|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
من مشهد الذاكرة والوطن والأقصى ـــ د. حسين جمعة اسمح لي -عزيزي القارئ- في البداية أن أعرض لمشهدية الوطن والأمة العربية الإسلامية، وكيف زرع الكيان الصهيوني في جسدهما. وهنا أرجع بذاكرتي إلى المرحلة الابتدائية؛ فكنت منذ وعيت أنظر فوق سبورة الصف فأرى مصوراً جميلاً كتب عليه عبارة (خارطة الوطن العربي). ويسأل كل طالب منا عن هذا المصور فيجيبنا الأستاذ: إنه مصور وطنكم من المحيط إلى الخليج ومن بحر العرب والصحراء الكبرى إلى جبال طوروس والمتوسط.. وهو ما تدرسونه في كتب الجغرافية والتاريخ وعلم الاجتماع والوطنية.. ثم يمتد بي الأفق الفكري والخيالي إلى التراث العربي الإسلامي؛ إلى الماضي الذي حقق المجد الحضاري للأمة؛ يوم أن كان أحد الأجداد يركب دابته ويتجه إلى حيث يشاء عزيز الجانب مرفوع الرأس دون أن توقفه حواجز أو تعترضه حدود تذله بأذونات الدخول وتأشيراتها.. كان العربي المسلم -آنذاك- يرمي ببصره إلى القيروان فيحل بها دون عناء، ويرمي بفؤاده إلى سمرقند فلا تعوزه الوسيلة.. ويتجه بفؤاده وعقله إلى القدس ليحج إليها فلا يمنعه حاقد أو غاضب أو مغتصب أو ظالم أو حاكم.. متخذاً مما يقرؤه في كتاب الله (سبحانه وتعالى) سبيله إلى ذلك ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)). فالأرض العربية أرض واحدة، وطننا لا تتجزأ صورته في الأذهان وفي الأدبيات الفكرية والسياسية التي رسَّخت المفهوم الديني والقومي.. فيوم أراد الله لرسوله الكريم أن يجمع أمته على سَمْت واحد جعل مسراه إلى بيت المقدس، وعرج به من فوق الصخرة المشرفة،.. وفي السماء السابعة التي تُظِلُّ الأقصى فرض (سبحانه وتعالى) الصلوات الخمس التي توحّد المسلمون عليها في اليوم والليلة.. وفي الوقت نفسه أكد الله (جل وعلا) وحدة الأرض المقدسة، فلا انفصام بين مكة والقدس؛ وكلتاهما في شريعة الإسلام ديار الأمة وأرضها المقدسة الواحدة.. وكبر الحلم في ذاكرة الأجيال منذ الخمسينات لتحقيق وحدة الأمة من جديد عملاً بقوله تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)).. وصار الشعار للأجيال أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.. ولكن هذه الأجيال استفاقت بعد عدة عقود على أن مفهوم الوطن يتضاءل، والأرض تتلاشى، والمقدسات تنتهك، والأمة تتشظى لتغدو اثنتين وعشرين دولة عربية ومثلها ويزيد عدد الدول الإسلامية.. واُجهض الحُلم القومي..!! ويتساءل المرء عن ذلك كله فيأتي برَجْع الجواب ويرن صوت مُشَوَّش في أذني: قد أصبحت أصوات الدول العربية في المحافل الدولية كثيرة، فلمَ التشاؤم؟!! إنها قوة في ترجيح هذا القرار أو ذاك.. وتهدأ العاطفة المزمجرة في داخل الصدر، ويتردد الفكر في الرأس، ويراقب البصر ما يجري في المحافل الدولية لهذه الأصوات الكثيرة.. ويسمع صراخها المجلجل.. ويتوقع أثراً فاعلاً وقوياً؛ فإذا بها مجرد أصوات تنبعث من هنا وهناك، ليس لها القدرة على التغيير الجوهري، ولا سيما ما يتعلق بقضاياها المصيرية.. فأصحاب القرار هم المنتصرون في الحرب، ولهم وحدهم حق العطاء والمنح وحق المنع والعقاب.. فما يسمى حق (الفيتو) -وهو مرفوع دائماً في وجه حقوق الأمة العربية والإسلامية، ومسخر لخدمة الكيان الصهيوني الذي زرع في قلب الأمة- هو الفيصل في القرار، وهو محامي الشيطان الممثل بإسرائيل. فهذا الجسم الطفيلي الغريب، لم يكن وجوده في أرضنا عبثاً من بريطانيا مع أوربا كلها؛ وإنما خُطِّط له بدقة ثم نفذ بوعد بلفور (وزير خارجية بريطانيا) سنة 1917م. فهذا الوعد المشؤوم أراد أن يخلّص أوربا من شذاذ الآفاق؛ فسارعت جادة بقيادة بريطانيا -وكانت تحتل فلسطين آنذاك- إلى تنفيذ الحلم الصهيوني بإقامة وطن لليهود في الأرض العربية؛ فسهَّلت الهجرة إلى فلسطين، ودرَّبت اليهود على السلاح، وزودتهم بالمال والسلاح.. ولما أعلن أحد ضباطها اليهود بن غوريون قيام الكيان الصهيوني في فلسطين في الثاني من أيار سنة 1948م انسحبت بريطانيا بعد ثلاثة أيام؛ لتتولى الولايات المتحدة حماية الدولة الجديدة ولتكون أول دولة تعترف بها، ومن ثم كان الاعتراف السوفيتي. وقد سبق إعلان دولة الكيان ترتيبات كثيرة في أوربا وفي الأمم المتحدة حيث صدر قرار التقسيم سنة 1947م ليكون الخطوة الأولى لبناء الكيان الصهيوني وتحقيقه على الأرض العربية.. كما قامت مذابح شتى في داخل فلسطين قبل سنة 1948م تحت سمع بريطانيا وبصرها، وغايتها من ذلك كله أن تهجّر سكان الأرض الأصليين من بلادهم، ليحل محلهم شاربو الدماء البشرية منذ فجر التاريخ.. وما أشبه الليلة بالبارحة فاليهود بطبعهم القائم على العنْصرية والحقد والقتل والظلم لا يريدون لأحد أن يشاركهم فيما هم فيه.. فوحشيتهم وهمجيتهم عرض لها القرآن الكريم حين أراد موسى دخول الأرض المقدسة، ولم يكن فيها يوماً ما، فقال لقومه: ((يا قومِ!! ادخلوا الأرض المقدسة..)) فكان جوابهم: ((قالوا! يا موسى: إن فيها قوماً جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها؛ فإن يخرجوا منها فإنا داخلون... قال رجلان: .. ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون)). وأياً كان الموقف الديني الإيماني فإن هذه الآيات الكريمة توضح بما لا يقبل الشك أن اليهود منذ فجر التاريخ غرباء دخلاء على الأرض المقدسة، وكلما دخلوها أشاعوا في نفوس أهلها الخوف والدمار والفساد والقتل وتهجيرهم تحت سيطرة القوة من أرضهم.. وإذا كانت أوربا قد هيأت سبل التخلص منهم ومساندتهم بالسلاح مرة وبالعون الاقتصادي مرة أخرى فإنها زرعت خنجراً مسموماً في صدر الأمة العربية.. وهي لا تزال تمارس هذا الدور بزعامة الولايات المتحدة وتساعد على هجرة اليهود والروس وغيرهم إلى أرض ليست لهم.. وليس لها هدف إلا أن تتخلص منهم، ولا ترضى عن سلوكهم في بلادها.. وحينما أراد اليهود أن يثأروا لأنفسهم من الغرب وجهوا سيوفهم المسمومة إلى صدور العرب، وأهدروا كرامة العربي بمساعدة أمريكا وأوربا والأمم المتحدة.. بينما كان العربي على مدار التاريخ حامياً لهم يعاملهم بكل الحسنى، ولكنهم جزوه جزاء سِنِّمار، وحق فيه المثل: اتق شر من أحسنت إليه. إن مشهد وحدة شذاذ الآفاق وتجمعهم على هدف واحد وكأنهم خلقوا من أب واحد، بينما ينتمون إلى آباء كثيرين وإلى شعوب شتى في الشرق والغرب.. لمدهشة حقاً.. فكل يهودي توحّد على عنصرية بغيضة وتوهم أن أرض الميعاد هي أرض فلسطين؛ وجعل الثقافة الدينية جامعاً لكل أفرادها. لقد حاولت الصهيونية أن توجد عناصر مشتركة ليهود العالم، مستفيدة من التغيرات التي تجري في العالم.. وعلى حساب العرب دون غيرهم.. وهنا أدهشتني صورة الأمة العربية أكثر من سابقتها فالعرب أمة واحدة في لغتهم وانتمائهم وتاريخهم وثقافتهم وآمالهم وآلامهم، لا ينازعهم في ذلك منازع عاشوا على هذه الأرض منذ آلاف السنين وما زالوا ينعمون بترابها.. ولكننا حين نراهم في المؤتمرات ولا سيما مؤتمرات القمة ونرى أجسادهم تتحرك نحسبهم أنهم اتحدوا، وما تجمعوا إلا لحماية الأرض العربية والمقدسات الدينية؛ وتلوك الألسنة الكلمات فنتيقن أن قلوبهم شتى؛.. فالجوُّ الذي يحيط بهم قد سرَّب بعض السموم إلى أفكارهم، فانطبق عليهم قوله تعالى: ((بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)). فالصهيونية بآلتها الحربية والإعلامية المسنودة بالغرب عامة وأمريكا خاصة قد أدت إلى اختراق بعض نفوس العرب، وأقامت حججها على أساس من الواقعية الجديدة التي نجحت في تحقيقها بعد خمسين سنة من قيام الكيان الصهيوني وكأن هذه النفوس العربية لم تدرك ما يخطط لها في نهاية المطاف من اجتثاث لها؛ لأنها نسيت المثل المشهور: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.. وقلت لعل الدم الذي سال في دير ياسين وكفر قاسم.. قد نسي؛ وها هو ذا الدم الطيب الذي يسيل من شاشات التلفزة العربية وصحفها؛ ويقطر من مسامع الإذاعات.. فساحات القدس وأريحا وبيت جالا.. وفلسطين كلها تعبق بدم الأطفال والنساء والشيوخ، ولعلها توقظ أفئدة النائمين والغافلين.. فالأقصى يستحم اليوم بدم الشهداء ليطهره من نجس الصهاينة الغاصبين بينما يغسل ماء الورد الكعبة المشرفة، وها هي ذي الأرض المقدسة كلها تتزنَّر بأكاليل الغار والشهادة بينما تغفو المدن العربية على أحلام الحدائق وأريج الأزهار.. وها هو ذا اللحم الطري الشاب في فلسطين يواجه أعتى آلة الحرب الإجرامية بدباباته ومجنزراته وطائراته بينما تترهل لحوم كثير من العرب في شوارع الأرض العربية يقتات الهمبرغر والذل.. والخوف والهزيمة، متناسين أن الصراع مع اليهود إنما هو صراع وجود لا صراع حدود. فالأقصى اليوم يعيش معركة الإباء والشرف وطالما وقف صامداً في وجه الهمجية العمياء للعنصرية الصهوينية؛ صمد أما حرقه وتهديمه، وحفر الخنادق فيه تحت ذرائع مزعومة.. وقف صامداً أمام حرب صليبية دامت مائتي سنة ولم يسقط، وظل شامخاً دالاً على عزة العرب ومجد الإسلام.. ومؤكداً لكل مسلم ولكل عربي أن الانتماء ليس مجرد دلالة هشة تبينها البطاقة الشخصية.. وكل انتماء عفوي فطري وإن اقترن بحسن النية والتعاطف مع المسجد الأقصى إنما هو انتماء ضعيف.. فالانتماء الحقيقي انتماء مقرون بالوعي التاريخي والقومي والديني والخلقي ومجبول بالتضحية والفداء، فليس هناك مصالحة بين الذئب والخراف، وبين الضحية والجلاد.. فإلى متى سيبقى العرب قابعين في بيوتهم لا قدرة لهم إلا على الحزن والشهيق والزفير.. وقد ملئت المحاجر والأفواه دماً لا دمعاً!!؟ وإلى متى سيديرون ظهورهم لكل انتماء عربي وإسلامي أصيل وفاعل؟!! وهل هم غير قادرين حقاً على أن يتذكروا صوت تلك المرأة التي صرخت لكرامتها فقالت: وامعتصماه!! فلباها وحفظ كرامتها..؟ وهل مات المعتصم فينا..؟ وماذا يقول الشهيد البطل الطفل محمد الدرة للعرب وللإنسانية.. وقد قتله الصهاينة بدم بارد!؟ فالدماء الباردة التي تجري في عروق الصهاينة دماء متوحشة قاتلة تدمر كل شيء يعترضها.. ولهذا حين دنس المجرم شارون ساحات المسجد الأقصى وباركه على الإثم والخبث والحقد والكراهية إيهودا باراك وفي ظل حماية جند الاغتصاب والإجرام كان يقول لكل عربي ومسلم: امنعوني -إن استطعتم- من أن أطأ بقدمي أي أرض عربية تصل إليها، فأرضكم وأعراضكم ومقدساتكم كلها مباحة لي وتحت قدمي هذه.. ولا يأبه لما يقال فيها من أنها قدم صَلَف وهمجية وعنْصرية.. فهو لا يأبه للعالم كله.. فكيف يبالي بالعرب؟!! ويبدو أن الفكر الصهيوني العنصري الذي يشيع أن العرب أفاع لا بد من قتلها قد أصبح سيد العالم الذي يباركه.. فدماؤنا حقاً أصبحت باردة؛ وملوثة لم يحركها الدم النضالي في باحات الأقصى، ولم يؤثر فيها تساقط الأرواح الزكية في دروب الشرف في الأرض المقدسة، ولم يعد عبق صوت زغاريد الشهادة يثير غيرة العربي على حماه.. فها هم أولئك الأبطال شيوخاً ونساء وأطفالاً في فلسطين يكتبون مجد الأمة؛ بينما كثير من أبناء أمتهم يصرخون بأصوات مبحوحة، ويسمعون بآذان صماء؛ ويشاهدون بعيون عمياء؛ وقد هزموا نفسياً قبل أن يهزموا موضوعياً؛ هزموا أمام الهمجية الصهيونية وحليفتها أمريكا التي ما تزال تزيف الحق والحقيقة.. ولذلك قبعوا ينجحرون في دهاليز الخوف والهزيمة.. وكأنهم لم يتعظوا من درس انتفاضة الأقصى التي مضى عليها حتى الآن أكثر من شهر.. فالعرب الشرفاء في أرض فلسطين أرض العزة والكرامة استرخصوا النفس في سبيل الشرف والأرض والمقدسات، ولم يعودوا يبالون بغطرسة الهمجية ووحشية المحتل البغيض.. ولم يعودوا يحفلون بسيد البيت الأبيض سيد العالم لأنهم أدركوا أن الصهيوني إنما هو سيد البيت الأبيض.. لقد خلعوا عن نفوسهم قيد الذل، وما ران على عقولهم من أطروحات الواقعية المزعومة، وراحوا يكتبون تاريخهم بدمائهم.. وهم مؤمنون أن الدم الذي يسيل في بطاح الأرض المقدسة إنما هو دفاع عن حقهم في الحياة والحرية والكرامة ودفاع عن حق الأمة والإنسانية بالوجود، ولن تستطيع همجية غاصب ظالم للأرض والمقدسات أن تقتل إرادة الإنسان الحر الشريف في الحياة وبناء زمن عربي جديد يمتلئ شهامة وكبرياء ليعود وجه فلسطين والأمة كلها وجهاً عربياً وإسلامياً مشرفاً لإيمانهم بقوله تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس)). وإن كان قلمي يكتب هذه الحروف فإن كل حرف فيها ينزف دماً، وكل نَفَس يتلجلج في الصدر يزفر آهة تحرق الورق الذي يكتب فيه قلم كسير لا قدرة له إلا أن يعبر عن ذاته مردداً دائماً وأبداً: دماؤنا للأقصى؛ ((والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً)). |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |