جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ثقافة الأسواق العاقلة!! ـــ د.جمال الدين الخضّور

مهما حاولنا الابتعاد عن نبرات الخطاب السياسي، بهدف الاقتراب من بنية "الثقافي" (باعتبار الأول يميل إلى الوصف أكثر مما يميل إلى الكشف، على عكس الثاني)، فإننا نجد أنفسنا، وتحت وطأة الانزياحات الحادةٍ، التي يمارسها الواقع واللغة معاً، عاطلين عن المأساة الساكنة ضمناً أو علناً في نفوسنا، ومبتهجين بملهاة الفكر الذي يلفّق في السياسيِّ وصولاً إلى معرفيّ مزوّر، مروراً بالأيديولوجي الزائف.‏

علماً أن السياسيَّ هو الثقافة كأدوات، إلاَّ أننا وتحت وقع صرير الهزيمة التي تعصف بالواقع العربي نجد أن "المثقف" يخلط بين السياسي والأيديولوجي والمعرفي ابتداءً من البنية الصغرى (لغوياً) وانتهاءً بالبُنى الكبرى (المجتمع). ربما يساعده في ذلك مابقي مخزوناً في ذاكرته المثقوبة من مفازات يحاول عبرها الهروب من عجز الفكر عن إنتاج قيمه ومصطلحاته النقدية معرفياً، إلى قدرة اللغة على تحريك بعض الصور اللاطية في ثنايا منظومته الأيديولوجية. هذا إذا استثنينا أن الخراب الذي يعمُّ وطن العرب أكثر وداعةً من الخراب الذي يعمُّ ويجتاح نفوس المثقفين.‏

وهذا الخلط القائم بين المستويات الثلاثة (المعرفي، الأيديولوجي، السياسي)، هو مايميّز المثقف الوظيفيّ. وبالتالي فهو فاقدٌ لأدواتهِ النقدية: أما المثقف القادر على استخدام اللغة والفكر المميزين لكل مستوىً منها، فهو بالضرورة نقديٌّ، يستطيع امتلاك أدواته وتطويرها، وقراءة آلية إنتاج الأفكار من خلال حفرها بالواقع، عبر تسلسلها المنطقي السيروري ابتداءً من حاضنة إنتاجها ومصطلحاتها في منظوماتها "الابستمية" وصولاً إلى أنساقها واتساقها في أيديولوجيا الجماعة أو الشرائح الاجتماعية، ومن ثمَّ الوصول بها إلى حيّز اللغة التداولية الفاعلة في مكونات الخطاب.‏

وإذا قلنا عن الأول (الوظيفي) بأنه يمارس فعله ذلك، ضمن نسق أيديولوجي خاص، فلن نجانب الحقيقة بشيء. بل على جانب كبير من الأهمية التأكيد على أن ذلك المثقف هو الوجه الأيديولوجي للامبريالية المتوحشة بأذرعها في العالم الثالث عموماً وفي الوطن العربي خصوصاً. ومن هنا ارتبطت مقولة الأسواق العاقلة والتي تعني تلك التي تفتح أبوابها لسلعة الاستهلاك بطريقة الأواني المستطرقة [من هنا جاءت تسمية الأسواق المستطرقة] بسمة العقل. وعليها جنَّد مثقفو النظام المعولم أقلامهم وشحذوا أفكارهم للحديث عن الثقافة العاقلة، والتي تحوّل الأوطان إلى جغرافيات متلاصقة ملَّونة، والهويات إلى وهم، والعولمة إلى قدر لابد من ركوب قطاره، والامبريالية قدر تاريخي لا يمكن الصراع معه في المرحلة الحالية من العصر المتوحش الطويل.‏

والسوق، والثقافة العاقلان مقولتان مترابطتان، فلا يمكن للسوق أن تكون مفتوحة الجسد. إن لم تمهد لها ثقافة على نمطها. فسيطرة الكاوبوي المعلوماتي والكوكا كولا، والجينز، وطائرة الشبح، ومقولات الكونغرس الأمريكي لا يمكن أن تتمّ، إن لم يكن هناك محادل ثقافية، تنظّر لنقابة مثقفين تشتغل على طريقة الحرفيين، بعيداً عن أيّة قراءة نقدية جذرية للواقع، وإلاَّ ما معنى وهم التاريخ، ووهم الطبقة، ووهم الهوية؟!..‏

وما معنى مقولات مابعد الحداثة التي تستثني الجماعة والإنسان من صنع تاريخهما وتتركه لعقلية الحراك القدري، والذي يفرض "عقلانية" خاصة تصنع الإنسان والجماعة أمام منظورٍ حتمي ومصير ملازم للاّفعل. فكيف لا تكون "عاقلة" تلك الثقافة وهي تؤسِّس لأيديولوجيا السوق العاقلة!!! الواسمة للمرحلة المتوحشة من الامبريالية المعولمة؟! حيث يصبح عندها القفز خارج المهمات القومية والاجتماعية والوطنية العظمى العلامة الواسمة والأولى للنتاج الثقافي، وما عدا ذلك يدخل فقط في بوابات التاريخ المنسيِّ. فتصبح الواقعية الاشتراكية، والسؤال الحاد حول المشروع القومي العربي وأدواته الطبقية، وتحرير فلسطين والعدالة الاجتماعية، وحركات التحرر، أشكالاً من مومياوات التاريخ والمتاحف. وتدخل بدلاً عنها شعارات حقوق الإنسان، ولجان حماية البيئة، وحماية الحيوان، وشوفينية القومية العربية، وهزال اللغة العربية، وأصالة اليهود التاريخية في الجسد العربي، ولغة السلام، وثقافة السلام وغيرها الكثير مما تضخّه الآليات والأبواق الإعلانية والإعلامية عبر القنوات الثقافية للأسواق العاقلة.‏

أما من يحاول أن يعاند ثقافة الأسواق المستطرقة، فهو بالضرورة إرهابي، وما على جنود تلك الثقافة إلاَّ سحقه بيولوجياً، فتتحرك طائرات الشبح والميركافا، والمارينز، لتعقيله بعد أن تحفر له قبراً عميقاً وواسعاً، مؤمنةً وانطلاقاً من تلك الثقافة، بأن أفضل طريقة للحوار مع هؤلاء، حوار المقابر.‏

وأمام ما حدث في العقدين الأخيرين من القرن العشرين للمثقف النقدي ـ الثوري العربي، من نفيٍ، وصمتٍ، وتصميت، وتشريد، وسجن، طغا المثقف المعولم على سطح الواقع الاجتماعي. ساعده في ذلك، ماحدث من اهتزازات على المستوى العالمي للبنية السياسية للمنظومة الاشتراكية. فبدأ يؤسِّس لاغتيال الغد، وخلعه عن وجوه أبناء العروبة، مستنداً في بعض جوانب خطابه الأيديولوجي بامتياز على الانتقائية التلفيقية في قراءة الماضي، لما يؤسِّس لاحقاً لكيانية هلامية خلّبية، أو صورية، تعتمد على أنابيب الضخ الخديجية. وعجزها قائم في كيانية وجودها ـ كأقطار متفرقة ـ ، حين يتحول البشر فيها إلى رعية، ورعايا، وهؤلاء بالضرورة يحتاجون إلى راعٍ، و"مرياع". وهذا الأخير هو بالضرورة مثقف السلطة المعولمة ـ الراعي. والرعايا لا يشيدون أوطاناً. فالأوطان تقوم على أكتاف المواطنين. والمواطن يتواجد في وطن. وهذه العلاقة لا تتحقق إلاَّ بتحقق طرفيها. فالوطن لا يكون كذلك إلاَّ بوجود المواطن، والمواطن لا يتحقق معنى وجوده إلاَّ باكتمال سمات الوطن، الذي هو في هذه الحالة الوطن العربي ديموجغرافياً. ومثقف العولمة ـ أو المعولم، مثقف الأسواق العاقل ـ "المرياع" لا يكتفي بمحاولة قيادة الرعايا ـ القطيع، بل يؤسِّس أيضاً لكيانية قَبَليّة أو عشائرية أو ما شابهها، تشكل الحاضنة ـ المرعى. فيزيّنها بألوان الوطن الوهمي، كقول بعضهم إن الدولة القطرية ضرورة تاريخية، وينسى أو يتناسى، بأنها كسرٌ للتاريخ وبالتالي فهي إكراهٌ له، وما تفرضه العولمة من تحويل تلك الكيانات القطرية إلى حالة "الدولة الهلامية" ـ أو الخلّبية التي تنظّم فقط حركيات الأسواق العاقلة فإنّ مهمة المثقف الوظيفي، وبانخراطه بأيديولوجيا الليبرالية المتوحشة، يسهّل عملية تحويل الكيان إلى هلام. وهذا ما يعجز عنه في حال وجود الدولة العربية القومية. خصوصاً أن الكيانات القطرية طابقت تاريخياً بين مفهوم الدولة ومفهّوم السلطة، رغم ارتباط تلك بانعدام قدرة تلك الكيانات على التراكم المادي والاجتماعي كميّاً وكيفياً. مما يعني تسهيل مهمات النظام العالمي الجديد، المسيّر السياسي لمنظومة العولمة المتمثّلة بالشركات عابرة القوميات والأقطار والمحيطات والهويات والأوطان. وبالتالي تقف منظومة الأمركة جدار دفعٍ لتكوين الأسواق العاقلة، وهي تستند بذلك إلى منظومة الثقافة العاقلة!! التي أطرّت لنفسها أيديولوجياً بموت القومية، والثقافة، وبما بعد الحداثة، والتفكيكية الميكانيكية، وبصراع الحضارات، ونهاية التاريخ، والتوفلرية وغيرها....، ومن سمات تلك الثقافة الوظيفية أيضاً أنها اشتغلت على مستويين مارست من خلالهما التلفيق المباشر، الأول، وهو ما تقتضيه الضرورات التكتيكية في الفعل الثقافي الإعلامي ـ الإعلاني، بما يتماشى مع ألوان المنابر التي يرقص علىخشبات مسارحها، فيتزّين ببراميل النفط بين الأمراء، وبشعارّات العدالة الاجتماعية بين الرفاق. يتغنّى برسائل بوش تحت سماوات تحلّق فيها طائرات الشبح، ويترنّم بأغاني شهداء فلسطين تحت رايات المقاومة (أليست بذلك ثقافة عاقلة؟؟!!!..). أما المستوى الثاني فهو اللباس الأيديولوجي الانتقائي، الذي يحاول التفتيش على "ولا تقربوا الصلاة....."، في جُعَبِ التاريخ انتقائياً، بعد أن يُسقط معنى التاريخ في القول والخطاب، ويهدر إحداثيات الزمان عنها، لتصبح قابلةً للانسحاب على أي زمانٍ ومكان، فيصبح "العقل" الفاعل لا تاريخياً بأساس حراكه، لأنه يشتغل على اشتراط محدّد وأوليّ، يرى الأشياء في لا تاريخية وجودها. وهذا بالذات هو المقدّمة والخاتمة، لأيّ فعلٍ ميتافيزيقيٍّ يقلع بأدواته عن سطح الأرض وقلب المجتمع.‏

انطلاقاً من ذلك تبرقعت ثقافة السوق بمقولة إن العرب لا يقرأون التاريخ، وانطلاقاً من ذلك أيضاً فإن لغتهم العربية جامدة وغير قابلة للحوار ولصناعة السلام (العاقل طبعاً)..‏

أجل نحن العرب ـ شعب تاريخ، وصناعة التاريخ، وليس تأليفه، هو إبداعٌ عربي خالص. وإذا كنا متّهمين بأننا لا نقرأ التاريخ، فهذا لا يعني بأننا لا نصنعه. وإذا لم نكن اليوم من صنّاع التاريخ الراهن (لأسباب ذاتية وموضوعية، نحن في طور نقاشها)، فهذا لا ينفي أبداً بأننا من صنّاعه وصانعيه الأوائل، وسنصنع التاريخ القريب. وصناعة التاريخ تُفضي في الجانب الأنثروبولوجي منها إلى معرفته، ليس بالمعنى "الأيديولوجي" الثقافي الذي يؤكّد عليه الدكتور قسطنطين زريق، بل، بالمعنى الأناسي التطوري. وهذا ما يشكل الأرضية الاستنادية التي يتأسَّس عليها المخيال الاجتماعي، والذاكرة الجمعية وسيكيولوجيا الجماعة العربية....، أو ما يسمّيه البعض بـ"اللاشعور الثقافي". أمّا الجانب الآخر، والمتمم للأول والذي يُقصد به معرفة التاريخ ماضياً بهدف رؤية الحاضر بصورته "الصحيحة" فيدخل ضمن أنساق المعالجة الثقافية الأيديولوجية (كمنظومة أفكار). من هنا، كان من الضروري رؤية ومقاربة ومناقشة الوقائع التاريخية المصنوعة من قبلنا، والتي تعيش فينا عبر نسقين متداخلين، الأول، ويتوضّع في النسق الأناسي المعرفي المفضي إلى ما سمّي اشتراطاً "اللا شعور الثقافي"، الجمعي، والثاني ويكمن في إدراكنا الواعي لها. كل ذلك، لابدَّ أن يحمل في عناصر معالجته، بُنى وإحداثيات السياق التاريخي، تلك المرتبطة في الواقع الذي كان، مكاناً وزماناً، والأخرى المتعلقة بواقع القارئ المتلقي، زماناً ومكاناً.‏

والقارئ الدقيق للتاريخ يدرك بأن الجماعة العربية التي صنعت تاريخ العالم على مدى خمسة آلاف عام قبل الميلاد وعلى مدى عشرات القرون بعده، واستطاعت خوض حوار فعّالٍ ومنتجٍ مع نفسها ومع الطبيعة ومع الجماعات الأخرى. فكانت لنا الأبجدية والأهرام والزقورات والتدجين والطواحين وشبكات الري والتوحيد والشعر والسرد والموسيقى والغناء... فكيف لا نستطيع خوض الحوار مع الآخر؟! وكيف لا ننتج لغةً قادرةً على ذلك...؟!‏

لكن اللغة المقصودة في منظومة ثقافة العولمة، هي لغة الاعتراف بالعدو الغاصب، لغة تسليم الأوطان لأسواق البضاعة المستطرقة. لغة تتعامل مع العدو الإلغائي كآخر موضوعي يتكون في منظومة وهمية اسمها السوق العالمية في القرية الصغيرة!! واللغة العاقلة المقصودة هي ليست اللغة التي تسلّم فلسطين فقط، بل الوطن العربي كلّه. فاحتلال فلسطين ليس إلاَّ نقطة الارتكاز الامبريالي لابتلاع الجغرافية والتاريخ العربيين عبر الأسواق العاقلة. ولكوننا أمّة عصية على الابتلاع أو على الإلغاء، فلابد من استخدام الأسلحة العاقلة جداً أحياناً كطائرات الشبح وكروز وف 16 و"القنابل العاقلة" التي أصبحت معروفة جداً من قبل الأجساد العربية.‏

إذن علينا أن نميّز بين المثقف النقدي الذي يحفر معرفياً وأيديولوجياً لقيام مشروع قومي نهضوي عربي يتعامل مع الواقع بكشفه بهدف تغييره، وبين المثقف الذي يحمل القلم ـ الطبل، والذي يتعامل مع الواقع كراقص السيرك.‏

الأول، يشير إلى الهزيمة ويشخّصها ويتعامل معها بالدم أو بالألم أو باليد القاسية أو بالدواء المرّ أو بالسكين الحادّة. في حين يلوّنها الثاني لتصبح انتصاراً وهمياً يغيّب الكتلة الجماهيرية عن واقعها.‏

المثقف العربي النقدي هو الذي يُعيد إنتاج أدوات الشغل على المنظومة الثقافية العربية بمستوياتها المعرفية والأيديولوجية والسياسية، وعلى مستوياتها المفاهيمية والأداتيّة، لتعيد التعامل مع الواقع بهدف تغييره نحو الأفضل الحتمي. ليس فقط ضمن منظومة احتمال الممكن. بل ضمن منظومة مايجب أن يكون.‏

تلك المنظومة التي تحدّد الذاتي والموضوعي، والخاص والعام، الـ"نحن" والآخر. وتقارب مفاهيم الدولة والسلطة، على مستوى منظور المشروع النهضوي العربي، والأداة والتكوين والتشخيص، وتعيد قراءة البنية المجتمعية العربية قراءة نقدية تشخيصية دقيقة تخصص مفاهيمها، وتعيد إنتاج مفرداتها، وتبتعد عن التعميم الأعمى، وتحاور مشروعها العام عبر قراءة دقيقة، تتميز بالامتلاك التاريخي النقدي للذات ـ التراث (الأصالة)، وللحداثة، عبر إنجاز المشروع الديمقراطي للكتلة العربية المنتجة بمحورها الأساسي القاع الجماهيري العربي، وبما يعني من إمكانية تحقيق امتلاك ليس التكنولوجيا فقط، بل، ومعرفتها أيضاً..‏

إن تلك المنظومة الثقافية، وفي حال تحولها إلى موقع الفعل كخطوة أولى ستكشف عبر قدرتها الخارقة على خلق الزمن الاجتماعي والثقافي العربي الخاص، عن كل الأدوات الثقافية الوظيفية للسوق الامبريالية العاقلة. ولا أعتقد أن هذه الأخيرة ستهزم بسهولة، فلعقلها أنياب حادة ومخالب جارحة. ولكن هذه هي سيرورة وصيرورة الثقافة العربية الجادة المواجهة، والتي كان لها في لحظات التاريخ القريب والبعيد قدرة خارقة على الخلق والإبداع والتجاوز.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244