|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:03 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة رؤيوية للقضايا الثقافية في خطاب القَسَم ـــ نزيه الشوفي تفيد الحقيقة المبرهنة بأن المقدمات الصحيحة تفضي إلى نتائج صحيحة.. والثقافة هي إحدى الحقائق الخاضعة لهذه المقولة من حيث هي مؤسسة معرفية تتكامل عناصرها لتشمل العلوم والتفكير والأخلاق والقيم ووسائط التعبير ـ الإعلام.. ولها تأثيرها الفاعل في حياة الفرد: تكسبه سلوكاً وموقفاً وقيماً ومعتقداً وأسلوباً في الخطاب والتعبير. كما لها تأثيرها في حياة المجتمع: تتكامل فيه أنماط السلوك والأهداف وأدوات التعبير فتكوِّن وحدة المجتمع الثقافية ويكتسب عبرها موقفاً مشتركاً حيال المجتمعات والثقافات الأخرى، بما يقربه أو يبعده عنها. ومع تقدم التقنيات الحديثة وانتشارها، اكتسب الأفراد والمجتمعات أنماطاً متقاربة في السلوك والتفكير والتعبير ورؤى المستقبل.. فأضحت التقنية عامل توحيد ثقافي على نحوٍ ماـ ما دامت تجمع مابين العلوم والإنسان ـ كالبذرة الطيبة في تربةٍ خصبةٍ.. من هذه المعطيات نتلمس المعايير الأساسية لاستراتيجية المستقبل التي طرحها الدكتور بشار الأسد في خطاب القسم الدستوري أمام مجلس الشعب. جدلية التطور: ارتكز الرئيس د.بشار الأسد في خطابه على ثلاثية جدلية مترابطة يكمل بعضها بعضاً، وتحمل رؤية واقعية للحاضر والمستقبل. وهي: الفكر المؤسساتي والديمقراطية والشفافية ـ التي تحمل روح التطوير والتغيير والقائمة على عقلية الحوار والإحساس بالمسؤولية وتداول هذه المسؤولية بين السلطة والمجتمع، وبالتالي إنها تُعيِّن ركائز مشروع النهوض الشامل للبنى الأساسية كافة، عمودياً وأفقياً.. فقد حدد الرئيس د.بشار الأسد في تحليله للواقع المعيش، منهجية دراسة هذا الواقع لخلق التربة الصالحة يتجدد فيها الماضي، وإنبات الفكر المبدع بما يوائم مابين سلطان الماضي على الحاضر وسلطان الحاضر على الماضي.. أي إنه ركز على "المعوقات التي تُبقي المجتمع على حاله دون تغيير إلى الأفضل".. وذلك بإسهام الجميع إسهاماً فعلياً في إيجاد الحلول للمشكلات بدراسة مسبباتها، استناداً إلى منطق السببية في معالجة المشكلات، بإرجاع المعلول إلى العلة من بدايتها ومعالجة السبب قبل النتائج وفي هذا المجال رأى أساس التطوير في إنشائه على قوائم ثلاث تتضمن المقولة المنهجية التالية: تجديد الأفكار القديمة، وتطوير البنى القديمة، وطرح الأفكار الجديدة الإبداعية ـ بما يتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية، وذلك بتوافر الأدوات وفي مقدمتها: الفكر المتجدد والنقد الموضوعي البناء. وإذا كنا خصصنا هذا المقال للحديث على الجانب الثقافي، فذلك لما للثقافة من أهمية؛ وقد اتخذت مكان الأولوية في هذا الخطاب فقد أحلّ الرئيس د.بشار الأسد الثقافة في موقع الشفافية من ثلاثيته الجدلية آنفة الذكر.. عيَّن مصطلح الشفافية بدلالاتها في الدقة الرقمية من حيث صدقها في الاقتصاد والسياسة والذهنية وفي الإعلام فقال: "... فالشفافية قبل أن تكون حالة اقتصادية أو سياسية أو إدارية.. الخ.. فهي حالة ثقافية وقيم وتقاليد اجتماعية.. وهذا يفرض سؤالاً ومطلباً في الوقت نفسه يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نطرحه على الآخرين".. وبيّن أن معالجة الواقع لابد وأن يستند إلى الموضوعية والمساءلة، موضوعية النقد والرأي الآخر.. وذلك بالتحليل واستخدام الأدوات في القاعدة أو الأساس أو الوحدة الصغرى (المواطن) والوحدة الكبرى (المؤسسات)، دون اتكالية واحدهما على الآخر.. وهنا (تحديداً) يبرز الدور الهام الذي تضطلع به الثقافة (ومن ضمنها الإعلام): في :تربية الرأي العام عبر الثقافة بأجناسها ووسائلها التي هي منبر المواطن والدولة في آن معاً... أي إنها الجسر الموصل بينهما بامتياز.. من هذه الركائز الموضوعية يمكن تحديد نقاط التطور في آلية الحركة الثقافية (والإعلامية) بعد تموجها عبر العشرين سنة الماضية، حيث انتابتها موجة الرتابة ولأسباب كثيرة متعددة الوجوه ويمكن إيجازها في عبارة مقتضبة وهي: تعثر الفكر أو العقلية المؤسساتية في الثقافة والإعلام، ووجود فجوة مابين قيمية القرار والحدث وبين الأداء والتكيف الثقافي (والإعلامي) بحيث لم ترتقِ هذه المؤسسّة إلى مصافهما عبر الفترة الماضية. وإذا استندنا إلى المنطق السببي إياه نجد أن العقلية البيروقراطية القيمّة على المؤسسة الثقافية بعامة، بما تتضمنه من شخصانية وفردية، نفعية قد أحلت المصلحة الشخصية محل العقلية والمسؤولية المؤسساتية بفعل غرائزيتها الذاتية فضمر النقد الموضوعي في الساحة الثقافية والإعلام... أو تحول إلى أبيض وأسود.. حيث تحكمت المزاجية في تناولها للموضوع (نصاً أو حدثاً) ولا ترى في هذا الأمر سوى المد ح أو القدح، في معظم المنابر الثقافية، وأهمها الإعلام... وأقصي الرأي الموضوعي البناء عن هذه المنابر بفعل الرتابة المقصودة التي كانت تزّين الأمور إلى (الأعلى) على أنها غاية في الكمال، وإلى الأسفل على أنه ليس بالإمكان أكثر مما هو كائن.. فيما أن واقع الحال على عكس ذلك تماماً.. مما قاد إلى نتائج سلبية انتابت الخطاب الثقافي والإعلامي كليهما دون رقيب أو حسيب في أحسن الأحوال... إلى أن حدثت الصدمة (الإيقاظ) التي أطلقها الرئيس د.بشار الأسد في خطاب القسم وفي أولها الشفافية والفكر المؤسساتي والديمقراطية... الفكر "الذي يؤمن أن كل مؤسسة تمثل كل الوطن... والعمل المبني على الصدق والإخلاص في التعامل (....) وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية الزعامة.. ناهيك عن المزاجية والمنافع والمكاسب... ولندلل على ذلك، لإقران القول بالحقائق، نسوق مثالاً عابراً في هذا السياق: كم كتاب نقد من بين ألف كتاب في الأدب (شعراً ونثراً أو قصة ورواية أو بحثاً فكرياً)، صدر في السنوات الأخيرة؟ إنه بالكاد أن تجد بضعة كتب في النقد... وإذا وجدت فإنه نقد خجول في أفضل الحالات.... ولا يلبث الناقد أن يدخل في الموضوع الذي يتناوله حتى ينعطف دون الدخول إلى عمق الأشياء ويلجأ إلى الحشو دون ملامسة حقيقية للموضوع.. ويقفز إلى السماء ثم كم هو عدد الكتب النقدية التي صدرت عن وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب العرب خلال العقدين الماضيين، وكم هو عدد وحجم الصفحات النقدية في وسائل الإعلام، المقروء منها والمسموع أو المرئي؟!... إن الجواب على ذلك مزعج بطبيعة الحال... لقد كان القيم على المؤسسة الثقافية والإعلامية يقول: إن مواطننا لا يعجبه العجب، وأنه يريد الرغيف النظيف من القلب الضعيف.. ومن الجانب الآخر، فكثير من المثقفين كانوا يعتقدون بأن الجهات العليا، صاحبة القرار لا تسمح بالنقد.. إلا أن حقيقة الأمر ليست كذلك فمواطننا يتمتع بحسٍ عالٍ من النقدية، وهو كأي مخلوق على وجه هذه الأرض دائم الإلحاح والتندر بالسلبيات ويبحث عن جواب على ماهو قائم.. وكان بإمكان القيم على هذه المؤسسة أو تلك أن يجعل فسحة للرأي الآخر وجعل مؤسسته جسراً شفافاً مابين المواطن والسلطة؛ ولعل هذه هي مهمته الأساسية بطبيعة الحال. أما قول أو اعتقاد المثقفين فهو في ظاهره صحيح أما في جوهره فهو يخالف ذلك. فهو صحيح، إذ إن المنابر المتاحة لا تقوم بعملية نقد موضوعي هام وبناء سواء على صعيد الأدب والفكر أم الاقتصاد والاجتماع... وهذا لا يعفيهم من مسؤوليتهم، بحيث لا يتكل المواطن على المؤسسة ولا هذه على المواطن كما أشار الرئيس د.بشار الأسد وبذا تسقط كل التبريرات السابقة، وتنفتح أمام الجميع أبواب المسؤولية كل من موقعه، وبخاصة التبريرات البيروقراطية وبالتالي تجاور الفجوة والتموج في آلية الحركة الثقافية التي أقصت النقد عن منابرنا الثقافية التي كانت تحتاج إلى مقتحم، وإلى قرار، بل إلى جراح يضع مبضعه على الخلايا المعتلة، وله عين نسر، وقلب أسد، وحنان أم رؤوم... يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويقرأ الواقع ببنيانه وركائزه ويدرس المشكلة بأسبابها وصولاً إلى النتائج الصحيحة، ومن هنا جاء خطاب القسم يقرأ كل ما يعتمل في أذهاننا ويشغل بالنا ويجول في خواطرنا.. فكشف الغطاء عن السلبيات التي كانت تزين إلى أعلى وتتراكم في الأسفل... فقدم رؤية استراتيجية للحاضر والمستقبل بعقلية حوارية وذهنية نقدية موضوعية (شفافة) وعلينا أن نسهم جميعاً في هذه الرؤية وتطبيقها، واستكناه الواقع وتلمس المستقبل بروح الموضوعية النقدية المشار إليها في خطاب القسم... * على أعتاب المستقبل: واستناداً إلى ما دعا إليه خطاب القسم علينا تجاوز حالة التموج الراهنة وتخطي حالة الجفاء القائمة بين المرسل والمتلقي عن طريق النقد الموضوعي البناء، وفي هذا المجال نقول بأن النقد حمال أوجه، بالطبع، وأن هدف النقد الأمثل هو التطوير والتجديد، وأن الحوار هو أقصر الطرق إلى هذا التطوير.. حيث أن الإصغاء إلى وجهات النظر الأخرى الموضوعية هو دليل عافية وإمكانية هائلة من البناء المخلص والمسؤول، بناء هذا الوطن فرداً وجماعة، ومؤسساتٍ ودولةً وشعباً، إذا جاز التعبير... وإن أهم مهمة ومسؤولية في تطوير الحركة الثقافية والإعلامية في هذا السياق هي تطوير البنى الفوقية (عامودياً) وتربية الجماهير والرأي العام (أفقياً). لترسيخ مدنية متكاملة أي تطوير البنى التحتية وبناء حضارة مرموقة.. أما البقاء في دائرة ذات لونين مكرورين يعرض مدينتنا وحضارتنا وثقافتنا وبنانا التحتية للخطر. مثلما أن غياب النقد الموضوعي المسؤول أو ضموره يهلك الدول العظيمة والأمم الخالدة، فالسير على قدم واحدة يعرض الجسد للاعتلال، وقد يؤدي بالنهاية إلى التهلكة.. ودليلنا على ذلك هو ما جرى في الاتحاد السوفييتي. إذن، إن أُولى مستحقات التطوير الثقافي، والخطاب الإعلامي هي في تجاوز حالة الحياد التي درج عليها هذا الخطاب على مدى عشرين سنةً خلت (سواء حيال الداخل أم حيال الخارج).. وذلك باعتماد الشفافية في هذا الخطاب ـ التي أشار إليها الرئيس د.بشار الأسد في خطاب القسم ـ للنهوض بالواقع الثقافي سواء بتجديد القديم وتنقيته من الشوائب والعلل، أم بطرح أفكار جديدة إبداعية تفضي إلى هذا النهوض المنشود، أو بتوفير الأدوات التي تخضع لمعياري الموضوعية والمساءلة آنفي الذكر... بمعنى أن يكون الجميع مسؤولين ومبدعين وفاعلين، ولا أحد منهم فوق هذين المعيارين ولا مظلل بخيمة "Superstation" أو لديه خاتم لبيك ومحمول على بساط الريح. * المستقبل والزمن المتسارع: وإذا كنا في صدد الحديث عن المستقبل ونحن نعالج المسألة الثقافية ذات الأهمية البالغة في حياة شعبنا بعامة، والشرائح المثقفة على وجه الخصوصية، فإنه يجب التنويه إلى أن التطوير لا يمكن أن يكون متكاملاً إلا إذا كان عامودياً وأفقياً، أي لا يمكن التغيير فقط من الأعلى، بل بتغيير ذهنية الأداء، والأدوات في الأسفل أيضاً، بحيث تعمم مقولة الفكر المؤسساتي في الجهاز الثقافي والإعلامي برمتة لإحداث التناغم بين القرار والتطبيق، أو تحقيق استراتيجية المستقبل والتطور الشامل /التي نشدها خطاب القسم/ وبما يتناسب طرداً مع التغيير الحاصل في بقية القطاعات في مجتمعنا ومن حولنا وفي شتى أنحاء المعمورة.. أي تغيير الذهنية فالأداء للارتقاء بالخطاب الثقافي إلى المصاف الذي نطمح إليه والذي شدّد عليه خطاب القسم لمجاراة التطور الهائل في الأدوات والموضوعات عبر هذا العالم المتحول.. وأنّه لا يمكن إحداث التطور إلا بالثقافة العالية وليس التسلوية والحيادية (على نمط المتقاطعات والرياضة والأبراج وطبق اليوم... الخ...). لأن نظام المعلوماتية الرقمي شفاف وصادق ولا يمكن التعامل معه بغير ذلك، ثم إن نزع الخط الضئيل بين ثقافة الصحافة وصحافة الثقافة هو أمر غاية في الأهمية.. إذ أن ثقافة الصحف المتاحة ـ أو السائدة ليست أكثر من "سندويش سريع" لا يسمن ولا يغنِ من جوع، أو أنه كطنجرة التيفال: لا يلتصق برغم الحرارة الزائدة. وأخيراً: إن مفهوم التحديث إنما يبدأ بالذات أولاً وفي المحيط ثانياً، وفي الوطن ثالثاً... كما أشار الرئيس. د.بشار الأسد إلى ذلك غير مرة.. عليه فلابد أن نسهم جميعاً في دفع السفينة إلى شاطئ الأمان أو الإبداع.. وأن الزمن يسرع ونحن نجاريه ببطء حتى الآن... ولابد من الإقلاع بحركة متواترة متكاملة متناسقة متكاتفة... لأن الذئاب لا تأكل! إلا من الغنم القاصية.. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |