جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أمركة الميزان... في... حقوق الإنسان ـــ محمد كشك

غريب فعلاً أمر الإدارة الأمريكية في إلحاحها على فرض هيمنتها على كل بلاد العالم حتى تنفرد بالقرار، فتغزو من تشاء،وتفرض عقوبات على من تشاء تحت شعار حقوق الإنسان... وعندما يدرس الباحث السجل الأميركي في مجال حقوق الإنسان في أرجاء العالم يجد تناقضات غريبة وازدواجية بشعة تفرق بين الناس على أساس الدين والعرق..‏

فمن المعروف أن إسرائيل تمارس انتهاكاً مستمراً لحقوق الإنسان في فلسطين وذلك منذ قيام هذا الكيان 1948 فالقتل الجماعي وتهديم القرى وتشريد الناس عن ديارهم والزج بأهل البلاد في السجون إلى فترات طويلة دون محاكمات مع التعذيب ـ كل ذلك يقع بمساندة صريحة من الولايات المتحدة والتي تدعم إسرائيل بأكثر من ثلاثة بليون دولار بالسنة... وتزودها بأحدث الأسلحة من أجل قتل شعب أعزل.. وتقف خلفها في أروقة الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى.. ليس ذلك فحسب بل إن أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الأمريكية الخارجية هو ضمان أمن وسلامة إسرائيل، رغم كل الذي تقوم به في مجال انتهاك حق الحياة والحقوق الأخرى للإنسان في فلسطين بل ظلت أمريكا على الدوام تستخدم الفيتو ضد أي مشروع قرار لإدانة إسرائيل بسبب ارتكابها جرائمها البشعة ـ ولم يخف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هذه الحقيقة ـ إذ أنه وفي زيارة سابقة له للكيان الصهيوني، شارك لأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني في اجتماع الحكومة الصهيونية، وقال مخاطباً ألف شاب يهودي في مركز ثقافي في تل أبيب "إن إسرائيل ليست وحدها فأمريكيا تساندكم"، ودعاهم لعدم الاستسلام للخوف، في مواجهة الفلسطينيين وبدوره أثنى بيريز على سخاء كلينتون واعتبره "من أعظم الرؤساء الذين أنجبتهم الولايات المتحدة الأمريكية"، أما في العراق فإن حقوق الإنسان في نظر الولايات المتحدة فهي فرض حظر على تصدير كافة الاحتياجات المتعلقة بالحياة اليومية لشعب العراق، وفيه الأطفال والشيوخ والنساء، حقوق الإنسان في العراق هي منع الدواء والغذاء والكساء، ومنع تصدير إنتاجه من النفط حتى يموت الأطفال والنساء والشيوخ جوعاً.. وإضافة لذلك وافق الكونغرس الأمريكي "على خطة في اجتماع سابق له لرصد مبلغ 100 مليون دولار لتوحيد ما يسمى بـ"المعارضة العراقية" من أجل الإتيان بنظام بديل، يحقق لها طموحاتها الاستراتيجية المعروفة في المنطقة... ويؤكد ذلك الخطة التي كشفها الرئيس كلينتون تجاه العراق بقوله: إن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل لتحقيق حكومة جديدة في بغداد تكون ملزمة ومنصاعة للإرادة الدولية وهو يعني هنا "الإرادة الأمريكية" مشيراً إلى أن الولايات المتحدة في سبيل تحقيق هذا الهدف قد وطّدت تعاونها مع قوى المعارضة العراقية الموالية للغرب حتى تتوحد للإطاحة بالحكومة الحالية...‏

أما حقوق الإنسان في السودان حسب الأنموذج الأمريكي الازدواجي، فهي العمل على كافة الصعد من أجل تقوية وتوحيد حركة التمرد في الجنوب لمواصلة حربها ضد الحكومة الشرعية الأمر الذي نتج عنه موت المئات من أبناء الشمال والجنوب، وفرض المقاطعة والمحاصرة من المنظمات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كذلك عملت الإدارة الأمريكية على تجميع عناصر المعارضة في مؤتمرات مستمرة في واشنطن من أجل بث الدعاية المضادة عن الحكومة السودانية واتهامها بالقتل الجماعي وتشريد الناس عن قراهم ومزاولة الإرهاب.... وليس ذلك فحسب بل ذهبت الولايات المتحدة إلى أبعد من ذلك بعدوانها على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري الذي يزود السودان بـ50% من حاجته للأدوية إضافة لمعاناته من الجوع والمرض والأوبئة جراء فرض الحرب الأهلية والتدخل الخارجي من بعض دول الجوار بدعم من إسرائيل وأمريكا... ولم تكن زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت لدول أفريقيا المجاورة للسودان.. إلا لتأكيد ما ذهبنا إليه ... وحتى تقف على تنفيذ العدوان على السودان "ميدانياً"...‏

كذلك فرض الحصار على ليبيا... لم تكن نقطة النهاية في مسلسل الاعتداء الأمريكي، فعلى الرغم من أن الوضع على الحدود الليبية ـ التشادية كان قد مر بفترات ومراحل طابعها التأزم، إلا أن حالة التوتر التي تصاعدت بين البلدين ذات صلة وثيقة بالسياسة الأمريكية حيال الجماهيرية الليبية بصفة خاصة بل هي من صنع الولايات المتحدة الأمريكية ويرتبط ذلك بالعدوان الأمريكي المستمر ضد الجماهيرية الليبية والذي بدأ يشكل انعطافاً خطيراً في تكتيكه العسكري منذ الهجوم الجوي الأمريكي على ليبيا يوم 15 نيسان 1986.‏

و"القضية العادلة" أو "حقوق الإنسان" هو الشعار الذي أطلقه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش على غزو بنما وتدمير عاصمتها وحرق مبانيها وقتل أكثر من ألف وخمسمائة بنمي برصاص وصواريخ وقذائف الغزو الأمريكي الضخم لبلدهم الصغير.‏

وليس ببعيد عن الأذهان العبارة التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ـ هنري كيسنجر ـ حين قال: "من الممكن الاستغناء عن شعب كمبوديا"، عندما كانت الولايات المتحدة غارقة حتى صدرها في رمال الحرب الفيتنامية المتحركة، وقد أولى كيسنجر بتصريحه المشهور المثير للاشمئزاز أثناء مناقشة حادة حول المطاردة الساخنة التي كانت تقوم بها القوات الأمريكية لضرب معاقل ثوار فيتنام في الأراضي الكمبودية المجاورة لفيتنام، وكان من رأي كيسنجر مواصلة قصف مواقع الفيتناميين في كمبوديا بالقنابل، حتى لو أدى ذلك إلى إبادة شعب كمبوديا بأسره "لأنه شعب يمكن الاستغناء عنه ومسحه من على ظهر الأرض "على حد قوله".‏

وقد ورد مؤخراً في الأنباء أن أحد أماكن التاريخ الطبيعي بمدينة نيويورك الأمريكية قد تخصص ببيع الجماجم البشرية المتحجرة للمشترين والهواة بمبلغ 695 دولاراً للجمجمة الواحدة.. في حين لزمت جمعيات حقوق الإنسان الصمت، إن النظرة للكرامة الإنسانية نظرة متصلة لا تنتهي بالتقادم الزمني إلى قيام الساعة، وهي نظرة متقدمة بلا شك على الغرب الذي يتشدق بحقوق الإنسان ويتخذها مطية للتدخل في خيارات الشعوب... ‏

ونجد أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون يقر بتداعي القيم في المجتمع الأمريكي وبتصدع "النموذج، الأمريكي أمام المشاكل التي يواجهها المجتمع الأمريكي: "التعليم الثانوي الهش، العنف والجريمة، نمو التفرقة العنصرية، الفقر القاتل، وباء المخدرات، تداعي معايير الواجبات المدنية، وتفشي ظاهرة الفراغ الروحي.‏

إن أمريكا لن تغير من سياستها الامبريالية، بل إنها ما زالت تخطط لضرب أي مثال في العالم يعمل لمصلحة بلاده، إن الحضارة الأمريكية حضارة مشبعة بالقيم السلبية الدكتاتورية، وسياستها قائمة على الجشع والافتراء والكذب، وهي تعتبر شعوب العالم الثالث الخطر الذي يهدد مصالحها، وهدفها الدائم صرف الأنظار عن جوهر أي قضية، وشعارها هو: "يجب صرف أنظار الشعوب بشعارات سطحية".. و"عزل كل فرد في المجتمع عن الآخر"، فأمريكا تشكل اليوم "الخطر الأكبر" على الديمقراطية في العالم، وهي لا تتورع عن استخدام العنف عند الضرورة ضد الحرية والديمقراطية فهي قائمة على ثقافة العنف والرعب والإرهاب.‏

إن حقوق الإنسان التي تزعم الولايات المتحدة أنها تتبناها وتدافع عنها غير موجودة على أرض الواقع الأمريكي... ففي إحدى دوراتها أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الممارسات العنصرية في القضاء الأمريكي ولدى المحققين ورجال الشرطة الأمريكيين، وطلبت المنظمة الدولية تشكيل لجنة للتحقق من الممارسات غير الإنسانية في القضاء الأمريكي...‏

ثم إن تقارير منظمات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وأوربا تؤكد أن مسؤولين في أجهزة الأمن والشرطة وفي الكونغرس والبلديات ومجالس المدن هم أعضاء في منظمة (كوكلاس كلان) العنصرية التي يبلغ عدد أعضائها المنظمين رسمياً أكثر من مئة وخمسين ألف عنصر جميعهم في مناصب مختلفة في الدوائر الحساسة في الدولة.‏

وتفتخر كل من منظمة (كوكلاكس كلان) و(فولويل) أنهما أوصلتا الرئيس الأسبق رونالد ريغان مرتين إلى البيت الأبيض الأمريكي وأنهما لن تعترضا على أية إدارة أمريكية تلتزم بما تسمياه (الأمر الإلهي بدعم إسرائيل)..‏

وكشفت دراسة لخرق حقوق الإنسان في أمريكا أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أجرت خلال الستينات والسبعينات تجارب خاصة على المسجونين المعتقلين في سجون واشنطون وأوريغون تمولها الحكومة المركزية، وقد صرح أحد العاملين السابقين في تلك السجون وهو من الشرطة أن قرابة "130" سجيناً حكم عليهم بالأشغال الشاقة خضعوا لتلك التجارب التي شملت تعريضهم لأشعة أكس لدراسة تأثير تلك الأشعة المميتة على وظائف الدماغ والجهازين العصبي والتناسلي. وأشارت الدراسة إلى أن الأمريكي يشاهد قبل بلوغه سن المراهقة إحدى عشرة ألف جريمة قتل على الشاشة الصغيرة، وثلاث عشرة ألف جريمة اغتصاب، حيث أن 77% من برامج الشركات الأمريكية مكرسة لارتكاب الجريمة والعنف والرذيلة...‏

ويلجأ الشباب الأمريكي إلى السلاح أكثر فأكثر لأن "رامبو" وغيره من أبطال السينما الأمريكية يحلون كل مشاكلهم بواسطة السلاح، كما شاهدوا على الشاشة أعمال البطش والعنف باستخدام السلاح، فعندما يشهر الشباب الأمريكي بعد رؤية هذه المشاهد مسدسه عندما يصطدم بمشكلة ما، فهذا يعني أنه استوعب الدرس جيداً... كما تأثر الشباب الأمريكي بالأفلام السينمائية التي تنتجها مدينة هوليود الأمريكية التي تبث سمومها العدوانية وتركت بصماتها في ممارسة الشباب حياتهم اليومية.‏

هذا غيض من فيض في تجاوزات حقوق الإنسان التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية، ويحق لنا هنا أن نتساءل: أين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مواجهة عولمة حقوق الإنسان التي تستهدف الثوابت والقيم الإنسانية وحق الشعوب في المحافظة على هويتها الاجتماعية والثقافية والصحية؟!..‏

المصادر:‏

1ـ جبارة البرغوثي ـ الديمقراطية على الطريقة الأمريكية ـ الأسبوع الأدبي ـ العدد 593.‏

2ـ فائز العراقي ـ الأسبوع الأدبي ـ العدد 626.‏

3ـ دكتور رياض عواد ـ إلى الأمام ـ المجلد الثاني 1987.‏

4ـ أبو خالد العملة ـ أوسلوـ الطبعة الأولى.‏

5ـ دكتور عبد الله الشيخ ـ أمريكا وحقوق الإنسان ـ الأنباء ـ أيار 1998.‏

6ـ الموقف العربي ـ 390 ـ 404.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244