الشعر على حد تعبير الشاعر حجازي.‏

الناقد العراقي محسن الموسوي توقف عند ديوان الحيدري خفقة الطين وربط الحداثة الشعرية بالحداثة السلوكية لدى بلند الحيدري، مذكراً بجماعة ((الوقت الضائع)) التي أسسها الشاعر مع مجموعة من الأدباء والفنانين العراقيين في الخمسينات مؤكداً الاستفادة القصوى التي استفادها الحيدري من الصحافة والإذاعة والسينما في توظيف عناصرها الدرامية والحوارية في القصيدة الشعرية.‏

الناقد السعودي سعيد السريحي قدم مداخلة هي في حقيقتها نص أدبي جميل يجمع بين الفلسفة والبلاغة في مسعى عميق لتفسير معنى الموت والاحتفاء به كمظهر ذي طابع مأساوي عميق الدلالة.‏

مداخلة الفنانة العراقية دلال المفتي، أرملة الشاعر الراحل بلند الحيدري كانت مفعمة بالخصوصية والصدق، فقد استعرضت مراحل هامة من حياة الشاعر بلند الحيدري في الخمسينات، من خلال علاقته بالشاعر الوجودي العراقي حسين مردان، ومن الأمور التوثيقية التي طرحتها السيدة دلال المفتي أن ((جماعة الوقت الضائع)) التي أشار إليها الناقد الموسي هي في حقيقتها دار للنشر تأسست سنة 1946 من قبل بلند وجواد ونزار سليم، وأصدرت هذه الدار ديوان ((خفقة الطين)) لبلند الحيدري، ومجموعة قصصية لنزار سليم بعنوان ((أشياء تافهة)) وترادف ذلك مع تأسيس مقهى ((واق واق)) الذي وصفوه بملتقى الشعراء والأدباء والعشاق على حد تعبير السيدة دلال.‏

الجائزة‏

أشار تقرير اللجنة المكلفة بالجائزة الذي قرأه رئيسها الناقد المصري المعروف جابر عصفور إلى أن اللجنة توصلت بدواوين لشعراء شباب من مختلف الأقطار العربية جاوزت الأربعين ديواناً، تمت تصفيتها إلى سبعة عشر ديواناً رأت اللجنة أن جائزتها ينبغي أن تمنح مناصفة للشاعرين:‏

-أحمد بخيت من جمهورية مصر العربية‏

-عبد السلام الموساوي من المغرب‏

وقد استلم الشاعر المصري الشاب جائزته بنفسه، وألقى عدداً من قصائده التي تميزت بجودة السبك وقوة الصنعة الشعرية، إلا أنها تفتقر إلى العمق والتجربة فظلت عائمة في بحر التقليد شكلاً ومضموناً.‏

أما الشاعر المغربي عبد السلام الموساوي فلم يكن حاضراً، واستلم الجائزة أحد أقاربه بالنيابة، وبذلك حرم جمهور أصيلة من الاستماع إلى الصوت المغربي الشاب ومقارنته بالصوت‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244